فضول علمي - بقلم وائل رداد - الامارات العربية المتحدة

سنوات طوال عكف السيد (ميخائيل) – حسب زعمه- على فعل كل شيء بنفسه ودون عون من
أحد, فقد كان المشرف والطباخ وخادم الغرف وحتى الحمال في فندقه, كل هذا لوحده!
متانة بنيانه أتاحت له أداء جميع الأعمال الشاقة, كان هذا قبل مقدمي طبعا وتولي
زمام الأمور عنه, حيث استعاد مكانته كمدير, تاركا لي سائر الأعمال المضنية..
إذن صار لي عمل أخيرا – عدة أعمال بالأحرى- ومحل إقامة لا بأس به, فغرفتي جيدة
وإن كانت مغبرة ذات هواء رطب..
بدأت جدول العمل الحافل بالتنظيفات, بشكل مرتجل وغير بارع قمت بتنظيف جميع
الغرف عدا الغرفة رقم (13), والتي أوصدها صاحب الفندق بالمفتاح..
في الحقيقة لم يساورني شك أو فضول بخصوصها, كنت منصرفا للعمل الشاق غير آبه
للأسرار المحيطة بتلك الغرفة, ولم يكن ثمة وجود لنزيل واحد في الفندق, إذ بدا
وكأنني أخدم في عزبة صاحبها رجل وحيد يعشق سماع الموسيقى المنبعثة من مذياعه
القديم, بالقرب من مدفأة كهربائية ليلا, ولا يشغل باله كيفية الكسب السريع..
فيما بعد أدركت سر الغرفة, فقد استراح (ميخائيل) إليّ كثيرا, وهو ألا سر هنالك
مطلقا! كان الرجل ممن يتشاءمون من الرقم (13) فحسب, ولم يكن مستعدا للمجازفة
بمنح نزيل غرفة برقم مشئوم كذلك الرقم!
ثم بدأ النزلاء بالتوافد أخيرا..
أول النزلاء كهل يستعين بعكاز من خشب الصندل على عرجه اللافت للنظر, وكانت قبضة
العكاز على هيئة نسر فضي مدبب المنقار.. باختصار بدا فاحش الثراء..
وضع حقيبته الصغيرة أرضا, وبصوت لاهث تمتم محاولا خلع معطفه:
- برد قارص.. يا له من برد!
أسرعت أعينه على المعطف, في حين قال السيد (ميخائيل) بوجه بشوش ملوحا بيديه في
ترحاب:
- أهلا وسهلا بك في فندقنا المتواضع!
- غرفة وحمام دافئ! ثم عشاء ساخن إن وجد!
وبقلم شفرة ذهبي سائل وقع باسم (عرفان بدر)..
وما أكد ثرائه وبشدة \"البقشيش\" السخي الذي منحه لي نظير حملي حقيبته الأنيقة
والمصنوعة من جلد التماسيح, وقد اصطحبته للغرفة رقم (8)..
وبعد مرور يوم على مقدم السيد (عرفان), جاءت سيدة تدعى (ردينة) مع قطتها
الفارسية..
امرأة ثرثارة كانت, الظاهر أنها من بقايا الأتراك, حتى أنها طوقت عنقها بفرو
حيوان ميت ما, وارتدت فستانا حريريا يكشف عن ساقين هزيلتين غطتهما بجوارب سوداء
شفافة, وارتدت قبعة عريضة تماثل الشمسية..
بتعبير اشمئزاز رمقت المكان وهي تخلع القفازات عن كفيها قبل أن تهمس:
- أمان يا ربي على هكذا مكان!
سارع (ميخائيل) إلى لصق قبلة على ظاهر كفها, قائلا بمداهنة وتملق تدلان على
حنكته في التعامل مع مثيلاتها من العجائز المستبشعات:
- أهلا بالكونتيسة!
- بارونة لو سمحت!
- هذا شرف لفندقنا..
تناولت سيجارة حشرتها في مبسم, فسارع إلى إشعالها بقداحته راسما على شفتيه أوسع
ابتسامة, وبابتهاج تمتم:
- الفندق كله تحت أمر البارونة..
