كان يا ما كان في 2200 - بقلم احسان محمد جمبي - السعودية

منطقة (الخلية) ..

العام 2200 .. الساعة 4:00 (ليس صباحاً أو مساءً) ..
فتح (124) عينيه عن آخرها .. فرفع ظهره عن الطاولة البيضاء الصلبة .. فوطئت
قدماه أرضية بيضاء صلبة أخرى .. كما هي الجدران الأربعة من حوله داخل الحجرة
المربعة الصامتة ..
لم تبدو عليه أي آثار للإرهاق و كأنه لم ينم أساساً ! .. 
كان ذا ملامح عادية جداً .. بشرة أدمة و شعر أسود قصير و شعر خفيف على الوجه
.. 
ما إن استدار حتى انتصبت الطاولة بشكل عمودي مقابله .. و منها انطلق قوس اشعاعي
أخضر أجرى مسحاً كاملاً عليه من قمته حتى أخمصه .. فظهرت على سطحها نتائج
التحاليل الحيوية من الضغط و النقاوة و البنية في وقت خرافي .. و مباشرة انطلقت
منها حزمة ليزرية لتخترق ذراعه .. و هي بذلك تقوم بنقل المغذيات الأولية للدم
مباشرة (كمية عالية من الكربوهيدرات .. بعض من البروتين و الكالسيوم و
الفيتامينات و المعادن) وجبة متكاملة دون زيادة أو نقصان و هو كل ما يحتاجه ..
و من ذلك ندرك أن هنالك مصطلحات قد انقرضت على غرار : (أنا جائع) أو (آه يا
بطني ) أو (علي أن أذهب إلى ال... ) !
ما إن جهز (124) .. تقدم مواجهاً لأحد الجدران ليرتفع منها شق يكفي لخروجه ..
بعد أن يكون قد ارتدى زيه المطاطي الأسود المعالج بالكربون و المعزز بتقنية
النانو الموزعة في كل نقطة لتساهم في نقل كل النتائج الحيوية للجسم (كارتفاع
درجة الحرارة أو انخفاض الضغط) و معالجتها في وقتها إن أمكن ..
و بذلك يبدأ يومه ..

***

بدت سماءً صافية جداً ..
هذا ما كان يظهره الغطاء الزجاجي المحيط ب(الخلية) .. ليست هنالك شمس و لكن
هنالك أضواء .. 
الشمس .. ذلك النجم العظيم الذي لم يره أو يعرفه أحد منذ وقعت الحرب النووية
الأخيرة , و التي أدت إلى أخطر حالة تلوث شهدها كوكب الأرض , مما نتج عنه أكبر
ثقب لطبقة الأوزون , و الذي أنفذ الأشعة الشمسية الضارة لتذيب المناطق الجليدية
, و يغرق بالتالي معظم اليابس الشمالي و الجنوبي .. هذا كله بالإضافة إلى
التلوث الذي أعدم القدرة على الحياة , فلم يبقى مكان صالح للعيش سوى (الخلية) .
(الخلية) .. أو (يوتوبيا) الحياة المثالية التي لطالما حلم بها البشر .. 
درجة الحرارة 23 درجة مئوية .. و نسبة نقاوة الجو فيها يصل إلى 95.5% .. و أما
ال4.5% فهي تخص CO2 الذي لازال البشر يفرزونه خلال عملية التنفس .. 
لم يعد هنالك حاجة إلى الوقود الأحفوري (النفط و الغاز) في وجود الهيدروجين
النقي و الفعال .. و الخطير أحياناً ! .. و هو ما يمد به نهر (الشريان) الذي لم
ينضب بعد .. و بذلك اختفت الضوضاء التي تخلفها المكائن و وسائل المواصلات و حتى
الحيوانات !.. 
يحتاج الجسم إلى الحركة كي لا يتوقف الدم عن الجريان .. و هذا ما يفعله (124)
كل يوم .. يقف في الصف البشري .. و من النادر أن يصطدم بأحدهم .. فلابد أن يفصل
بينه و بين من خلفه و أمامه مسافة 4 سم .. 
ما إن يختلط (124) بالناس .. فاني أتحداك أن تتمكن من التفريق بينه و بين أي
إنسي آخر !؟ .. 
هذا لأنه يملك نفس ملامحهم !؟ .. نفس البنية و الطول والعمر و حتى حجم الأنف و
لون العين و نفس البشاعة أو الجمال !؟ .. و الأمر نفسه ينطبق على النساء .. و
كان أساس هذه العملية هو أن كل رجل يشبه أباه (آدم) و كل امرأة (حواء) ..
لايفرق بينهم سوى معدن التيتانيوم الغير ضار و المزروع في ذراع كل واحد منهم ..
و هو مالا يحتاج لمعرفته سوى المتحكم المركزي بنظام الحياة و المسمى ب(نواة
الخلية العظيمة) أو(ن.خ.ع) ..
(ن.خ.ع) عبارة عن برج فضي شاهق العلو تحيط به حلقات حلزونية الشكل .. يحتل مركز
(الخلية) كموقع له و يخترق غطاءه الزجاجي ليشكل قمة الرأس الهرمي له .. لا أحد
يعلم مالذي يحدث داخل هذا الصرح ! .. لأن أحداً لا يهمه معرفة ما يحدث !
بالإضافة للنظام الأساسي لل(خلية) .. فقد تم تقسيم المنطقة إلى 24 قطاع .. كل
قطاع على شكل صحن دائري .. تعمل كل منها كوحدة منفصلة لتشترك جميعاً في خدمة
(الخلية) .. يشبه هذا كثيراً اللوحة الأم لأجهزة الحواسيب التي نعرفها .. 
سنأخذ مثالاً لم يحدث هنا و ليكن القطاع ال2 و المسماة بمحطة ال(ميتوكاندريا)
لتوليد الطاقة .. حيث تقع في الطابق ال3 تحت الأرض و تحت برج (ن.خ.ع) مباشرة ..
هنا يتم سحب الطاقة الكهربائية الناتجة من تفريغ شحنات الصواعق (و التي لم تنفذ
هي الأخرى) في قمة البرج , و تحويلها لطاقة حركية تساعد في عملية تشغيل المفاعل
الهيدروجيني .. و الذي يتغذى عن طريق نهر (الشريان) و منه ينتج أكسجين طاقة
الانسان و هيدروجين طاقة الآلة .. و كل ما يفعله الانسان في هذا القطاع هو أن
يراقب بصمت .. و لايفعل شيئاً آخر سوى المراقبة !..
و كان من أهم ما نتج عن هذا النظام الرتيب للحياة .. أنه قد تم الحجر على مركز
العواطف في الدماغ .. و الذي استنتجوا أنه سبب كل الحروب المشؤومة السابقة .. و
سبب كل عنصرية و تمييز .. بغض النظر إن كان مصدر مشاعر الحب و الانسانية .. فلم
يعد هنالك حاجة لارتكاب الجريمة أو ممارسة الشهوات .. الدماغ يفرض عليك ما
تعلمه وحسب .. فهذا هو نظام الحياة و كل ما أنت بحاجة لمعرفته :(أنت موجود ..
إذاً أنت حي ) .. 
لم يعد هنالك حاجة للإكثار من الكلام :(قل ما أنت بحاجة إليه .. فقط) ..
لم يعد هنالك حاجة لزيادة عدد السكان :(أدِّ دورك في الحياة .. و لا شأن لك
بأحد) ..
فأما من يموت منهم فيعوض عنه بنسخة جديدة ..
صاروا بذلك سواسية .. ذكراً و أنثى .. و إن انتفت بينهم أي نوع من العلاقات
الملموسة .. 
حياة مملة هي نعم !.. لكنها حتماً قمة في التنظيم و إن كان بنسبة 95% .. و بها
نسبة خطأ نادر و مسموح 5% .. فلا أحد استطاع الوصول للكمال بعد .. هذه ببساطة
هو أسلوب حياة (124) أو أي رقم آخر .. فلن يختلف عنه مطلقاً ..

***

في ظل هذا التقدم الهائل .. 
الشيء الوحيد الذي منع (ن.خ.ع) من الاستغناء عن البشر في وجود الآلات .. هو
قطعة اللحم اللزجة و المختبئة داخل الجمجمة و المسماة بالدماغ .. 
إنها بضع تفاعلات كيميائية ترسل و تستقبل إشارات كهربائية إلى الشبكة العصبية
تفوق قدرة المعالجات الدقيقة و المتناهية الصغر في المراقبة و التنبؤ و التعلم
و الإجراء السريع .. 
و قد كان هذا هو عمل (124) ضمن قسم (نظام الحماية الاحتياطي) أو (ن.ح.ح) .. كل
ما يقوم به هو الوقوف أمام الشاشة المضيئة و تنغرز في رأسه الألياف البصرية
الرفيعة .. بحيث ترسل و تستقبل الاشارات الدماغية الخاصة بعملية مراقبة النظام
في حال وجود خلل .. و هو أمر نادر في عالم اختفى منه مصطلح (الجريمة) .. لأن
العقل لم يتربَّ عليه أو يجرّبْه من قبل .. لكنه موجود بأية حال ..
-(( عنصر سالب(-) .. نسبة التلوث 15% .. يتحرك بسرعة 72 كم / ساعة .. في
القطاع ال5 .. اتخذ اللازم )) .
وصلت هذه الاشارة إلى دماغ (124) أثناء عملية المراقبة .. فاسرع عقله يرسل
الاجراء اللازم :
- اعزل القطاع الخامس بالمجال المغناطيسي عند كل تقاطع و مسار .. نفذ .
و دون جدوى .. فقد استطاع العنصر (-) أن يتجاوز هذه العقبات و يظل طائفاً في
محيط القطاع .. و هذا الذي استدعى ب(124) إلى أن يتخذ إجراءً شاذاً خارج النظام
.. فارتفعت الألياف عن رأسه و هب إلى الخارج ..
لمح (124) العنصر(-) ينطلق من أمامه (و هو ما نعرفه بالكلب) ، وقد حمل بين فكيه
عظمة بها بقايا لحم متلوث .. و خلفه ركض عدد من عناصر (ن.ح.ح).. فلم يجد (124)
مفراً من اقحام نفسه داخل هذه المطاردة .. فصارت جموع البشر تتساقط من حولهم
بسبب هذا الاندفاع الهمجي .. لذا كان مشهداً من العمر في ذلك العالم . 
و بما أن الركض كنشاط بدني قد صار منسيا ًبسبب سيطرة الدماغ المطلقة .. فقد
بدأت تظهر عليهم أعراض ضعف اللياقة .. لكن (124) استطاع أن يتميز ! ..فقد
تجاوزهم جميعاً و حافظ على المسافة بينه وبين العنصر (-) أو الكلب إياه .. واصل
مطاردته حتى توقف أمام طريق مسدود .. فترك الكلب العظمة تسقط و استدار باذعان
نحو (124) مدلياً لسانه و مسدداً نظراته البريئة .
توقف (124) للحظة يتأمل فيها هذا المخلوق العجيب (بالنسبة له) .. فتحرك شيء من
خلفه كان متمثلاً بلون الحائط !.. تسلل من خلفه بهدوء و قد برزت في يده عصا
غليظة ستكون من نصيب (124) على ما يبدو .
و لسبب ما .. استيقظت غريزة الإحساس بالخطر في دماغه .. فتجنب الضربة ببراعة
.. أتبعها بلكمة صاعدة أعادت خصمه إلى الحائط .. فتفاعل الكلب مع الموقف باطلاق
سيل من النباح .
نفض المهاجم رأسه من ذهوله .. فأخرج ما يعرف في عصرنا بالسيجار و أشعله بعصبية
.. ثم نهض من مكانه ليحظى بفرصة هجوم ثانية .. حاول ألا يتعجل هذه المرة .. لكن
(124) سقط قبل أن يفعل شيئاً ! .. لأن نسبة التلوث قد ازدادت بفعل استنشاقه
لرائحة للدخان .. وهو مالم يعتد عليه جسمه النقي ..
رفع المهاجم حاجبيه في زهو و قد اقترب منه كلبه .. فأخرج كرة دقيقة ردد من
خلالها :
- العينة النقية قد وقعت في المصيدة .. ارفع الفولت و انقلنا إلى البيت الآمن
.. 
وصل باقي عناصر (ن.ح.ح) إلى حيث انتهت المطاردة بعد جهد جهيد .
لكنهم لم يجدوا شيئاً سوى سحابة دخان ساخنة! 

***

سُمعت أصوات طقطقة الأزرار بنشاط داخل حجرة صغيرة ، جدرانها شبه متفحمة ، و
أثاثها قديم بعضه من الصناديق و البراميل .. صدرت من حاسب محمول (فوجيتسو-
سيمنس) قديم الطراز و الإمكانيات مقارنة بأجهزة ذلك العصر .. و يعمل عليه شاب
ناعم الشعر .. هزيل قصير .. يضع نظارات مستديرة على عينيه الصغيرتين و تحته رقد
الكلب .
بدا مركزاً أشد التركيز على عمله في مراقبة الحالة الصحية ل(124) عبر الأسلاك
المتصلة من الحاسب إلى جسده الراقد ..
- (( توشيييييييييي ...)) ..
انتفض جسد الشاب - و المدعو (توشي) - فتلاعبت أصابعه بلوحة المفاتيح من الفزع
، عندما شتت أحدهم تركيزه ..
و قد كان هذا هو المهاجم نفسه .. و هو رجل في ثلاثنيات العمر ، طويل عريض ، قوي
الملامح و البنية ، حليق الرأس ، يلف حول عنقه كوفية فلسطينية برقعها البيضاء و
السوداء المعروفة .. 
أشعل سيجارته و هو يراقب ما يحدث بعد أن استمتع بازعاج زميله ..
- (سام) .. احذر أن يراك الشيخ (فاضل) و أنت تدخن أمامه !..
كان صوتاً أنثوياً من امرأة معقولة الجمال ذات شعر قصير أحمر ، ترتدي معطف
الطبيب و تفحص جسد الرجل الراقد .. نفث المدعو (سام) الدخان باستمتاع و بلا
مبالاة ، فعقب :
- أتقصدين الفلاح ! .. هذا ليس من شأنه .
- لا تنعته بالفلاح يا عزيزي .. إنه أكبرنا عمراً .. ألا زلت مصراً على عدم
تقديره !
ألقت عليه العبارة بتحفظ .. لكنه زفر متجاهلاً ..
- (( نعم أنا فلاح و لي الفخر )) .
هب (سام) واقفاُ بارتباك وأخفى السيجارة خلف ظهره .. كان صاحب العبارة شيخاً
وقوراً مكتنز البدن ، اتجه إلى حيث الراقد ، فأخذ لحظة يتأمله و ردد بروحانية
خاصة :
-يا إلهي .. إنه تماماً كما رأيته في المنام ..
إلتفت بعدئذٍ ل(توشي) :
- حسناً يا بني .. ماهي آخر النتائج ؟
أجابه بحماس :
- فري اكثلانت .. إن جثده نقي و بنيته و معدلاته الحيوية ممتازة .. كأنما ولد
منذ قليل (* ث = س) .. 
تحنح برهة قبل أن يتابع :
- إلا من بعض التلوث الذي أصابه بفعل النيكوتين ..
وجه نظره من فوق عيوناته صوب (سام) و قد جرده الشيخ من السيجارة ، قائلاً بحزم
:
- لن تتعلم أبداً .. احترم قدسية الأرض على الأقل ..
رفع (سام) حاجبيه فحاول أن ينتقم منه باثارة غيظه :
- مازلت أتعجب من السبب الذي يجعل شيخاً مثلك أن يقدم على عملية اختطاف قذرة ! 
ضغطت (ناديا) أو الطبيبة إياها على أسنانها ، و نظرت بحدة في محاولة ثني (سام)
عن متابعة غلظته .. لكن الشيخ جلس باحترام ، و به رد عليه :
- ليست عملية قذرة .. و إنما عملية إعادة التوازن للأرض .. أنتم تعلمون أننا قد
أُرسلنا للقمر كي نكون النواة الجديدة لبناء النسل البشري بعد أن توقعوا وقوع
الحرب النووية .. و قد كانت البعثة لابد أن تشمل على : طبيب فذ و لديه خبرة في
البيولوجية الدقيقة ، و قد كانت الدكتورة (ناديا) هي الاختيار .. مهندس مبتكر و
أستاذ رياضيات ، و قد كان المهندس الأسير (باكو) .. خبير في التكنولوجيا و
أنظمة المعلومات و قد كان الشاب (توشي) .. رجل عسكري و خبير في العمليات الخاصة
و قد كان الملازم (سام) .. و أخيراً مزارع و شيخ متفقه و هو أنا .. بالإضافة
إلى كائن غير بشري و قد كان الكلب (سميد) .. و كان لابد أن تشمل المجموعة على
شخصين متزوجين و قد كانا (سام) و (ناديا) .
أغمض الشيخ عينيه و التقط نفساً عميقاً ، فتابع :
- في الثمانينات من القرن العشرين توقع العالم أن قرنهم المقبل سيحوي تقدماً
مذهلاً يشمل كافة ما تنبأ به العلماء أو ما تخيله كتاب الخيال العلمي.. من
مركبات طائرة و بيوت كريستالية نقية تعمل بشكل آلي و أحجام نانوية (Nano =
10^-9 ) لكافة الأجهزة و المعدات المعروفة .. حتى قاذفات ليزرية لو تحدثنا على
الصعيد العسكري .. لكن هذا لم يحدث وقتها فتوقعوا حدوثه في القرن الذي يليه !..
و لكنه أيضاً لم يحدث بشكل كلي لو غضينا الطرف عن العلوم العسكرية التي كانت
الوحيدة المتقدمة أكثر من غيرها نظراً لأن ممولي علوم الحرب دائماً أكثر من
ممولي علوم السلم .. فوقعت الحروب تلو الحروب و التي أدت بالاضافة إلى ابادة
المزيد من البشر فقد أدت إلى تراجع العلوم ل100 سنة قادمة و يستقر شكل الحياة
كما كان في 2010 ..
تابع الجميع باهتمام هذا الملخص الذي قدمه الشيخ عن تاريخ البشرية و كأنهم
يستمعون لهذا الدرس لأول مرة .. فتحمس الشيخ ليكمل :
- آخر حرب وقعت و أسوأها كانت الحرب النووية الثانية.. فكان لابد من البدء
بمشروع الحياة على القمر .. لكننا لم ندرك خطورة وجود الجنرال (تيمور) و الذي
قرر السيطرة على القمر و إخضاعنا لحكمه الجائر .. فكان لابد من الهروب ، بعد أن
علمنا بوجود منطقة حية على الأرض .. و كان لابد أيضاً من اختطاف أحدهم لنقوم
بعملية إعادة تأهيله ، ليوصلنا هو بالتالي إلى المتحكم المركزي بنظام الحياة كي
نعيد التوازن للبشر .
- لقد اثتيقظ .. اثتيقظ .. 
صاح (توشي) و هو يشير إلى (124) حين بدأ يرمش و يتحرك .. فتجمع الأربعة بلهفة
- بما فيهم الكلب - لرؤيته و هو يقوم .
و ما إن فتح عينيه ، حتى قفز من سريره و تطايرت الأسلاك و التصق بالجدار من شدة
فزعه !؟ 
بدا كرجل من العصر الحجري أو كانسان خلق فجأة .. بدأ يشم و يسمع أصوات غريبة و
يلمح وجوهاً جديدة .. فتقدم إليه الشيخ مهدئاً من روعه :
- حمدا لله على سلامتك .. لاتخف .. أنت معنا بأمان .. أهلاً بك إلى الحياة
الحقيقية .


***

منطقة (الخلية) .. الساعة 4:30 (ليس صباحاً أو مساءً)..
و أنت ترى (124) جالساً أمام الشاشة المضيئة ، و قد اتصلت برأسه عشرات الألياف
البصرية ، فتظن أنه يمارس عادته في مراقبة نظام الحماية الخاص بال(الخلية).
فكان لابد أن نسبح لداخل عقله كي ندرك حقيقة ما يفعله .. فداخل أنسجة دماغه
كانت الإشارات تتردد بنشاط .. فقد تجرأ على فعل مالم يجرؤ عليه أحد من بني جنسه
.. فها هو عقله يقوم باختراق النظام الذي وكل بحمايته ، ليزرع في عمقه برنامجاً
تجسسياً قادراً على التحكم به عن بعد .. 
ما إن أتم العلمية ، حتى قام (124) بتلقائية و قد رفعت الألياف عن رأسه ، فاتجه
للخارج ، فتراجعت قدمه عن تقديم خطوة أخرى !
حدث ذلك عندما تسمر أمامه 4 من عناصر (ن.ح.ح) بملامحهم الباردة و قالوا بلهجة
أكثر برودة :
- لقد بت عنصراً (-).. و سيتم إيقافك ..
ياله من موقف مضحك و أنت تحسب نفسك أمام مرآة و كأنك مجنون تحادث نفسك !.. لكن
السخرية التي انطبعت على شفتي (124) أكدت أنه صار غيرهم .. صار متميزاً عنهم .
- و ماذا لو قاومت هذا الأمر ؟
تطلعوا لبعضهم بصمت ، بما أن مصطلح (مقاومة) مجهول في قاموسهم .. و بدون أن
يضيعوا ثانية واحدة نفذوا الأمر ، فأحاطوا به إحاطة البحر بالغريق .. ظنوا
أنهم قد تمكنوا منه .. كان ذلك في ثانية صمت !
فجأة !.. و جد أحدهم نفسه و قد ارتفع إلى الأعلى و تجمد في الهواء .. تلاه قذف
آخر نحو الجدار .. تلاه سحب ثالثهم على الأرضية .. و أما الأخير فقد ترنح .. و
بدفعة إصبع هوى كجذع شجرة .. ليخضع الأول لقوانين الجاذبية بالسقوط أرضاً .. و
يلتصق الثاني بالجدار .. و يكمل الثالث زحفه حتى البوابة .
حدث كل ذلك بهذا التصوير الرهيب لأنه حدث في ثانية واحدة !
وقف (124) بشموخ و هو يتأمل تلك الأجساد المتساقطة من حوله ، فاستلذ بطعم النصر
و التمرد الذي افتقده حينما كان منهم .
كيف و متى حدث هذا !؟ .. فلنرَ معاً ..

***

البيت الآمن .. منطقة في كوكب الأرض غير واقعة تحت نظام (الخلية) .. الساعة
6:00 (ليس صباحاً أو مساءً) .
لأكثر من دقيقة .. تزعم الصمت اللقاء من خلال النظرات التي تبادلها كل من (124)
من جهة و مختطفيه المفترضين من جهة أخرى. 
ذاب الصمت مع إلهام هبط على الدكتورة (ناديا) جعلها تهتف :
- الموسيقى .. نعم الموسيقى قادرة على تهدئته .
تحمس الجميع للفكرة .. فضغط (توشي) على الأزرار لتتعالى النغمات الموسيقية..
- (( slim shady please stand up hay ..)) !!! ..
ألقى الجميع بنظرات الاستنكار صوب (توشي) لأنه أشعل إحدى أغاني (EMINEM ال15)
الصاخبة و هو يردد كلماته البذيئة .. فارتبك (توشي) و عاد ليضغط على الأزرار
بسرعة .. لتسبح في الأجواء إحدى معزوفات (YANNI) الهادئة ، فتمكنت من إحداث
مفعولها السحري حين شرد (124) ببصره لينسجم معها .
أشار (توشي) لشاشة حاسبه، مضيفاً :
- اكثلانت .. لقد بدأت معدلاته الحيوية تعود لطبيعتها .. لكن الخوف و المجهود
جعله يفقد الكثير من ثعراته الحرارية (الطاقة) .
التفت الشيخ (فاضل) إلى الدكتورة (ناديا) و بحزم :
- هل لازال لدينا بعض من حساء (فطر القمر) ؟
أومأت له برأسها .. فرفعت طبقاً من الطاولة جعل (سام) يصيح بها :
- هيه .. و لكنه طبقي !..
أخرسه الشيخ بنفس الحزم :
- دع أنانيتك هذه المرة .. ألست أنت من رفضت هذه النعمة !.
تقدمت إليه بهدوء و حذر .. فوضعت الطبق أمامه .. ثم رفعت إليه الملعقة بحذر آخر
.. و لسبب ما رد (124) على لطفها بأن صفع الملعقة !!
هب (سام) بثورة، متذمراً:
- اللعنة .. سأريك كيف تطبق آداب الطعام .
شعر (124) بتحركه وغضبه ، فسبقه بلكمة خاطفة أعادته إلى مكانه.
- اكثلانت !
لوح (توشي) بذراعه مشجعاً مع ردة فعل (124) ، في حين أن (سام) قد ازداد غيظاً
مما جعله يشتم و يصيح .. لكن الشيخ ألجمه :
- (ناديا) .. حاولي معه مرة أخرى .
رفعت (ناديا) الملعقة في محاولة جديدة ، فاحتست من الطبق و رسمت بوجهها تعابير
التلذذ .. فبدأ (124) يقتنع بالفكرة .. فسمح لها أن تطعمه .. و بدا كطفل صغير
تطعمه أمه .
ابتسم الجميع بعفوية من غرابة هذا المشهد ، فيما عدا (سام) و الذي حافظ على
تجهمه .. 
فجأة .. انكمش وجه (124) بفعل ألم داهمه .. عرفت (ناديا) بحسها الطبي أن موضع
الألم هي معدته ، فهتفت بالجميع مناشدة :
-إنها معدته ! .. أظنه سيفعلها !
- سيفعلها ! 
رددها الجميع بصوت واحد ، لأنهم جميعاً استوعبوا ما تعنيه (و أرجو أن تكونوا
كذلك ) ، فبدأ الشيخ يحث (سام) بطريقة أقرب للأمر :
-هيا تحرك خذه إلى الساحة قبل أن يفعلها هنا .
لم يستسغ هذا الأمر ، فرد بجفاء :
-و لماذا أنا بالذات ؟
-(سام) .. أسرع أرجوك .
و مع هتافهم جميعاً لم يجد (سام) إلا و قد جر نفسه بتلقائية نحوه .. لكن
المفاجأة أن لكمة أخرى كانت بانتظاره من (124) أعادته لأرضه ، فجعلته يغمغم
بحنق و هو على هذا الحال :
-تباً لهذا الهمجي .. مالذي جعلني أتي به من الأساس ؟
عاد الجميع إلى هدوئهم مع عودة (124) أيضاً .. فعللت (ناديا) ما حدث :
-آه .. يبدو أن معدته الجديدة لم تكن معتادة على عملية الهضم .. لذا كان لابد
أن يحس ببعض الألم . 
أضاف (توشي) :
- يبدو أننا بدأنا نثير في الطريق .. فهو قادر على اثتيعابنا و لكنه غير معتاد
على الرد .. بالإضافة إلى أن دماغه الصافية تعطيه القابلية لثرعة التعلم تماماً
كالأطفال .. و ربما أفضل .. و الآن علينا أن نختار له اثماً مناثباً !
-(الأحمق) .. اسم مناسب .
قالها (سام) من فرط غضبه .
- (آدم) .
التفت الجميع نحو الشيخ و هو يداعب لحيته البيضاء بعد أن انتقى هذا الاسم لسبب
ما ..
-(آدم) .
شاركته (ناديا) نطق الاسم لتلمس وقعه على نفسها .. فما لبثت أن أومأت برأسها
كدليل لارتياحها له ، و كذلك فعل (توشي) .
و بذلك بدأت عملية إعادة التأهيل .

***


درس معرفة الذات 
وضع الشيخ (فاضل) يديه على عاتقي (124) أو (آدم) ، و بحرارة :
- إنسان .. هذا هو أنت يا بني .. و هنا تكمن الروعة بحد ذاتها .. رائع لأن
الإنسان مخير و ليس مسير .. في حياتك السابقة كنت مسيراً .. و قد يكون من منة
الله عليك أن وقعت بين أيدينا كي نكون سبباً في تحريرك من أسر العقل و بالتالي
تحرير بقية أبناء جنسك .. و اعلم أيضاً أنك لم تخلق لمجرد الحياة ! .. أنت
موجود لهدف أسمى .. هنالك رب عظيم خلقك .. و وضعك أمام سبيلين لتختار من بينهما
الأصوب .. الخير و الشر.. في عالمك أنت بينهما و ..
رمش (أدم) و هو يتساءل ببراءة طفل:
- و و و .. و لكن ! .. ما معنى خير و شر ؟!
انقطعت سلسلة أفكاره مع اصطدامه بهذه الحقيقة .. فطأطأ رأسه لوهلة ثم غمغم :
- يا إلهي .. يبدو أنه لا يزال أمامنا الكثير.
و قد بدا الأمر صعباً للوهلة الأولى .. لكن الشيخ بخبرته الطويلة مع هذه الحياة
واجه ما هو أصعب .. فبدأ يتفهم سريعاً خصوصية الوضع ، و نجح في ذلك .. علمه
مبادئ الكلام و القراءة .. كتب له كلمة من أربع حروف :
- ا ق ر أ . اقرأ .
- اق .. اق .. اقرأ .
- أحسنت .. و الآن قل ورائي : اقرأ .
- ورائي اقرأ .
- كلا .. قل : اقرأ .. فقط .
- اقرأ فقط .
لم يستطع الشيخ اخفاء ضحكته خلف هذه السذاجة التي يبديها (آدم) .. السذاجة التي
جعلته يشعر أنه صار قريباً إلى قلبه ..