وبحماسة منقطعة النظير طلب مني أخذها للغرفة رقم (30)!
وبعد ليلتين من مقدمها حضر آخر الزبائن..
رجل صامت, كل شيء به صامت, عيناه, فمه, أصابع يديه الناحلة..
كان هزيلا كث اللحية, شعر رأسه حليق على طريقة المجندين في الجيش, ثيابه
مهلهلة, وحقيبته رياضية يحملها على الكتف..
استاء (ميخائيل) للطين الذي جلبه الرجل بحذاءيه الثقيلين, وببرودة طلب منه أن
يوقع الدفتر..
- \"أريد الغرفة (13)!\"
تبسم (ميخائيل) قائلا بازدراء:
- آسف..
- سأدفع كل ما تريده..
- آسف..
كنت يقظا للحديث الدائر, وأنصت مراقبا النزيل الجديد باهتمام..
- \"أنا بحاجة للسكنى في الغرفة رقم..\"
- \"وأنا فهمتك, لست غبيا, هاك مفتاح الغرفة (14), خذه أو اتركه!\"
والغريب أن الرجل تناول المفتاح دون نقاش زائد..
- \"وقع لو تكرمت..\"
- \"لا أعرف..\"
- \"إذن ابصم بجوار اسمك, ما اسمك؟\"
- \"(مسعود)..\"
- \"(مسعود) ماذا؟\"
- \"(مسعود) فقط!\"
دوّن (ميخائيل) الاسم في لامبالاة أقلقتني, ثم ناوله البصامة, فلوث إبهامه
بحبرها وبصم بجوار اسمه..
ثم صعد السلالم بوجه خاو, رافضا عوني على حمل حقيبته عوضا عنه..
كان توزيع (ميخائيل) للنزلاء مقصودا, فالغرف الأفضل للزبائن الأفضل, والأقل
شأنا للنزلاء من عينة ذاك ال(مسعود)!
كان الخلط ماكرا بين الغرف, ومع مرور الوقت تعلمت وبسرعة أي الغرف متواضعة أكثر
من الأخرى, وأيها أفضل وأنظف وأقل بقا وسمكا في الغبار!
شعرت آنذاك براحة لوجود زبائن أخيرا في هذه البقعة الموحشة, على عكس (ميخائيل)
الذي أبدى امتعاضا لقاء طلبات الزبائن الكثيرة وإلحاحاتهم المضيقة للخلق..
وفي المساء كان (ميخائيل) يسهر برفقة البارونة البلهاء بجوار المدفأة, فلم تكن
تمانع مشاطرة شخص ذكرياتها المضجرة حول الثروة التي أضاعها زوجها المرحوم على
موائد القمار..
تقول مرتشفة قليلا من الشاي الذي أجيد إعداده:
- كان المرحوم زير نساء من الدرجة الأولى, وسيما أشقر كحقراء السينما,
على قدر من الخنوثة في الملامح, وقد كان يروق لي..
وتخرج سيجارة من علبتها الفضية المزخرفة, فيسارع (ميخائيل) إلى إشعالها متحمسا
رغم كراهيته للدخان والمدخنين..
فجأة تظهر قطتها الفارسية الممتلئة, فيتبدى حبور على وجهها, وتلتقطها من على
الأرض, ثم تمرر أصابع يدها المجعدة على فروتها قائلة بهيام:
- تريدين أن تتدفئي يا حلوة؟ ماما ستدفئك!
ثم – صدق أو لا تصدق- تبدأ المرأة بلعق فم القطة بحب زائد عن الحد, فينجح
(ميخائيل) بصعوبة في إخفاء قرفه واشمئزازه!
لكن أمرا شدني وبعمق, فقد خيل إلي بأن لعاب المرأة كان أخضر اللون! شعرت بذهول
واشمئزاز بآن واحد, وبعناء تمكنت من إقناع نفسي أنها المخيلة فحسب!