***

مختبر البيولوجيا
دخل (آدم) على الدكتورة (ناديا) بعد أن أعطاه الشيخ (فاضل) درساً في الثقة
بالنفس ، فقدم لها ورقة بيضاء ملفوفة بطريقة ما تفوح منها رائحة زكية .. و
بابتسامة و لم تنمحِ منها آثار الفطرة البريئة :
- أنت امرأة ج ج جميلة .
ذهلت (ناديا) من بادرته اللطيفة ، فتقبلت هديته و إطرائه بأن جاوبته :
- (( يالوقاحتك ! .. من علمك هذا الكلام يا فتى ؟!.. أظنه الفلاح و من غيره ؟!
)) .
لم تستطع (ناديا) أن تقول شيئاً حين تدخل (سام) وسطهما و هو يصيح بالعبارة
السابقة .
- لكنه كلام جميل .. لقد علمني الشيخ (فاضل) أن أقول كل ما يشعر به قلبي .
لم يستخدم (آدم) قبضته في الرد عليه كالمعتاد .. فرفع (سام) حاجبيه و استغل
الأمر في لصالحه ليكمل استفزازه.. لكن (ناديا) لم تمهله حين جذبته لحديث
انفرادي، فهمست له بدلال :
- عزيزي.. ماذا بك ؟ .. هل ستغار علي و تضع عقلك بعقل هذا ال..
- (أحمق).. أهذا ما تريدين قوله ؟!
استحسن (سام) هذا اللقب حين عجزت (ناديا) عن إيجاد واحد مناسب .
- ما معنى (أحمق)؟..
التفت إليه (سام) ، و بخبث :
- إنه أنت يا عزيزي.. أنت ال(أحمق) .
أومأ (آدم) برأسمه متقبلاً ببلاهة .. لكن (ناديا) لم تدع زوجها يعطل حصتها من
البرنامج .. فسحبته معها نحو الباب ، و هنالك زجرته :
-أرجوك يا عزيزي دعنا لوحدنا .. علينا أن ننهي الأمر في أسرع وقت كما أمرنا
الشيخ .
- الشيخ .. الشيخ .. ألا يوجد أحد غيره .
قالها (سام) بغيظ لكن (ناديا) لم تمهله عندما هتفت بحزم :
-(سااااام) .. هذا يكفي .. أرجوك ارحل حالاً .
لم يصر كثيراً على الأمر لأنه كان مقتنعاً في قرارة نفسه بصواب الخطة ، فغادر
الحجرة الخاصة ، و دون أن ينسى ترك إشارة وعيد ل(آدم) .. 
أغلقت (ناديا) الباب ورائه في الحال .. فتنفست الصعداء ثم توجهت إلى (آدم) دون
ابطاء .. و بإشارة توبيخ من سبابتها كأنها تعامل طفلاً :
-اياك أن تدع أحداً ينعتك ب(الأحمق) .. لأنها كلمة سيئة .
- سيئة .. لماذا يقولها (سام) ؟ .. هل هو سيء ؟
- كلا .. الأمر ليس كذلك و لكنه ...
اختلطت عليها الأفكار فلم تعرف بماذا ترد عليه .. فما كان منها سوى أن بررت :
-ليس سيئاً .. إنه يمازحك وحسب .
- و هل المزاح شيء سيء أم أجيد ؟
سيطول النقاش في هذه النقطة .. فماذا كنتم ستفعلون لو كنتم مكانها ؟.. لذا
فلنتجاوزها لنرى ما فعلته في برنامجها .
بدأت تشرح بطريقة مبسطة ما يحدث داخل جسمه من عمليات حيوية تساعد على تشكيله
بالصورة التي هو عليها .. فتفاعل معها (آدم) بتعطش طالب علم لا يمل أبداً ..
فعندما وجدت منه هذا الحماس بدأت تتعمق معه أكثر فأكثر .. و بالتالي بدأ (آدم)
يطرح الأسئلة كحق طبيعي لمواجهة جهله .. و على غرار هذا :
-دكتورة .. و بعد كل هذا الذي يحدث .. مازلت لا أعرف كيف جئت إلى هذه الدنيا
أصلاً ؟
- بسيطة .. لقد جئت بواسطة اتحاد الذكر مع الأنثى .. مثلي أنا و زوجي (سام) ..
فكنت بحجم النقطة ثم مع الوقت كبرت حتى وصلت للحجم الذي أنت عليه ..
- و كيف يحدث هذا الاتحاد ؟
- يحدث عندما يقوم الرجل ب...
صمتت (ناديا) و احمرت خجلاً عندما وصلت لهذه النقطة .. فكاد (آدم) أن يعبر عن
تساؤله عن سر تلك الحمرة التي علت وجنتيها .. لكنه سحب تساؤله لم هو أكثر جذباً
:
-دكتورة .. ما هذا الماء الخارج من عينيك ؟
لم تستطع (ناديا) اخفاء بسمتها بفعل هذا التعليق الظريف .. فمسحت دمعتها و
جوابته في الحال :
-هذا ليس ماءً عادياً .. هذه تسمى الدموع .. و التي تخرج عندما نشعر بالحزن أو
حتى الفرح .
- حزن !.. حزن !
رددها (آدم) أكثر من مرة كي يربطها بأقرب معنى في ذاكرته .. و قد كان :
-آه .. حزن .. إنكِ تتذكرين شيئاً سيئاً .. ما هو هذا الشيء ؟
- ليس سيئاً بمعنى سيء .. لكنني تذكرت ولدي الذي اُختطف قبل أن أغادر إلى القمر
مباشرة .
- اُختطف .. ماذا يعني هذا ؟
شعرت (ناديا) بمرارة هذه الذكرى .. فلم تتمكن من تلبية رغبته في المعرفة :
-ليس الآن يا عزيزي .. فالشرح سيطول .. و لنعد إلى الدرس حالاً .. سأريك بشكل
عملي كيف كبرت .
راقبها (آدم) ببصره تتناول مادة مطاطية ملونة (أو ما يعرف بالبالون) ثم تنفخه
بالتدريج ، انبهر برؤية هذا الشيء يكبر أمامه أكثر فأكثر و ..
(( بووووم )) .
انفجر البالون و انفجرت معه مشاعر (آدم) البريء .. فصرخ من رعبه و غطى رأسه
بذراعيه .. لم تتمالك (ناديا) نفسها عندما تسببت في إخافته ، فهبت نحوه كأم تهب
إلى طفلها و حفته بأحضانها ، و هي تردد بحنان أنثوي :
-لا تخف يا بني .. لا تخف .. لقد كان مجرد صوت عالٍ طبيعي يحدث عندما ينتهي أي
شيء .
شعر (آدم) بالاطمئنان معها .. فعاد لتساؤلاته :
-يعني أنني إذا مت .. فإن صوتاً عالياً سيصدر مني !
- يمكنك أن تقول ذلك .
بادلته الابتسام ثم رددت :
-بالمناسبة .. من الآن و صاعداً ستنادني باسم (ماما ناديا) .. اتفقنا .
و قد راقت له الفكرة تماماً .

***

التدريب التكنولوجي
توسط الحاسب المحمول الحجرة الفارغة .. و أمامها وقف (آدم) بجانب (توشي) و الذي
حاول أن يصطنع الشدة من خلال أسلوبه :
- نظامكم الرقمي لا يختلف كثيراً عن نظامنا.. كل مافي الأمر أنكم تثتخدمون
أدمغتكم مباشرة للتحكم .. بينما نثتخدم نحن أصابعنا بعد أن نتلقى الأوامر من
الدماغ .. لذا لا أظن أنك ثتجد صعوبة في تخطي هذا التدريب.. يمكنك أن تجرب
الآن..
و أثناء انشغال (آدم) بتجربة الحاسوب .. وضع (توشي) سماعة على أذنيه ثم بدأ
يحرك جسمه بطريقة غريبة جعلته يغيب عن عالمه .. فلم يستطع (آدم) أن يبقي عينيه
أمام شاشة الحاسوب في وجود ما هو أكثر اثارة .. فربت على كتف (توشي) بعفوية ،
انتبه الأخير له فرفع السماعة عن أذنه و هز له رأسه كرمز ل(ماذا تريد؟) :
-لماذا تحرك جسمك هكذا ؟
سر (توشي) لأنه سأله عن هذا الشيء .. فأعاده إلى مكان الحاسوب و أوصله بجهاز
(MP3) الموسيقي ، ثم بدأ يرفع الصوت لأحد اغانيه الرديئة .. تمايل بجسده أمامه
مفسراً :
-هذا يثمى الرقص يا عزيزي .. إنه أمر ممتع .. هيا جرب أن تفعل مثلي .
الفضول وحده من جعل (آدم) يستمع لنصيحته .. فوقف بجانبه و بدأ يقلده .. قبل
يوقف (توشي) صيحة غاضبة صدرت من الخارج :
-(توشييييييي) .. مالذي تفعله بالفتى !؟ 
ارتبك ما إن سمع صوته ، فأطفأ الموسيقى حالاً ، و أمر (آدم) :
-هيا عد إلى التدريب .. و لا تبلغ أحداً بما كنا نفعله .. اتفقنا .
نفذ أمره دون جدال .. و لم يمضي الكثير حتى ربت (توشي) على كتفه و قد عادت
نبرته إلى طبيعتها المسالمة :
- بالمناثبة .. و بما أننا صرنا أصدقاء .. فأرجو أن تقبل مني هذه كعربون صداقة
..
فتح له راحة يده و بها غطاء قارورة مشروب .. فتقبل (آدم) هذه الهدية الرمزية و
شعر بحلاوة العلاقات الإنسانية .. فطبق ما تعلمه بقول :
- شكراً .. شكراً جزيلاً ..
بادله (توشي) الابتسام .. لكن وجهه انقلب فجأة حين وضع (أدم) الغطاء داخل فمه


***

الإعداد العسكري
- (( انسى كل ما تعلمته منذ قليل .. و خصوصاً ما قاله ذلك الفلاح .. هنا لا
توجد سوى قاعدة واحدة .. ابقَ متيقظاً طوال الوقت .. و إن لم تفعل فهفوة واحدة
قد يكون ثمنها الموت .. هل هذا مفهوم ؟)) .
هتف الملازم (سام) بهذه القاعدة و هو يلتف حول (آدم) الواقف بصلابة ، و قد
تصاعد دخان السيجارة منه بكثافة في ساحة واسعة مغلقة .
- (( لقد قلت .. هل هذا مفهوم ؟)) .
و حين لم يستجب لنداءه نزل عليه بصفعة غادرة على قفاه .. هذا لو لم يسبقه (آدم)
بلكمة على أنفه .. فغطى (سام) أنفه متألماً بفعل هذه اللكمة المفاجئة و كاد أن
يستهجن فعلته .
- لقد أمرتني أن أبقى متيقظاً .
لم يستطع (سام) تكذيبه ، فاكتفى بالعودة إلى مكانه و هو يكتم غيظه ، فأخرج
مسدسه الضخم (نسر الصحراء) عيار 45 ملم .. و اتخذ وضعية التصويب ، معلقاً :
- هذا هو المسدس .. و هو أهم سلاح توصل إليه الإنسان بعد السيف .. إنه كمخلبك
وقت القتال و ..
قاطعه (أدم) عندما أشار إلى سيجارته التي ظلت تحترق بين شفتيه يريد بذلك أن
يجربها .. فأنزل (سام) السيجارة عن فمه و رد عليه بغلظة :
- أعلم أيها الأحمق أن هذا الهراء الذي أتعاطاه هو أسوأ اكتشاف توصل إليه
الإنسان .. لذا إياك أن تفكر في تجربته حتى !
- إذاً فأنت أحمق لأنك تتعاطاه !
رفع (سام) حاجبيه باستهجان .. لأنه فعلاً محق ؟!
واصل (سام) تدريبه بإخلاص .. علمه التعامل مع كافة أنواع الأسلحة المعروفة في
عصره .. علمه أسلوب الاشتباك اليدوي بفن ال(كراف مغا) و السيطرة على الخصم بأقل
المجهود و الوقت .. علمه مبادئ الانضباط و الطاعة و التضحية .. فبدأ (آدم) يعبر
عن اعجابه بأسئلته التقليدية :
-من أين تعلمت كل هذا يا (سام) ؟
- لا تنادني (سام) هكذا دون شيء .. قل الملازم (سام) .
- ملازم .. و هل هذا هو اسمك الآخر ؟
- تباً لأسئلتك الحمقاء !.. 
كان بوده أن يخنقه أو يفعل به أي شيء كي يتخلص مما يفعله به .. لكنه كجندي
تجاهل غضبه قدر الإمكان من أجل المهمة الموكلة إليه .. فهذا هو واجب الجندي :
-الملازم هو لقب يطلق على الرجل الذي يصل إلى مستوى جيد في الجيش .. طبعاً
ستسألني ماهو الجيش ؟ .. الجيش هم مجموعة من الرجال الذين يتدربون بشكل خاص كما
تفعل أنت الآن .. كي يحموا الناس العاديين مثل (ناديا) و (توشي) و الشيخ (فاضل)
.
- يحموهم !.. يحموهم ممن ؟
وضع يده على جبهته بفعل اليأس من هذه المصيبة التي حلت عليه .. ليس من (آدم)
بالتحديد .. و لكن لأن الإجابة على هذا السؤال ستكون رحلة بحد ذاتها .. كيف
سيشرح له أنهم يدافعون عن بشر ضد بشر ! .. و في حالته تزداد الأمور تعقيداً !..
اعتصر بيديه الكوفية الملفوفة حول عنقه عندما تذكر أنه إنسان تربى على رؤية
الحرب على الهواء مباشرة .. فهو ابن المتصارعين الآبديين .. (فلسطين) و
(اسرائيل) .. حتى أنه لايزال يشك أنهما موجودان في وقته هذا ، و مستمران في
صراعهما .. أبوه ينتمي للوجه الأول و أمه للثاني .. لم يملك العذر كي يتجنب
الدخول إلى الجيش الاسرائيلي باعتباره أحد (العرب الاسرائليين) .. حتى تمكن
بوسيلة ما من ترك هذا الجيش و الانضمام لم يسمى (قوات حفظ السلام الدولية) ..
ليظن بذلك أنه ودع كل ذكرياته الأليمة .. لكن هيهات .
-(آدم) .. عد إلى مكانك فوراً .. فالجندي لا يخاطب قائده أثناء التدريب .
- حاضر سيدي .
تعلم (آدم) تأدية التحية العسكرية و ما يتبعها من التزامات .. و ها قد اقتربت
ساعة الحسم .

***

نهاية برنامج الاعداد .. بعد شهر تقريباً
وقف (آدم) بشموخ أمام مدربيه ال4 .. و بدت ملامحه مغايرة كلياً عن (124)
البدائي البارد .
فتقدم إليه الشيخ (فاضل) و وضع يديه على عاتقه ، و بحرارة :
- حسناً يا بني .. و قبل أن تبدأ مهمتك .. عليك أن تكون مؤمناً بأن هذا هو
الصواب الذي عليك أن تفعله .
دون أن تهتز منه ذرة ، أجاب بثقة :
- نعم أؤمن .. أؤمن بأنه قدر لي أن أكون سبباً لإعادة التوازن لحياة البشر بإذن
الله ..
بعد أن اطمأن لإجابته .. تراجع ليتقدم (توشي) و يقدم له لصقة صغيرة بها شريحة
إلكترونية دقيقة ، مضيفاً :
- (آدم) .. ألصق هذه تحت أذنك ثتكون وثيلة اتصالنا معاً .. بالإضافة إلى أنها
تحتوي على برنامج التجثث الذي ثتقوم بزرعه في نظام (الخلية) كي تتمكن من الوصول
بأمان إلى برج (ن.خ.ع) .
فعل (آدم) ما طلبه منه .. فقدم له (توشي) اختراعاً آخر و كان عبارة عن كرة
دقيقة :
- هذا اختراع آخر من اختراعات المهندث الأثير (باكو) .. بحيث تطلق حرارة عالية
لجثدك لتعقمه فيكون مصرحاً لك بدخول منطقة (الخلية) .. و هي نفث الطريقة التي
جلبناك بها .
عانقه (توشي) ثم عاد إلى الصف .. و أشارت له الدكتورة (ناديا) بإبهامها مشجعة
.. و أما (سام) فلم تتغير نظراته المتجهمة .. و أما الشيخ (فاضل) فأومأ برأسه
:
- سر على بركة الله ..

***

منطقة (الخلية) .. الساعة 5:00 (ليس صباحاً أو مساءً)
خرج (آدم) من قسم (ن.ح.ح) بعد أن قاوم الاعتقال .
و ما إن نزل الشارع و اختلط بالناس حتى خرج عناصر (ن.ح.ح) ال4 و قد أفاقوا من
سقطتهم و اعتراهم لأول مرة الرغبة بالانتقام .. و قد ظهر ذلك جلياً عبر نظراتهم
التي تبادلوها مع (آدم) .. فتولد في قبضة كل منهم حقل كهرومغناطيسي و الذي يعد
سلاح حالات الطوارئ القصوى .. 
أدرك (آدم) خطورة الموقف و لكنه - و بدل أن يفر بجلده - رمى بنفسه وسط حشود
البشر و راح يدفع بهذا و يسقط ذاك .. مما أحدث البلبلة المطلوبة لجعل عناصر
(ن.ح.ح) يتهون عنه بما أنه يشبه أي واحد منهم !.. و ما زاد الطين بلة أن سكان
(الخلية) حين وقعوا في هذا الموقف شعروا أنه أمر جديد يستحق التجربة ..
فانطلقوا يتدافعون ببعضهم البعض و كأنهم داخل لعبة مسلية !
لم تفلح حيلة (آدم) مع الأسف أمام نظام (ن.خ.ع) الرهيب .. فقد تشكلت بأعين
عناصر (ن.ح.ح) سوار إشعاعي أظهر لهم الأرقام المشعة داخل ذراع كل إنسان .. و
اتجهت نظراتهم مباشرة صوب الرقم (124) .. فاطلقوا قذائفهم الكهرومغناطيسية
باتجاه (آدم) .. و لتبدأ عملية المطاردة .

***

انقشعت السماء الصافية الظاهرة في سماء(الخلية) ، لتتحول إلى أشعة حمراء كإشارة
إلى وجود خلل كبير في النظام ، فتوقف الناس عن أداء وظائفهم .. لكن المطاردة
تواصلت بين عناصر (ن.ح.ح) ال4 و العنصر (-) أو (آدم) ..فتجاوز قذائفهم ببراعة
خلاله هروبه .
- (توشي) .. (توشي) .. هل تسمعني ..
ضغط (توشي) على أزرار حاسوبه :
- أثمعك .. لقد قمت بعزل القطاعات عنك كي أفتح لك طريقاً آمنة تمنع تدخل باقي
العناصر من القطاعات الأخرى لتصل إلى البرج .. حاول أن تثبقهم في الوقت الحالي
.
بدأ (آدم) يشعر بالإرهاق يتسلل إلى عضلاته .. فتمكنت إحدى القذائف من إصابة
ساقه لتطيح به أرضاً .
- (توشي) .. افعل شيئاً قبل أن يظفروا بي .
- حثناً .. يمكنك أن تجرب هذا .
ما إن أنهى اتصاله إذا ب(آدم) وجد جسده يتدحرج كبرميل يسقط من منحدر !.. و
الأمر نفسه قد حدث لمطارديه .. حدث ذلك لأن (توشي) قام بإمالة الأرض بزاوية 60
درجة !
- (توشششي) .. (توشي) .. افعل شيئاً .. أشعر أن رأسي سينفجر .
- ثيظهر لك عمود من الليزر .. تشبث به فوراً .
ظهر العمود فأحاطه (آدم) بذراعيه ليتوقف عن التدحرج .. عندها مال جسده إلى
الجهة المعاكسة لأن الأرض مالت بنفس الزاوية لكن من الجهة المعاكسة !.. و بذلك
أبعد عناصر(ن.ح.ح) عن طريقه .
أعاد (توشي) الأرض إلى وضعها المستوي ، فاستعاد (آدم) توازنه ليتابع تقدمه .
وصل إلى الهدف المنشود .. كان معلماً يستحق الوقوف أمامه بإعجاب .. برج حلزوني
فضي بالكامل يمتد حتى السماء مخترقاً الغطاء الزجاجي .
فجأة !.. انطفأت الأشعة الحمراء لتعود السماء الصافية ، مما جعل (آدم) يرتبك و
هو يهاتف (توشي) :
- مالذي حصل بالضبط ؟
جاوبه بتخاذل :
- لا أعلم !.. و لكن أظن أنهم قد تمكنوا من إعادة النظام لإثتقراره و تعطيل
برنامج التجثث !
لم يمضي الكثير حتى أحاط ب(آدم) من الجهات الثلاث أعداد هائلة من عناصر(ن.ح.ح)
و قد تشكل خيط أزرق مضيء بين قبضاتهم .. و لم يتميز منهم جميعاً سوى 4.. تميزوا
بالغضب الذي أظهروه حين قال أحدهم :
- العنصر (-) .. ستتم عليك أول عملية إعدام في تاريخ (الخلية) .
وصل هذا النبأ إلى (توشي) و من معه .. مما يعني أن العملية قد باءت بالفشل !..
فتحرك (سام) فجأة ، و أعد نفسه بربط حزام علق عليه بعض من الذخيرة و جهز
بندقيته الرشاشة و المدمجة بقاذفة قنابل .. مما حدا ب(ناديا) إلى أن تقف في
طريقه ، و كذلك فعل الشيخ (فاضل) و هو ينهره :
- مالذي تحاول فعله ؟!.. لقد خسرنا الأرض بالدم .. فهل تريد أن نخسرها بالدم
مرة أخرى ؟!..
اصطدم (سام) بعينيه ، و رد بثقة عجيبة :
- اسمع يا هذا .. أنت لا تعرف ما معنى أن تولد في أرض محتلة .. أرض لم تتحرر
فقط لأن أهلها لم يحاولوا أن يستردوا حقهم المسلوب بالقوة .. بنفس القوة .
لم يتمكن الشيخ من الرد عليه ، فقد شعر بشجاعة مشاعره الملتهبة .. لذا تركه
يلتقط الكرة الدقيقة و يودع زوجته .. و اكتفى ب:
- كان الله في عونك يا بني .

***

انخفض (آدم) بجسمه و وضع يديه خلف رأسه حين أيقن أنها النهاية !
لأول مرة يشعر بطعم الخوف من شيء ، و كيف إن كان الموت ؟!
اخترق سمعه صوت مزعج .. لقد كان صوت انهمار الرصاص في المكان .. ففتح عينيه
ببطء ، ليرى سائل الدم الأحمر و قد اكتسح الأرضية أمامه ، فمد بصره أكثر ليشاهد
تلك اليد المشعرة ذات الأظافر الطويلة .. تلك اليد و هي تمسح الأرض بنعومة ثم
ترتفع أمام أنف صاحبها ليشمها بعاطفة .. ترتفع أمام وجهه البشري البشع و الذي
تكاد تبرز من جانبيه القرون .. و بصوته الأجش :
- من التراب و إلى التراب .. هذه هي الأرض .. أرضنا .. و لن نرضى عنها بديلاً .
انتبه هذا المتوحش – و هو الجنرال (تيمور) - لوجود (آدم) .. فأشار إليه ليتقدم
رجاله بأجسامهم الضخمة و المغطاة بدروع تجعلهم أقرب إلى الآليين ، و في يد كل
منهم ارتفعت المدافع الثقيلة .
- اقتلوه .

***

بين شهقة رئة و نبضة قلب ..
بين ضخة دم و إشارة دماغ ..
حظي (124) أو (آدم) بواحدة من أندر المشاهد التي قد يحظى بها بشري على الإطلاق
.
هذا لأن من يحظى به غالباً لا يخرج منها حياً !
و المشهد كان عبارة عن التالي :
ما يقرب على ال10 رصاصات .. انطلقت من نقطة الصفر لتشق ذرات الهواء بشراسة ..
مقدار كل رصاصة منها 85 ملم .. ساخنة جداً .. و بالطبع مميتة .
حدق إليها (آدم) بصمت .. انبهار .. و الأهم بعجز و بانتظار أن تخترق صدره
لينتهي كل شيء بالنسبة له !
مشهد آخر دخل في المنتصف ليقتل هذه النهاية المأساوية .. و المشهد كان عبارة عن
التالي :
انفجار مفاجئ حدث في المنتصف قبل جزء من ثانية من إصابة الرصاصة لهدفها ، فتسبب
في تطاير (آدم) و الذي اندفع جسده للوراء لأمتار بعيدة بفعل موجة التضاغط
الهوائي .. و الرصاصات التي زادت من قوة الانفجار .. فانفجرت و تطايرت لتتساقط
أمام مطلقيها على شكل أمطار من خراطيش محترقة !
انتظر الجميع بترقب انقشاع سحابة الدخان التي تلت الانفجار ، ليكتشفوا هذا
البطل الغامض الذي تسبب به .
انقشعت السحابة ، لكن سحابة أخرى ظلت تسبح .. سحابة دخان النيكوتين ، و الذي
انبعث من سيجارة الملازم (سام) .
بدا متوهجاً و محمراً نتيجة الحرارة المتولدة من انتقاله من البيت الآمن إلى
منطقة (الخلية) .. و في الوقت نفسه بدا غير مبالي بما أحدثه و هو ينفث الدخان
باستمتاع !
- يا لجرأتك أيها الفاشل !
لفظ الجنرال المتوحش (تيمور) العبارة بمقت و هو يتأمل في جنديه و تلميذه السابق
(سام) .
صعق (سام) هو الآخر من رؤيته و قد لحقه حتى الأرض .. فهتف بذلك دون أن يفقد
مزاجه العكر :
- اللعنة !.. هذا أنت أيها الجاموس !
- اقتلوه .
أمر (تيمور) رجاله بذلك .. فأعادوا رفع مدافعهم الضخمة .. لكن (سام) استطاع أن
يسرق منهم الفرصة ، فرفع بندقيته الثقيلة و أسقط قذيفة تفجرت في وسطهم ،
لتتطاير أجساد بعضهم و يتشتت تماسك الباقيين و (تيمور) منهم .. و بسرعة و قبل
أن يتأزم الوضع أكثر ، سحب (سام) قنبلتين غازيتين من حزامه و ألقاها على فوج
الغزاة ، ليسحب جسد (آدم) الراقد معه إلى منطقة آمنه مؤقتاً .
بدأ (آدم) يستعيد وعيه و هو غير مصدق أنه قد تمكن من النجاة ، فاستقبله (سام)
مباشرة بسيل من الشتائم على غرار :
- أين ذهبت كل ساعات التدريب أيها الأحمق ؟.. و كيف استسلمت بهذه السهولة ؟.. و
لماذا ..... ؟
أنهى (سام) كل هذا ، فوضع يده على السماعة الدقيقة لينقل الأنباء إلى البيت
الآمن :
- (توشي) .. هذا (سام) .. يؤسفني إبلاغكم أن الجنرال (تيمور) قد عاد .
التفت (توشي) صوب الاثنين الآخرين مع اصطدامه بهذا النبأ .. فلم يتمالك الشيخ
(فاضل) نفسه و ضرب بكلتا يديه الطاولة و هو يردد بتخاذل :
- يا إلهي لطفك .. هذا الشرير سيفسد الخطة بأكملها .