أحيانا يظهر منافسه على الساحة, السيد (عرفان) بهيبته ووقاره وعكازه الأنيق,
فيلوح دلال في ملامحها كثيرا ما أثار غيرة (ميخائيل), وتمد يدها مرحبة به,
فيقلبها لطبع قبلة مهذبة عليها, قبل اتخاذه مجلسا بقرب المدفأة.. صحيح أنه يقبل
بصورة ولا أغرب, وبأن لسانه رفيع طويل ومسود كلسان الحنش.. لكن لا.. لابد وأنها
المخيلة مرة أخرى!
وفي الصباح ألم مرض بالبارونة (ردينة)..
عجّل (ميخائيل) بإرسالي لاستدعاء الطبيب, لكن الأخبار التي حملتها له لم تكن
سارة بطبيعة الحال.. 
- \"السيارة معطلة لا تدور..\"
- \"مصيبة! ما العمل الآن؟\"
تفكرت هنيهة وظفري يحك ذقني قبل أن أقول:
- أفحصها أنا!
- أنت؟!
- لدي بعض الخبرة بالطب السريري..
- أحقا؟ أرجوك لا تمازحني..
كذبت مؤكدا كلامي, الواقع أن مشهد لعابها الأخضر لم يرحل عن ذهني قط, أردت
التأكد بنفسي حتى ولو تظاهرت بأنني طبيب!
- \"لا مناص إذن, ولكن أرجوك..\"
ولم يفسر أكثر, إلا أن المعنى بدا واضحا وأبلها في آن واحد, كأن الرجل يتضرع لي
أن أشفيها وألا أقتلها!
وفي حجرة البارونة العجوز كانت هنالك حفلة مدوية, فما إن علمت أن فتى الفندق
سيكون طبيبها حتى انفجرت:
- \"أمان يا ربي أمان! الخادم صار طبيبي على آخر الزمن؟! الله يرحم أيام
موناكو! الله يرحمك (عصمت) بيك!\"
وبعد مناوشات ومناقشات وافقت المرأة وهي لا تكف عن التمخط في منديل معطر,
واسترجاع ذكرياتها في موناكو, وباريس والشاطئ اللازوردي!
تناولت صحيفة طويتها وألصقت طرفها على موضع قلبها, وطفقت أنصت بصمت ممسكا رسغها
الأيسر, فلم أسمع أي شيء في الواقع!
إما أنه جهلي أو أنها لا تمتلك قلبا من الأساس!
فحصت حلقها وطلبت منها أن تسعل, وأثناء الفحص المرتجل لاحظت على جلدها آثار
حكاك شرس, فتظاهرت بتبين الأمر أخيرا..
تراجعت قليلا للوراء قائلا بثقة:
- يجب أن تكفي عن مداعبة قطتك يا سيدتي!
- ماذا تعني يا ولد؟
- أعني أن قطتك تسببت لك بالمرض, ويا حبذا لو تكفي عن جعلها تشاطرك
الفراش! كفي كذلك عن لعق فمها الممتلئ جراثيم لا يعلم بسرها إلا الله!
- أخرج يا ولد!!
وضع (ميخائيل) يده على كتفي مبينا تفهمه, وغمز بأنه سيقوم بإفهامها على
طريقته.. في ذات اللحظة التي طرق بها الباب, ودلف السيد (عرفان) بأناقته
المعهودة مبديا أقسى درجات الأسى, صائحا بعقيرة تتقاطر أسفا وتحسرا:
- سلامتك ألف سلامة! والله قد أحزنتني وقلبت يومي بأسره سوادا!
على طاولة المطبخ كنت آكل عشائي ببطء شارد مستعيدا تفاصيل الفحص, لم أجد لعابا
أخضرا, فخمنت أن القطة كانت السبب.. وعندما تحدث السيد (عرفان) راقبت لسانه,
فوجدته ورديا كسائر ألسنة البشر.. أكانت حقا المخيلة اللعينة؟
أسئلة كثيرة أقضت مضجعي في تلك الليلة, فظللت على سهادي وأفكاري المؤرقة حتى
ساعة متأخرة من الليل.. وعندما أيقنت من صعوبة النوم خرجت للتجوال ما بين
الغرف..
وهنا استوقفني الرقم (13) البرونزي..