- استيقظ لا وقت للنوم .
قالها (سام) ل(آدم) كي يشجعه على إكمال ما بدأه .. فاستجاب له ليعطيه مسدساً و
ليبدآ الهجوم المضاد .
- كما علمتك .. الإصابة دائماً في المنطقة القاتلة .. و الآن .. 1 .. 2 .. 3 .
انطلق الاثنان بجرأة ، و بدآ يطلقون سيلا من الرصاص صوب جنود الغزاة .. و الأمر
نفسه فعله الغزاة فتبادل الطرفان إطلاق النار بشراسة .
إلا أن أحداً منهم لم ينجح في إصابة الآخر .. فقد ارتدت كل الرصاصات على الجدار
المغناطيسي الشفاف ، و الذي عزل القطاعين الفاصل بينهما .
- معذرة يا (ثام) .. لقد قمت بعزلكم عن قطاعهم .. يبدو أن الخلل في النظام قد
ثاعدني على إعادة تفعيل برنامج التجثث .
صرح (توشي) بهذا عبر جهاز الاتصال .. و كان لابد للجميع أن يتحرك بسرعة .
كانت فكرة اقتحام البرج مؤجلة لأنه أيضاً قد غلف بغطاء مغناطيسي حامٍ .. هذا
من وجهة نظر كل من (سام) و (آدم) .. أما من وجهة نظر (تيمور) فكانت لغة الدمار
هي منهجه الوحيد ، فشق صفوف الجند تقدم عربة حمراء مدرعة و متطورة ، و قد تربعت
على ظهرها عدد من الصواريخ المرعبة ، فأطلقت الصواريخ واحدا تلو الآخر ..
انطلقت لتدك الحاجز المغناطيسي بكثافة .
- الحاجز لن يصمد لوقت طويل .. سأحاول اختراق صفوفهم كي يحولوا مسار الهجوم ..
و أما أنت فانتظر الفرصة المناسبة لاقتحام البرج ..
أشار (سام) ل(آدم) بهذه الخطة ..
- (توشي) قم بإزالة الحاجز المغناطيسي لثانية كي أخترق القطاع المقابل .
نفذ(توشي) الأمر دون تردد لثقته بقدرة (سام) .. فأزيل الحاجز فجأة .. ليقفز
(سام) - دون أن يتوقف لحظة عن إطلاق النار و تفجير القنابل - وسط حشد العدو ، و
الذي وقف في حالة دفاع مؤقتة من هذا الهجوم المباغت .
- أنت أيها الجاموس و أشباهه .. هل أثرت انتباهكم لقتلي .. 
دار الجميع صوبه و بدؤوا بالرد عليه بإنزال سيل آخر من الرصاص بعد أن صار خلفهم
.. فانطلق (سام) يتراجع بسرعة عنهم متحاشياً غارة النار الرهيبة .
كان (تيمور) أذكى من أن ينساق لخدعة (سام) القديمة ، فقد تابع ضرب الحاجز و ترك
هذا الآخير يتابع فراره ، حتى تمكن أخيراً و بعد جهد من تفتيت المجال
المغناطيسي ليقف أمام الهدف المطلوب .. 
برج (نواة الخلية العظيمة ) عارياً من أي حماية !
أوشك الجنرال (تيمور) على تحقيق الغزو و السيطرة السريعة ، ففاجأه هذا الرد
المباغت !
حدث ذلك عندما بدأ البرج يقصر و حلقاته الحلزونية تدور بسرعة و هو يغوص في
الأرض .. وقف (تيمور) حائراً عن اتخاذ الرد المناسب ، فلم يكن بوسعه سوى الوقوف
لمتابعة اختفاء البرج العملاق باستسلام .. و ازداد الأمر عليه حين لمح (آدم) و
قد ظهر فجأة و قفز كسمكة مبهرة ليغوص إلى حيث دفن البرج .
و ينتهي بذلك مشهد من الدمار و الانفجار .
و يعود دبيب السكون لينعش (الخلية) !

***

- (سام) ..أطلعني بمجريات الأحداث ؟
اختطف الشيخ (فاضل) السماعة ليطمئن على ما يفعله (سام) ، فأجابه هذا الأخير :
- اللعنة .. اللعنة !.. جنود (تيمور) يطلقون النار على كل شيء متحرك .. و هؤلاء
الحمقى أشباه (آدم) .. اللعنة يالهم من حمقى مازالوا محافظين على نظامهم السخيف
و نيران الأعداء تقتلهم .. و كأنهم لا يعون معنى الموت !
هذا بالضبط كان حال منطقة (الخلية) خلال الساعات المنصرمة من هجوم الغزاة ..
الغطاء الزجاجي أظهر السماء مصطبغة بأمواج ضوئية حمراء كإشارة إلى اختلال
النظام ، فطبق سكان (الخلية) خطة الطوارئ التي لُقّنوها ، و التي و رغم درجة
الخطورة القصوى ظلوا محافظين على هدوئهم في السير باتجاه واحد ، دون أن يلتفت
أحدهم إلى من يسقط منهم قتيلا بفعل رصاصات الغزاة المتوحشة .
و أما هؤلاء الغزاة فقد عاثوا في الأرض فساداً ، فكانوا يتسلون بممارسة لعبة
التصويب على هؤلاء البشر الباردين جداً ، بحيث تكاد تجزم أن المشهد هو جزء من
لعبة فيديو مبرمجة بانعدام الذكاء الاصطناعي !
و وسط كل هذا الفوضى و الدمار ، وقف (سام) وحيداً .. متميزاً .. يهاجم بعنف
تارة .. و يدافع عن نفسه تارة أو عمن يستطيع حمايته من البشر .. و لقد أيقن أن
ما يقوم به هو محاولة عابثة للبقاء لو لم يفكر في حل آخر .. فوجد الحل .. وجده
و هو يمعن النظر إلى منطقة ما من الأفق المحتضر مستغلاً انشغال الطرفين .

***

- هذا (آدم) .. لقد نجحت في اقتحام البرج .
أثلج صدرهم صوت (آدم) و هو ينقل لهم هذا الخبر ، فاستجاب له الشيخ (فاضل) :
- أحسنت يا بني .. و الآن أخبرني ماذا ترى ؟
احتاج (آدم) لبضع من الثواني كي يعتاد بصره على هذا الوضع ، و بالتالي كي يجد
الوصف المناسب للمكان الغريب الذي هو فيه .
- إنني .. إنني في مكان مظلم .. و لا يوجد حولي سوى جدران سوداء مضاءة بالرقمين
1 – صفر و هي تتحرك صعوداً و نزولاً دون توقف .
- جيد .. تابع تقدمك حتى تجد شيئاً مختلفاً .
فعل ذلك ، فتابع تقدمه بهدوء و حذر ، حتى استوقفته تلك الشاشة و التي كان من
الصعب ملاحظتها وسط زحمة من ال0 و ال1 .. فاقترب منها بحماس و لمست يداه ال...
كاد أن يلمسها قبل أن يقبض على معصمه تلك اليد البشرية و قد هتف به صاحبها :
- لا .. لا تعبث بهذه الأشياء يا بني .
مع آخر حروف كلماته ، تلاشت الجدران الرقمية و أضيئت الغرفة في غمضة عين . 
لم يكن يشبه (آدم) أو أي من أقرانه .. كان رجلاً كبيراً في السن لم يستطع
الإرهاق أن يتظاهر بالعكس و قد رسم التجاعيد في وجهه بإتقان .
- إذاً فأنت العنصر (124) و قد تم تأهيلك على يد الشيخ (فاضل) .
لم يتمكن (آدم) من إخفاء اندهاشه من أن هذا الرجل الواحد كان السر وراء هذا
النظام العظيم .. لكن لو لاحظتم أن الأدهى من كل هذا هو كيفية معرفته بالشيخ
(فاضل) !
وصل صدى هذا الحوار إلى المتواجدين بالبيت الآمن .. و طبعاً أكثر من انشد لهذا
هو الشيخ (فاضل) ، فاقترب من (توشي) ليقوم هذا الأخير بتشغيل برنامج التقمص
المزدوج .. البرنامج الذي يجعل مما يراه بصر (آدم) منقولا على شاشة الحاسوب و
ما يريد أن يقوله الشيخ (فاضل) يستنطق على لسان (آدم) .. بمعنى أن روحه و كأنها
قد تقمصت به .
ما إن تفعل البرنامج .. وقف (آدم) أمام الرجل الغامض بانبهار مغاير عن الانبهار
السابق .. انبهار جعله لا يطيق صبراً على احتضانه :
- يا الله .. أهذا أنت يا (سليمان) ؟.. أين اختفيت طوال هذا الوقت ؟

***

كوكب الأرض .. العام 2191 .. الساعة 4:00 مساءً ..
عين خضراء ستحل محل عينك و أنت تتأمل في هذا الحقل .. هو حقل أشئت أسميته ، أو
جنة من جنان الأرض ، حيث تستلذ العين قبل أي حاسة . 
رقصت فروع الشجر حسبما شاءت النسائم المهاجرة .. و فوقها شّدّت البلابل
بالأغنية المبهجة لتناغم اللوحة .
و في إحدى أركان هذه اللوحة ظهر الشيخ (فاضل) بثوبه الأبيض المندي بالطين ، و
قد انهمك في غرس فسيلة نخل .
فجأة ! .. أخرج اللوحة من إطارها الهادئ نباح الكلب (سميد) منذراً بقدوم أحدهم
.
تنبه الشيخ لذلك ، فترك ما عنده و قد خمن القادم .
توقفت سيارة مدمجة صدفية الشكل أمام كوخه الخشبي .. و جدير بالذكر أن هذه إحدى
المركبات الحديثة و التي تعد صديقة بالبيئة ، لأنها تعمل بواسطة الخلايا
الشمسية .. خرج منها صاحبها .. و هو الدكتور (سليمان) عالم الفيزياء و أهم
باحثي علوم الطاقة .. و بالطبع الصديق الأعز للشيخ (فاضل) .. بادر إليه الشيخ
بالتحية و السؤال :
- أهلاً بك يا (سليمان) .. ألم تحضر حفيدتي الشقية معك ؟
بدا (سليمان) متعجلاً و ناشداً لأمر ما جعله يجيب بفتور :
- الواقع كلا .. فقد أتيت لأحادثك بموضوع آخر .. موضوع مهم .
تفاعل الشيخ مع جديته فدعاه لدخول الكوخ .
و في الداخل - و بعد أن ضيفه كأساً من الشاي الأخضر - عاجله (سليمان) بدخول صلب
الموضوع :
- أبشرك يا صديقي .. لقد وافقت الأمم المتحدة و وكالة الفضاء الدولية على مشروع
(الحياة على القمر ) .
لم يكمل كأس الشاي طريقه لشفتي الشيخ ، مما يدل على أن الخبر كان صادماً له ،
فرفع بصره إليه و بتأنيب :
- (سليمان) .. ألم يسبق لنا و أن ناقشنا هذا الأمر ؟.. أنا فلاح و لن أتخلى عن
أرضي مهما حدث .. و لا تقلق فكمية النخيل التي تحويها مزرعتي كافية لإنتاج طاقة
ال(أثينول) النقية .
توقع (سليمان) هذه الإجابة فجهز له الرد المناسب .. فوضع الشاي على الرف و جثا
بين ساقيه :
- صديقي العزيز .. أعلم ماذا تعني الأرض بالنسبة لك .. و لكن علينا أن نرضخ
للحقيقة .. الأرض تلفظ أنفاسها الأخيرة مع بدء العد التنازلي لوقوع الحرب
العالمية الثالثة .. ما نفع الأرض وقتها ؟.. ألا تجد الأمر نوعاً من الانتحار
المحرم ؟
وجد الشيخ هذه المرة صعوبة في الرد المباشر ، فصمت هنيهة رد من بعدها :
- حسناً .. دعني أفكر في الأمر .
و بعدة عدة أيام ..
استرخى الشيخ (فاضل) على كرسيه الخشبي ، و بجواره انشغلت الدكتورة (ناديا)
بقياس حالته الصحية .. عندها علقت على ذلك بانبهار :
- رائع .. حالتك الصحية في تحسن مستمر ، حتى أنني الشابة أحسدك عليها .
أوشك أن يعقب على كلامها ، قبل أن ينتبه إلى خيط من الدخان قد تصاعد من الغرفة
المقابلة ، فاكتفى بإشارة إلى كلبه الوفي ، انقض من بعدها صوب الغرفة .. و
هنالك اختلط نباحه بصياح أحدهم .. انتهى الأمر بخروج الكلب و بين فكيه سيجارة
مشتعلة ، فاتجه مباشرة إلى أصيص الزرع ليطفئها على تربته .. خرج الطرف الثاني
من المشاجرة ليواجه الشيخ (فاضل) .. و قد كان هذا الملازم (سام) ، دون أن ننسى
أن العرق سيضرب في رأسه من شدة الغضب :
- أهكذا ترحب بضيوفك أيها الفلاح ؟!
حدجته (ناديا) بنظرة تأنيب ، لكن الشيخ تجاهل انفعاله بأن رد :
- مهلك يا بني .. هل ستضع عقلك أمام عقل كلب ؟!
استفزته العبارة بحق فلم يكن منه إلا أن غادر الكوخ و هو يتمتم بعبارات ساخطة و
غير مفهومة .. حاولت (ناديا) أن تعلل تصرفاته بخجل فأوقفها الشيخ متفهماً :
- لا بأس .. بالمناسبة ماذا يعمل زوجك ؟
- إنه جندي في قوات حفظ السلام الدولية .. أخذ إجازة ليقف معي خلال فترة حملي .
قالتها فداعبت بطنها المنتفخة بحنان و أضافت :
- لا تنسَ وعدك لي .. أريد أن يولد طفلي على يد نفس السيدة التي ولدت حفيدتك ..
أريد أن تكون الطبيعة أول ما يفتح عينه علي الدنيا .
نبح الكلب (سميد) منذراً بقدوم شخص ما .. بعد قليل سمع صوت (سام) و هو يشاجر
أحدا ما مرة أخرى !.. دخل إلى الكوخ ذلك الشخص ، و هو الفتى (توشي) بقميصه
الرياضي الفضفاض العصري ، فأنزل الحاجيات التي طلبها منه الشيخ و أشار إلى
الخارج هامساً :
- هيه .. من ذلك العنيف الذي بالخارج ؟
هزت (ناديا) رأسها بيأس و أجابه الشيخ :
- دعك منه .. هل تمكنت من الحصول على الصحيفة ؟
زفر (توشي) مظهراً عناء الأمر فقدم إليه الصحيفة .. تناولها الشيخ بلهفة و وقعت
عيناه مباشرة على العنوان العريض الرئيسي و هو التالي :
(( حلف دول الشمال الأزرق تستعد للرد النووي على هجمات حلف دول قوس النار )) 
زفر الشيخ بحرقة و طوى الصحيفة ثم هتف بالجميع :
- (توشي) .. و أنت يا (ناديا) .. أحضري زوجك (سام) .. هنالك موضوع مهم أود
مناقشتكم فيه .
و قد كان الموضوع متعلقاً ببعثة القمر .

***

العام 2200 .. منطقة (الخلية) .. برج (ن.خ.ع) .. الساعة 6:00 (ليس صباحاً أو
مساءً) .
احتاج الرجل الغامض و المدعو (سليمان) لدقيقة كاملة كي يقتنع أنه يحادث الشيخ
(فاضل) عبر صورة (أدم)(بواسطة برنامج التقمص المزدوج) .. و الأمر نفسه بالنسبة
للشيخ (فاضل) .. افتتح (سليمان) الحوار :
- أعلم أنك متفاجئ من مظهري المسن الذي قد يفوق سنك أضعافاً .. إنها عوامل
كثيرة .. من تلوث و كيميائيات ذات أعراض جانبية .. و الأهم الإرهاق و ما أدراك
مالإرهاق .
- دعك من هذا .. و أخبرني عن قصة اختفائك و ماذا جرى حتى هذه اللحظة .
طأطأ (سليمان) رأسه فأطال في الصمت .. استحثه صديقه على الإفصاح عما يخفيه ،
فرفع رأسه بغتة و بنفس واحد :
- حسناً .. و لكن عدني أنه تسامحني .
لم يعر جملته الأخيرة هذا الانتباه فاكتفى بالقول :
- لا تقلق .. تحدث وحسب .
إطالة أخرى من الصمت .. تشجع من بعدها ليبدأ بالسرد :
- ما إن ضمنت تصميمكم على متابعة الرحلة إلى القمر ، حتى أعلنت اختفائي عن قصد
.. لم يكن هنالك مجال للتراجع عن موعد الرحلة ، فأرسل إليكم المهندس (باكو)
بديلاً عني .. و أما أنا فقد تجهزت لمشروعي الأسمى .. و لذلك اختطفت الطفل الذي
كان في الكوخ و ..
التقطت الدكتورة (ناديا) كلمة (الطفل) ، فربطتها بحادثة اختطاف طفلها بعد أيام
من ولادته مباشرة ، فلم تحملها ساقها من هول الصدمة و انقبض قلبها ، فساندها
(توشي) و الشيخ على البقاء على وعيها .. في حين كان (سليمان) مسترسلاً في سرده
:
- اختطفت الطفل الذي في الكوخ و حملته مع حفيدتك إلى أعلى قمة جبلية حيث مختبري
المتكامل و المحصن بجدار من الرصاص المقوى ذي سماكة قادرة على صد الإشعاع
النووي .. وقعت الحرب النووية .. تحصنت لأكثر من سنة بعد تأكدي من انتهاء الحرب
و نهاية العالم .. خرجت لأرى الأرض .. يا إلهي كم كان منظراً مرعباً !.. لم
أتخيل يوماً أن الأرض قد تتحول إلى جحيم بيد البشر .. لكنني لم أيأس و باشرت
مشروعي .. قمت بعمليات استنساخ تدريجية للفتى و الفتاة اللذين كانا معي .. كان
الجو مهيئاً لأحجب العواطف عن تفكيرهم .. لدرجة أنني لم أربت على رأس أحدهم و
لو لمرة .. كنت أخاطبهم من بعيد بواسطة الاشارات الالكترونية .. تعاونا معاً
على إنشاء منطقة (الخلية) .. أسميتها (الخلية) بمثابة الخلية البشرية و التي
تعد أصل الحياة .. و بواسطة قاعدة المعلومات العملاقة التي كنت قد خزنتها في
شريحة إلكترونية دقيقة و التي تحوي كل ما توصل إليه العلم البشري منذ بداية
الخلق .. بدأت أصنع العالم و أطبق فيه النظام .. و ها هو عالمي كما ترونه الآن
.
انقض (آدم) بإيعاز من دماغ الشيخ (فاضل) و قبض على نحره معنفاً :
- طردتني إلى القمر ، لأنك ظننت أنني سأكون حجرة عثرة أمام مشروعك غير الإنساني
.
- لكنني ضحيت من أجلك .. أعطيتك فرصة جديدة للحياة على القمر ! 
تخلى عن نحره و قد هدأ :
- حسناً .. و بما أنني قد تمكنت من العودة إلى الأرض .. هل ستعارضني مرة أخرى و
تمنعني من إعادة الحياة إلى طبيعتها .
وقف (سليمان) و ابتعد خطوة عن محادثه .. تأمل جدران غرفته الإلكترونية باحثاً
فيها عن الكلمات المناسبة .. ثم استدار إليه بطريقة مسرحية و عاد ليرد :
- هذا هو عالمي الذي حلمت به طيلة سنوات .. حلم حققته و بنيته بمجهودي قطعة
قطعة .. إنه العالم الذي حلم به الإنسان العادي كما الفلاسفة .. عالم صافٍ نقي
، خالي من القذارة و المرض و الجريمة .. عالم بلا شرور .. عالم حقق السلام .
وقف (آدم) بإيعاز من دماغ الشيخ (فاضل) و بنفس الطريقة :
- و لكي تصل إلى كل هذا ماذا خسرت بالمقابل ؟.. خسرت عاطفة الحب .. تآلف البشر
.. تقدير الأبوة .. براءة الأطفال .. متعة الأكل و الترفيه .. روحانية الإيمان
.. أفنيت عمرك في مراقبتهم كراعي قطيع .. اعلم يا صديقي أن الحياة تقع بين كفتي
ميزان .. من المستحيل أن يثقل أحد الطرفين على الآخر .. و في نفس الوقت نحاول
عبثاً أن نحدث التوازن و لا نستطيع .. و هنا تكمن روعة الحياة .. لقد خلق الخير
و الشر توأمين متضادين لا يفترق أحدهما عن أخيه .. لن يمر يوم في الدنيا دون أن
يحارب إنسان أخاه الإنسان في بقعة ما على الأرض .. السلام حلم كنا و لا نزال
نسعى إليه و لن ندركه .
خرس (سليمان) أمام منطقه الحكيم ، فقد ضربه في صميم آلامه التي عاناها خلال كل
تلك السنوات .. فانهلت دمعتان غصبا من خارج عينيه .. أراد أن يضيف شيئاً ،
فاكتفى بالنظر إلى سجادة صلاة كان منظرها مميزاً و رائعاً ، و هي مبسوطة بدفء
وحدها و حولها كل تلك الآليات و التقنيات الحديثة الباردة .. ابتسم لمنظرها
فردد على مسامعه :
-أظنه الأمر الوحيد الذي أبقاني على قيد الحياة .
فجأة ، و في البيت الآمن حيث تسمر الشيخ برفقة الآخرين ، اختفت صورة (سليمان)
من شاشة الحاسوب مع تعطل برنامج التقمص المزدوج ، ليظهر برنامج الحماية و الذي
فسره (توشي) :
- للأثف يا عمي .. لقد انكشف الثتار عن موقعنا بثبب التلوث الذي أحدث توازناً
بيننا و بين منطقة (الخلية) ، فأصبحنا متعادلين حرارياً !.. نحن مهددون في أي
لحظة !
أيقظهم نباح الكلب (سميد) المتواصل منذراً بهجوم ما .. لم يكذب خبراً فقد نسف
باب البيت الآمن و داهم جنود (تيمور) المكان بلا هوادة .
و في الطرف الآخر .. استعاد (آدم) تحكمه بنفسه بالإضافة إلى استيعابه لكل ما
حدث للتو .. استضأت الغرفة بأضواء الإنذار الحمراء للإشارة إلى وجود اختراق غير
مشروع للبرج .. اتجه (سليمان) إليه مباشرة فقدم له شريحة إلكترونية :
- احتفظ بهذه .. إنها قاعدة المعلومات و كل ما أنت بحاجة إليه لبدء عالم جديد
.. أنت وحدك من يستحقها .. انتبه لنفسك .. أرجوك .
قالها فأجبره على مغادرة المكان من ممر خفي .. و ما إن غادر حتى كان جنود
الغزاة قد اقتحموا المكان مشكلين حوله دائرة هو مركزها .. و من بينهم تقدم هذا
المتوحش و المدعو (تيمور) :
- أسمح لي أن أبدي إعجابي بك على العالم الذي صنعته .. كنت أعلم أنا مثل هذا
النظام من المستحيل أن يقف وراءه غير الإنسان .. مع أنه كان ينقصك تأمين وسائل
دفاعية كي تتقي شر الأعداء .. كما يحدث معك الآن .
وقف (سليمان) أمامه بشموخ دخيل على الوضع الحالي .. أجابه به :
- لقد صنعت هذا العالم ليكون خالياً من الحرب .. لذا وعدت نفسي ألا تطلق رصاصة
واحدة فيها .. و لكن يبدو أن الإنسان لن يصل أبداً إلى الكمال .
أدخل يده في جيبه بسرعة و أخرج مسدساً صغيراً ألصقه في صدغه ، و أكمل كلامه :
- لكنني لن أدعك تحوز على هذا النظام .
طاااااااااااخ .


***

منطقة (الخلية) .. الساعة 6:20 .. (ليس صباحاً أو مساءً) .
تحرك (سام) بخفة جندي داخل أورقة مكان مغلق يشبه قاعدة عسكرية .
التصق بالجدار و تأكد من تلقيم مسدسه ، عندما لاحظ وجود جنديين من رجال (تيمور)
و قد اتخذا وضعيه المراقبة الأمنية ، فزفر (سام) لمرة استعداداً منه لتطبيق
مجازفة ما .. و فعلاً فقد طرق سطح الجدار بصوت مسموع انتبه له الجنديان ..
فتقدم أحدهما ليفحص الوضع .. و ما إن أوشك أن تقع عيناه عليه ، حتى وجد ضربة من
كوع (سام) تنتظره و تنقله إلى عالم غير الواعيين مباشرة .. و قبل أن يطلق الآخر
النار من سلاحه ، ظهر (سام) في مواجهته و سبقه بالطلقة المميتة .
شعر (سام) بحالة زهو ، فنفخ في فوهة المسدس ثم لفه حول سبابته بسرعة كما يفعل
رعاة البقر حال انتصارهم .
-(سام) .. أنا هنا .
لأنه صوت أقرب للهمس ، لذا توقع (سام) أنه يخيل له وحسب ، فكاد أن يكمل طريقه
.. لكنه لم يصدق عينيه عندما شاهد ذلك الأسمر خلف قضبان زنزانة :
-(باكو) .. يا إلهي .
تقدم إليه بلهفة ، فبدأ يتفحص الوضع مالبث أن تلاعبت أصابعه بشاشة تحكم ألف
فيها أي رقم ليفك الشفرة المسؤولة عن فتح الزنزانة ، فهاتفه (باكو) بنفس
الطريقة :
-لاتحاول .. إنها وسيلة معقدة .. عليك أن تذهب إلى غرفة التحكم المركزي و من
هناك ستجد ...
لم ينتبه (سام) لكلماته ، فتراجع خطوتين للوراء :
-من يحتاج إلى التكنولوجيا .. سأريك الطريقة الأفضل لفتحها .
وجه مسدسه نحو الشاشة .. و أطلق النار ! .. فتعالى ازيز الشرارات الكهربائية
معلنة استسلامها لطلقة (سام) .. ففتح الباب للسجين .
تعانقا الاثنان في عجالة لأنهما يدركان تماماً حساسية الموقف .. فتحركا إلى
وجهة معينة ، لكن (سام) توقف فجأة عندما استوقفه أمر ما :
-(سام) .. هذا ليس وقته .
تجاهل (سام) ندائه عندما أعجب بذلك الكائن الذي بات نادر الوجود :
-رائع .. جواد عربي أصيل .
- (سام) .. هذا ليس ...
لم يتمكن من إكمال عبارته و كذلك الأمر بالنسبة ل(سام) .. فقد تمكن جنود
(تيمور) من محاصرتهم ، ليعلنا الاستسلام كما يبدو هنا .

***
منطقة (الخلية) .. الساعة 6:20 .. (ليس صباحاً أو مساءً) .
تحركت شاشة زرقاء خاصة بأحد جنود (تيمور) نصف الآليين .. تحركت بين حشود سكان
(الخلية) المعدومي العواطف ليقع اختياره على أحدهم كي ينال نصيباً من رصاصته
الغادرة !
وقع اختياره على عنصر أنثوي من بينهم جميعاً .. لم تشعر بما يخطط له هذا الذئب
لأن تركيبتها قد خلت من العواطف ، لم تعرف ما معنى (خوف) !
تجهز الجندي الغازي للإطلاق .
فجأة !.. اهتزت شاشته و انطلق أزيز كهربائي تشوشت معها الرؤية .. حرك الجندي
شاشته كي يبحث عن المتسبب .. وضحت الشاشة لتتضح معها صورة (آدم) وقد وقف وحيداً
متميزاً بين حشود أشباهه .. و الأهم رفع مسدسه صوبه .. لم يكد الجندي يتخذ
إجراءً حتى تحطمت الشاشة و انطفأت معها بفعل رصاصة أخرى أطلقها (آدم).. 
التفت (آدم) إلى ذلك العنصر الأنثوي صاحبة الرقم (133) فشعر لأول مرة أن هنالك
شيئاً في عالمه يستحق أن يبادله عواطفه .. و الأمر نفسه ل(133) فقد بادلته نفس
النظرة .. نظرة أشعرتها بالإعجاب و ب...
ركض (آدم) باتجاهها بسرعة ثم وثب لينتزعها من الطريق .. فعل ذلك مع هجوم مدرعة
حمراء صارت تنشر نيرانها العشوائية في محيط المكان .
رفع (آدم) نفسه عنها و ترك لها شعوراً أعظم من الإعجاب . 
تحرك (آدم) بخفة و استدار خلف المدرعة ، فقفز فوقها ثم اختفى بداخلها ، ليتوقف
الضجيج مع توقف حركتها .
انتبه البشر أخيراً لأمر يثير مشاعرهم .. اهتزت المركبة فتطايرت أجساد الجنود
الذين كانوا بداخلها ثم تساقطوا أمام الجميع .. و ما إن حاول أحدهم أن يقف على
قدميه حتى استقبله (آدم) إما بلكمة و إما بركلة أنهت أمرهم .
تطلع سكان (الخلية) إلى (آدم) بانبهار ، فاقتربوا جميعاً منه .. عندها انقض
(آدم) إلى أقربهم و أنهال عليه بكلمة .. و على آخر .. و على ثالث .. ثم صاح
بالجميع :
- اللعنة ! .. ألم تشعروا بالغضب بعد ؟
ازداد تعلق أبصارهم ب(آدم) و بدؤوا يحاولون استنتاج هذا الاختلاف الذي هو فيه ،
و خصوصاً من نال لكماته .. عندها بهتت ملامحهم الباردة و أشرقت روح من الشجاعة
جعلتهم ينهضون بنشاط صارخ .. و انقضوا فوراً على أول فوج من الغزاة .
أرعبتهم هذه الثورة ، فلم يكن أمامهم سوى العودة من حيث أتوا مستسلمين لخوفهم
.. 
لأن ثورة البشر في الأرض قد انطلقت !