كنت قد توقفت لفترة عن التفكير بأمر الغرفة رقم (13), ثم تذكرت إصرار النزيل
(مسعود) على النزول فيها ورفض (ميخائيل)..
وجدتني أتأمل مقبض الباب بشغف, تلفت حولي وقد شعرت بشفتيّ ترتعدان.. ثم وقبل أن
أتراجع دوّرت المقبض ودلفت مسرعا..
وعندما أقفلت الباب وجدتني غارقا في عتمة مخيفة دامسة.. وأية عتمة؟ رباه! كأنه
ظلام من منظور شخص كفيف, وطقس الغرفة كان باردا كالثلاجة..
فجأة, بوغت بمقلتين تنفتحان وسط الظلام المخيف, كيف أبصرتهما؟ لأن نورا فضيا
انبثق منهما بحدة دفعتني إلى حجب بصري بساعدي وأنا أصرخ..
ثم شعرت بالضوء الرهيب يخفت, عندئذ أنزلت ساعدي ببطء وحذر, فأبصرتهم! أربعتهم!
(ميخائيل), والبارونة حاملة قطتها الفارسية, و(عرفان) بعكازه,, وأخيرا (مسعود)
الذي راقبني بعينيه المشعتين متمتما بصوت ذكرني بمن يتحدث وبفمه ماء كأنما
يتغرغر:
- عينة مناسبة! بل ممتازة!
شعرت برعب يفوق الوصف لما أرجحوا برؤوسهم, وصرخت متأملا الغرفة من حولي دون
تبين شيء من شدة التشويش والفزع:
- ماذا يحدث؟! (ميخائيل)! قل شيئا!!
- أنا مجرد مضيف لهؤلاء يا فتى, ولا يسعني التدخل بشيء..
- ماذا تعني؟!
- إن فندقي هذا لم يعد صالحا لسكنى نزلاء بشر, فقد صار من حق.. لنقل
نزلاء من عوالم أخرى, يحق لهم الراحة بعد سفر شاق.. وقبل بدء العمل!
- سفر شاق؟ بدء العمل؟ بم تهرف يا (ميخائيل) بحق الله؟!
- هؤلاء ليسوا مجرد كائنات بحاجة إلى مأوى, إنهم علماء أيضا, خمن أكثر ما
نال اهتمامهم بشأننا..
- أجسادنا؟!
- لا لحسن حظك! لقد درسوها حتى كلوا.. هذه المرة اهتمامهم الأوحد بشأن
السلوك البشري.. هؤلاء الثلاثة تخصصوا بالذات في دراسة الفضول البشري!
ولأن عينتهم الأولى قد سقطت بعد التنبيه والتحذير في شركهم, فقد حان الوقت الآن
لكي يبدءوا دراساتهم.. معك طبعا!
- أنقذني يا (ميخائيل)!
- آسف يا فتى, الاتفاق اتفاق, إن لم أنفذ أوامرهم قتلوني, ثم لا تقل أنني
لم أحذرك من مغبة دخول الغرفة.. فضولك الأحمق كان السبب!
أنصحك أن تكبحه قليلا في الأيام القادمة.. وتذكر أنهم يراقبونك!
ومن ثم تلاشوا كما لو كانوا أطيافا.. حتى (ميخائيل) تلاشى معهم!
صارت الإضاءة أقوى وأوضح أخيرا.. نظرت من حولي فوجدت نفسي في غرفة تحولت إلى..
إلى تحذيرات معلقة في كل حدب وصوب! على الخزانة, على باب الثلاجة, ثمة رسائل
مغلفة على الطاولة, وملحوظات فوق السرير وسلة المهملات وحتى النافذة..
\"لا تفتح الخزانة!\"
\"ستهلك إذا فتحت باب الثلاجة!\"
\"إذا نظرت داخل سلة المهملات تشوه وجهك..\"
\"إذا فتحت هذه الرسالة أصابك العمى!\"
الخ من كل ما بإمكانه مداعبة مخيلتي..
وإثارة فضولي الأحمق!

 

Please reload

© 2010 by sanadworld.com 

  • Twitter Clean
  • Grey Instagram Icon