***

- (( كتيبة الدمار (9) >> المركبة الفضائية >> دعم >> دعم )) .
أطلق أحد جنود (تيمور) هذا النداء إلى مركبتهم ، نتيجة الثورة التي قام بها
سكان (الخلية) على حين غرة ، فظهر في الأفق ذلك المجسم الأحمر العملاق المستدير
ذو النتؤات الحادة .. تلك كانت مركبة الغزاة الفضائية ، و التي أرغمت الجميع
على التوقف أمامها ، بانتصار بالنسبة لجنود (تيمور) ، و برعب بالنسبة لسكان
(الخلية) ، فبرزت من المركبة مدافع عملاقة اتخذت وضعية الإطلاق .. لم يكن هنالك
مجال للمقاومة أو الفرار ، فقد انطلقت القذائف تحصد الأجساد بلا أخطاء .. و دون
رحمة .
تنهد (آدم) بذهول و ارتياح و كذلك فعل أقرانه حين حصدت مركبة الغزاة .. الغزاة
أنفسهم !
ترقبوا كشف هذا السر .. فنزلت السيقان المعدنية للمركبة و ثبتت على الأرض ، ثم
انفرجت كوة شع من ورائها ضوء ساطع أعمى الأبصار .
و أول ما شوهد كان خيطاً من الدخان ، تلاه صوت صهيل جواد .. ظهر الملازم (سام)
على صهوة جواده رافعاً حافريه الأماميين و عندها هتف (سام) بكبرياء :
- لم أتوقع يوماً أن الأرض ستكون مدينة لي .
هب (آدم) إليه ما إن ارتجل عن صهوة جواده و غمره في الأحضان :
- أبي .. يالك من رجل رائع !
اتسعت حدقة عيني (سام) ، و توقف رأسه عن التفكير متعطلاً عند كلمة (أبي) !

***
عجن (سام) تقاسيم وجهه ، و احترق سيجاره بشراهة و هو لا يزال غير مصدق أن (آدم)
و أي من سكان الخلية الذكور هم نسخ من ابنه المختطف .. مما يعني انه يعد الأب
غير المباشر لسكان (الخلية) بأكملها !!
و من جهة أخرى استغرق مجموعة من سكان (الخلية) في مراقبة ذلك المخلوق الغريب
(بالنسبة لهم) و المعروف بالجواد .
نزل من المركبة رجل آخر .. شاب داكن البشرة علت ابتسامة بيضاء محباه بعفوية ،
و هو يقلب بصره بين هؤلاء البشر المشابهين بعضهم للبعض .. انتبه (سام) لوجوده
فأشار إليه موجهاً الكلام ل(آدم) :
- أوه .. نسيت يا بني .. أعني (آدم) .. أعرفك بالمهندس (باكو) ..
صافحه (آدم) بحرارة .. لم بدا له مخلوقاً غريباً آخر لأن لون بشرته تختلف عن
لونهم .
عم صمت مهيب المكان .. انصب تركيز الجميع على صوت قادم باتجاههم .. توقعوا
هجوماً جديداً من الغزاة .
لكن الأمر لم يكن كذلك مطلقاً ، فقد ظهر الكلب (سميد) و قد أنهك في سحب جسد
على طول الطريق .
هُرع إليه كل من (سام) و (آدم) فحاكاه البقية من البشر .. كانت مفاجأة مؤلمة
بحق .. لقد كان هذا هو الفتى (توشي) و قد تلطخ صدره بالدماء .
حاول (آدم) إيقاظه .. ففتح عينيه بصعوبة و كذلك خرجت منه الكلمات :
- الشيخ (فاضل) و الدكتورة (ناديا) .. اختطفهما (تيمور) بعد أن ثيطر على البرج
.
أسبل جفنيه و لاذ (توشي) بصمت مميت .. جاهد (آدم) لإيقاظه بمرارة ، فوجد يده و
قد صافحت يده .
انتبه (آدم) ليده فوجد غطاء المشروب أو عربون الصداقة الذي تعاهدا عليه ، ففتح
(توشي) عينيه و بنفس اللهجة :
- احتفظ بها يا صديقي .. لكن احذر أن تبتلعها !
قالها ، ثم ترك ابتسامته الأخيرة مودعاً بها الحياة للأبد .
لم يتمكن (آدم) من حرمان مشاعره الوليدة من حقها في التعبير ، فترك دمعتين
تسقطان على جسد صديقه .
كانت دمعتين فتحولتا إلى بضعة قطرات ، و من ثم إلى دموع غزيرة من كل الاتجاهات
. تفاجأ (آدم) من تفاعل الجميع معه ، فرفع رأسه ليتفاجأ بما هو أغرب .. فعبر
الفجوة التي أحدثتها علمية الغزو في الغطاء الزجاجي ل(الخلية) ، شاهد (آدم)
السماء تبكي بغزارة .. هذا بحسب استيعابه .
و بالنسبة ل(سام) و المهندس (باكو) فقد كان شعوراً رائعاً و لا شك .. لقد
حرموا المطر طيلة سنوات وجودهم على سطح القمر ، فأغمض (سام) عينيه و ترك قطرات
المطر تغسله و قد وقف كصليب بشري .
- (( هاتشووووووه )) .
عطس (آدم) لأول مرة في حياته .. و قبل أن يستوعب ما فعله ، تشكلت عاصفة من
العطاس المتتالي أحدثه كل سكان (الخلية) ، فارتجت الأرض من قوة العاصفة .. و
الأمر كان يعني بشرى سارة .. فهذا يعني أنهم صاروا يمرضون .. و أنهم بذلك قد
عادوا إلى الحياة !

***

منطقة (الخلية) .. داخل مركبة الغزاة الفضائية .. الساعة 6:30 (ليس صباحاً أو
مساءً) .
اصطف رجال (الخلية) لأول مرة في التاريخ كرتل عسكري مدرب .. و أمامهم تحرك
الملازم (سام) ملقياً خطابه بصوت جهوري :
- قبل البدء برسم الخطة لابد أن تكونوا على معرفة بمن نواجهه .. الجنرال
(تيمور) قائد سابق في قوات حفظ السلام الدولية .. أعفي من مهامه لارتكابه مجزرة
بحق من يفترض به حمايتهم ، فحكم عليه بالسجن مدى الحياة في أسوأ معتقلات العالم
.. و حين بدأت بذور الحرب العالمية تنبت على السطح ، قام حلف دول قوس النار
بإجراء عمليات تشويه لهؤلاء المساجين و نقلهم إلى معتقل آخر على سطح القمر تحت
ستار (السرية المطلقة) .. و كان الهدف من هذه العملية محاولة تحويل أنظار
أعدائهم إلى وجود مخلوقات متوحشة على سطح القمر كنوع من الحرب الدعائية .. لكن
نشوب الحرب قبل وقتها المتوقع أفسد الخطة برمتها ، فتمكن (تيمور) من الهرب من
معتقله و السيطرة على القمر و بناء جيشه .. و حصل ما حصل حتى ذلك الوقت .
أنهى (سام) تعريفه ، ثم عاد إلى طاولة مستديرة ، و وضع عليها ورقة بيضاء كي
يرسم عليها خطة الهجوم بالطريقة التقليدية .. فرسم دائرة في منتصفها :
- هذا هو البرج الذي نسعى إلى تحريره .
ثم رسم قوساً في الجهة الشمالية منه و خط أمامه سهماً :
- سيقوم (آدم) بعملية لفت للأنظار .. و حين ينجح فستتقدم كتيبة بقيادتي لضرب
الجنود الخارجين أو البارزين من البرج و بذلك نؤمن تغطية ل(آدم) كي يقتحم البرج
ويفتح الممر الرئيسي .. و في حال تأزم الوضع أكثر ، ستكون هناك فرقة مستعدة
للدعم من الجهة الخلفية للبرج .. واضح .
تقدم المهندس (باكو) نحو(سام) فأعطاه قاذفة رهيبة الشكل ، علق عليها :
- هذا أحدث سلاح توصلت إليه .. قاذفة ليزرية تطلق شعاع بسمك ..... سم مكعب و
سرعة قذف تصل ل ....... فوتون و طاقة تقدر ب..... وات و ....
أخرسه (سام) بتشدد :
- لا أريد أرقاماً .. أعطيني النتائج فقط .
لم يجد (باكو) الكلمات ، فاكتفى بإشارة من إبهامه أن هذا ما يحتاج إليه بالضبط
.
من بعدها اتجه (باكو) إلى (آدم) ، و الذي وجد نفسه غارقاً في الحديث مع العنصر
(133) الأنثوي .. فيما يظهر أن مشاعر خاصة ربطتهما .. اختار كل منهما الآخر
بالذات دون غيره ، رغم أن (آدم) يشبه كل رجل في (الخلية) .. و (133) تشبه كل
امرأة في (الخلية) .. و هو ما لم يكن قابلاً للتفسير بحد علمه .. قطع عليه
(باكو) لحظته :
- احممم .. عفواً يا سيد (آدم) .. يجب أن تكون مستعداً الآن .. هنالك شيء قد
أعددته لك .
عاد الرجال ليصطفوا أمام قائدهم .. و هنا أثار (سام) خطبته :
- يا سكان الأرض .. نحن الآن على وشك خوض غمار أروع و أعظم تجربة قد يخوضها أي
إنسان على وجه الأرض .. استعادة ما سلب منا بالقوة .. بنفس القوة .. سيشهد لنا
التاريخ أننا اليوم قد حررنا الكرة الأرضية .. فهل أنتم لها يا رجال ؟
شدد الضغط على جملته الأخيرة بأعلى صوت و رفع قبضته إلى الأعلى .. فشاركه
الجميع نفس الحماس .
و بصوت واحد .

***

برج (ن.خ.ع) .. الساعة 6:40 (ليس صباحاً أو مساءً) .
فلاش باك .. العام 2191 .. سطح القمر .
حقاً لا يوجد هنا ما يقال .. فالحياة خارج كوكب الأرض كانت و لازالت أسطورة
بشرية .
وصلت آخر رحلة من الأرض ، و على متنها الشيخ (فاضل) ، الملازم (سام) و زوجته
الدكتورة (ناديا) ، الشاب (توشي) ، المهندس (باكو) عوضاً عن العالم (سليمان) ..
و أخيراً الكلب (سميد) .
توقعوا أنهم سيصلون إلى قصر من عالم الخيال .. ليس إلى معتقل أسوأ من أسوأ
معتقل في الأرض .
و تحت شر و تعذيب الجنرال (تيمور) تحولت الحياة إلى جحيم فضائي .. كان أحدهم
يتوقع موته في أي لحظة عندما تتعطل آلة توليد الأكسجين ، و التي بسبها مات أول
طفل ولد على القمر .. طفل (ناديا) المنتظر .
و رغم أنها 10 سنوات كاملة من عمرهم ، إلا أن نصفها ضاع في النوم ! .. لأن
طبيعة التكوين المناخي الميت للقمر كان يسبب خمولاً زائداً .
آمن الشيخ (فاضل) أن الأرض لم تمت بعد ، و أن هنالك مكان يصلح للعيش ، كانت
روأه في المنام تتحقق غالباً .. و حتى لو كذبه (سام) فإنه كان يفضل المجازفة
على أن يدفن جسده خارج كوكبه الأرض .
نجح (سام) في سرقة مركبة فضائية صغيرة بالكاد وسعتهم ، في حين أن (باكو) قد قرر
التضحية من أجلهم و البقاء في القمر .
وردت هذه الذكريات في عقل الشيخ (فاضل) في بضع ثوان .. و كأنه يعزي نفسه ،
فيقال أن الإنسان قبل أن يموت ، فإن شريط حياته يمر أمامه في ثوان من عمر
الحياة .
- ((آدم .. آدم .. لا تجازف يا بني .. ألق سلاحك )) .
صار الشيخ (فاضل) يهذي مع ارتفاع حرارته ، بعد التعذيب الوحشي الذي تلقاه من
(تيمور) و رجاله .. فحاولت الدكتورة (ناديا) تمريضه و هما داخل قفص ضيق مقيت :
- تماسك يا عمي .. إنها مجرد كوابيس لعينة .
استيقظ الشيخ على صوتها الحاني و ترددت أنفاسه بقوة من خارج صدره :
- أعوذ بالله .
قالها ثم حدق إليها بتوجس جعلها تحاول تهدئته :
- لا تقلق يا عمي أنا معك .. يبدو أن (آدم) لا يزال يحتل حيزاً كبيراً من
تفكيرك !
لم ينزل بصره من عليها بنفس الطريقة .. فتردد بقول :
- خير إن شاء الله .. لقد رأيت في منامي أنه سينقذ الأرض .
لم تكد (ناديا) تستبشر بالخبر حتى داهم جنود (تيمور) خلوتهم ، فرفعوا الشيخ
(فاضل) بالقوة أمام عجز (ناديا) عن فعل شيء .. أجبره الجنود على الوقوف أمام
سيدهم .. فرفع (تيمور) وجهه إليه :
- اسمع يا هذا .. أنت تعرف أنه لا توجد بيننا أي خلافات شخصية .. بل و بالعكس
تجمعنا أرض واحدة .. لذا من الخير لك أن تتعاون معي .
صمت لهنيهة ، فتابع :
- سمعت أنك تملك كنزاً لا مثيل له في الدنيا كلها و قد دفنته في حقلك .. فهل
أعلمتني بموقعه ؟
لم يستطع الشيخ إلا و أن يرفع رأسه هازاً إياه و مشفقاً :
- يا إلهي !.. أبعد كل هذا الذي فعلته من الدمار و القتل .. يتضح أنك مجرد لص
حقير ؟!
أجابه (تيمور) على تساؤله بشكل صفعة قاسية أطاحت بالمسن الضعيف .
قطع عليهم دخول أحدهم .. أحد جنوده و قد بدا متعباً و مرتعباً فعبر عن ذلك :
- ه ه ه .. سيدي سيدي .. لقد تمت السيطرة على المركبة الفضائية من قبل الأعداء
.. و أظنهم الآن على وشك القيام بثورة .
كانت ملامحه وقت استقباله للخبر كافية للتعبير عن مدى إحساسه بالخطر .. و
الصورة أفضل تعبير .

***


منطقة (الخلية) .. الساعة 7:00.. (صباحاً هذه المرة) .
خرجت دورية حراسة أمام البرج .
لكن وحشيتهم لم تمنعهم من التمتع بهذا المنظر الساحر .
فها هي الشمس و قد أشرقت أخيراً بعد ما يقرب من10 أعوام ، معلنةً عن بدء يوم
جديد حقيقي .
توقف الجنود عن متابعة هذا المنظر ، عندما أثار ريبتهم ظهور ذلك الرجل ، و قد
بدا غير واضح الملامح مع اصطدام أشعة الشمس بظهره و استطالة ظله لأقصى مدى .
اقترب أكثر فأكثر ، لتصح شكوكهم بأنه عنصر عدائي .. و قد كان (آدم) و الكوفية
الفلسطينية تحيط عنقه .
زاد هذا الأخير من تسارع خطاه فحولها إلى ركض سريع ، أجبر الجنود على مباشرة
إطلاق النار .. عندها .. اختفى (آدم) من أمام الأبصار !
اختفى لأنه أنجز قفزة هائلة مكنته من تجاوز المسافة البعيدة الفاصلة بينه و
بينهم و الوصول به إلى الطابق ال5 للبرج .
شهق (آدم) بذهول من روعة ما فعله بواسطة سيقان الألومنيوم التي ركبها له
المهندس المبتكر (باكو) .. و قد شاركه حراس البرج هذا الذهول ، فاستداروا
بأعينهم ناحية البرج حيث تعلق (آدم) كعنكبوت بشري .
لم يلبثوا أن استعادوا زمام الأمور ، فارتفعت مدافعهم لإسقاطه ، قبل أن يقطع
عليهم صوت صفارة صدرت من ورائهم :
- عرفت أنني سأهزمك يوماً أيها الجاموس .
هتف (سام) بالعبارة و هو على صهوة جواد ثم أشار لرجاله .. لتنطلق الرصاصات من
جهتهم و تتشابك مع رصاصات الغزاة .. لتبدأ حرب التحرير .
كان التقدم المفاجئ لجيش الأرض قد أدى لسقوط أكبر عدد من رجال (تيمور) ،
فأسرعوا في طلب الدعم ، و قد كان على شكل مدرعات حمراء بمدافع ثقيلة تمكنت من
استعادة السيطرة على المعركة .
اختبأ (سام) كما أمر جنوده بفعل المثل .. عندها استل قاذفة (باكو) الرهيبة .. و
تحت لسع النيران و لفح الانفجارات التي اعتلت رؤوسهم ، طلب من رجاله أن يقوموا
بعملية تغطية بمدافعهم ، و بعد أن فعلوا برز من مكمنه و أطلق قذيفته الخارقة !
كانت قذيفة رهيبة بالفعل فقد أذابت مدرعات الأعداء .. و أيضاً قذفت ب(سام) إلى
الوراء أمتاراً بعيدة بفعل قوة ارتدادها .
عمَّ صمت مهيب الساحة .. تقهقر الأعداء لحظتها .. أما جيش الأرض فقد اتجهوا
لقائدهم الملقى أرضاً .. أيقظوه من رقاده ، بل أوشكوا لأنه رفع نفسه بنفسه و
بصياح هادر :
-ماذا تفعلون عندكم .. المعركة لم تنتهي بعد .
نفذ الجنود أوامره دون جدال ، أما هو فقد نفض رأسه ، فالقى نظرة على قاذفته ،
علق عليها :
-تباً لك .. يبدو أن الأسلحة التقليدية هي مردنا في النهاية .
ألقى بها فأخذ بندقيته الأولى .. ليعود إلى المعركة .
و تستمر الحرب .

***

لم يتصور الجنرال المرعب (تيمور) أن الجيش الذي بناه طيلة ال10 سنوات ، سينهار
بتلك السهولة على يد رجال لم يتجندوا سوى منذ لحظات .
هذا لأنه لم يدرك الفرق الحقيقي بين جيش تحركه الطاعة العمياء و جيش تحركه
طاقة العزيمة اللا نهائية .. إنه جيش الأرض .
و عندما رضخ لهذا الواقع و أدرك أن سنة الكون في الجبابرة قد حلت عليه ، أراد
على الأقل أن يصنع النهاية التي تروق له .
و ككل الأوغاد فإنهم يظهرون الجبن وقت الشدائد .. و ل(تيمور) نصيب منه .. فقد
انتزع الدكتورة (ناديا) عنوة و أمر جندييه أن يفعلا المثل بالشيخ (فاضل) ،
فدفعها وسط مخبأه الأخير ، و ألصق فوهة سلاحه بصدغها ، صارخاً بهستيريا :
- و الآن أرني أيها الفاشل كيف ستوقفني !
لم يبلغ نهاية عبارته حتى داهمه صوت تطاير جندييه ، بعد أن نجح (آدم) في اقتحام
المكان و إطلاق سراح الشيخ .. و في نفس اللحظة التي اصطدمت فيه عينا (آدم)
بعيني خصمه ، ارتفع سلاحهما بوجه الآخر على مسافة قصيرة .
- كنت أتطلع للقائك أيها العنصر المؤهل .. سمعت أنك استعدت إنسانيتك منذ فترة
قصيرة .. و قد حان الوقت لتثبت جدارتك .
قالها (تيمور) على سبيل الاستفزاز لأنه احتمى وراء جسد (ناديا) البائسة .
كان وضعاً صعباً بالفعل ل(آدم) كي يختبره لأول مرة .. وضع الاختيار بين ضغطة
زناد محكمة أو ترك مجازفة ثمينة .
- آدم .. آدم .. لا تجازف يا بني .. الق سلاحك .
هذا ما نصحه به الشيخ (فاضل) من وجهة نظره .. فكاد أن يلقي سلاحه ، لكنه تراجع
مع نظرة من (ناديا) شجعته على عدم الاستسلام .
دقائق عصيبة بين التضحية و المجازفة !.. و المستفيد الوحيد هنا هو (تيمور) دون
سواه ، فقد قرأ الخوف في عينيه و لاحظ الارتجافة في يده .. و كجندي محنك فهذا
يعني أنه قد فشل أمامه في كلا الحالتين .. فتحركت ذراعه بزاوية 90 درجة من
الصدغ إلى وجه (آدم) .. هذا لو لم ينغرز في فخذه نصل مشرط جراحة غرزته (ناديا)
.. فصرخ المتوحش من ألمه و دفع بالرهينة أمامه .. و عندها .. انطلقت الرصاصتان
من كلا الجانبين !
حمل (تيمور) نفسه بجرح غائر في كتفه و فخذه تاركاً المكان .. و في الأرض ارتمت
(ناديا) مضرجة بدمائها و قد استقرت الرصاصة في صدرها .
هرع إليها الاثنان قبل أن تصعد روحها ، فمسحت (ناديا) بيدها خد (آدم) .. و بصوت
تتلاطم فيه الآلام مع الأفراح :
- لا تبكِ يا عزيزي .. لم يكن هذا خطأك .. يكفيني فخراً أنني رأيت ابني أخيراً
وقد صار بطلاً عظيماً .
و بينما يواسي (آدم) مصابه على فقد أمه .. غاب الشيخ في أفكاره ، فنقل بصره بين
جسد (ناديا) المحتضر و بين المشهد السابق .
يا إلهي !.. لقد سبق له و أن رأى هذه المشاهد في منامه الأخير .
حبس الشيخ أحزانه لتلك اللحظة و استدار ليواجه (آدم) و بلهجة حازمة :
- (آدم) .. لا وقت للنحيب .. الحرب بحاجة إلى التضحية و قد ضحت أمك من أجلك ..
لا نريد أن يأتي (سام) و يراها ، فنحن الآن في أمس الحاجة لكبت غضبه كي ينجح في
القضاء على (تيمور) دون منغصات .. هل تفهم علي يا بني ؟
جفت دموع (آدم) مباشرة مع اقتناعه بكلام الشيخ .. أراد أن يبدي رأيه لكن الشيخ
:
- احمل جسدها معك و اذهب إلى نهر (الشريان) و ادفنها على الضفة هناك كما علمتك
.. و لا تنسَ أن تحضر معك امرأة تريدها زوجة لك و خذ معك الكلب (سميد) .. و
انتظراني هنالك مالم يحدث الانفجار الكبير .
بدت كأحجية مبهمة .. لكن (آدم) أدرك أن هذا كل ما هو بحاجة إلى معرفته ، فحمل
جسد أمه و أعطى ظهره للشيخ فاستوقفه للمرة الأخيرة :
- إليك خريطة الكنز الذي خبئته طوال سنين .. فأنت وحدك من يجب أن يحصل عليه ..
وفقك الله .
التقط الخريطة و لم يضف حرفاً واحداً .. فركض بأسرع ما يمكن و هبط من أعلى
البرج ليحط في الأرض بسلاسة مثيرة .. ثم ابتعد عن المكان .
دخل (سام) لحظتها و هو ذروة حماسه فأقبل على الشيخ :
- إذاً فقد تم إنقاذك .. أين (ناديا) بأية حال ؟
ابتلع الشيخ ريقه مبتلعاً معه الحقيقة المرة .. و اضطر للجوء للكذب :
- إنها محتجزة مع (تيمور) .. إلحق به قبل أن يصبها بأذى .
هم (سام) بالمغادرة في الحال ، فاستوقفه الشيخ شاداً على عاتقه ، ثم نظر إلى
عينه بتشتت :
- أرجوك .. حاول ألا تخطئ الهدف .. وفقك الله .
غادر فوراً فترك الشيخ و قد سقط على ركبتيه و هو لا يزال غير متخيل ما قد فعله
.. فرفع رأسه و يديه في تضرع :
- يا رب .. أرجو ألا يتحقق ما رأيته و أخشاه .

***

منطقة (الخلية) .. برج (ن.خ.ع) الطابق ال3 تحت الأرض .
عبر (سام) الممرات الحلزونية متبعاً خيط الدم الذي خلفه (تيمور) الجريح .
اقترب من الهدف أكثر فأكثر ، لتنتهي المطاردة داخل ساحة واسعة تلفحها حرارة
عالية .
وقف (تيمور) بمواجهته دون خوف أو وجل و قد ألصق ظهره بذلك الجدار المعدني :
- هنا يمكننا أن نسميها المعركة الفاصلة .. لكن احذر من استخدام سلاحك .. فنحن
الآن داخل المفاعل الهيدروجيني .. و الآن أرني ما عندك .

***

أنهى (آدم) عملية الدفن ، ثم التقط يد زوجته (133) ذات الشعر الأسود الطويل و
العينين الواسعتين ، فصعد معها و لحق بهما كلبهما فوق التلة المحاذية لنهر
(الشريان) و المطل على مشهد بعيد لمنطقة (الخلية) .. تأملا المنظر بصمت مطلق
شاركتهم فيه الطبيعة .
فجأة .. 
تزلزلت الأرض بعنف و عصفت ريح نارية عاتية ، تصاعدت من مركز البرج ، لتعم ما
حولها كموجة نارية دائرية ، التهمت المنطقة برمتها بشراهة في وقت واحد قصير
جداُ ، مسحت معالم الأرض الحي منها و الميت ، لتعيدها إلى سابق عهدها مسطحة و
جرداء .
و بقي في السماء لبعض الوقت منظر يشبه الفطر العملاق ، كان صاحب الصوت الوحيد
المسيطر في الأجواء ..
و الأخير .

***

العام 2209 .. الساعة 7:00 صباحاً ..
و لأن الإنسان من الأرض و إلى الأرض .. و كما يتعافى الإنسان بعد مرض فإن الأرض
كذلك تفعل .
ففي بقعة ما على وجه الأرض ، تعافت من كافة الكوارث التي حلت بها ، و حل فيها
فصل الربيع ، و سبح النهر أمامه بنشاطه اللا منقطع .. هناك حيث انهمك (آدم) في
غرس فسيلة نخل وسط مشهد من الخضرة الطبيعية ، ظهرت معها فصائل من الكائنات
الحية لتؤنس المكان ، و جعلت الكوفية الفلسطينة من مظهره قلباً و قالباً
منتمياً إلى المكان
لقد كان هذا هو الكنز الذي احتفظ به الشيخ (فاضل) .. صندوق يحوي بقايا نباتية
من شتى أصقاع العالم بإلاضافة إلى آثار بشرية تاريخية .
أعاد (آدم) بها الحياة للأرض .. فبما يملكه من علم مخزون في رأسه و ما تحويه
شريحة إلكترونية ، سيعيد بناء الأرض من رجل و امرأة فقط على أصول جديدة لم
يسبقه إليها أحد .
ركض نحوه صبي و فتاة صغيران .. هما ولداه .. كان هذا يعني أن زوجته قد أعدت له
الطعام .. هذا ما ظنه .. قبل أن يرفع إليه الصبي بغطاء مشروب دفعه الفضول
لمعرفة كنهه .
التقط (آدم) الغطاء منه ، و ظل يتأمل فيه ببشاشة لبرهة من الزمن ، فأجلس ولديه
لأجل ذلك ، و بدأ يسرد لهما حكاية قديمة .. ملحمة حدثت في الماضي .. ملحمة
تحرير الأرض .. حكاية حدثت في العام 2200

Please reload

© 2010 by sanadworld.com 

  • Twitter Clean
  • Grey Instagram Icon