المركز الثاني - آخر البشر - بقلم عمرو عز الدين - مصر

كان يفيق فى بطء.. الرؤية مشوشة أمامه.. التنفس صعب كأنه يتنفس لأول مرة في
حياته.. حركة أعضائه واهنة كمن يسري في عروقه مخدر قوي !!
من أتى به إلى هذا المكان ؟!.. 
كان يبدو أنه فاقد الوعى منذ أمد طويل.. طويل جداً..
الصمت يلفه و يلف ما حوله..
ما حوله !!.. ما الذى حوله ؟!!
فتح عينيه ببطء واهن.. تطلع إلى سماء المكان فى حيرة.. فقد كان يتطلع إلى سقف
حجرة عجيبة.. أضواؤها لامعة تبرق بشدة.. مصقولة الجدران.. لا توجد على جدرانها
أية معلقات..
نهض ببطء شديد و التنميل يلف أطرافه..
فقط ليجد نفسه راقداً على مائدة طويلة ناعمة الملمس و باردة إلى حد كبير..
أكمل النهوض لكن رأسه دار بشدة.. فاستند بكفيه إلى سطح المائدة الطويلة
الناعمة.. و أحنى رأسه لحظة قبل أن يدور ببصره فى أرجاء الحجرة..
حجرة عجيبة بدورها.. جدرانها مصقولة.. و أحدها عبارة عن واجهة زجاجية لشئ ما، و
أسفلها تراصت مكعبات بارزة صغيرة للغاية.. عددها قد يصل – نسبة إلى صغرها – إلى
ألف مكعب..
فى الناحية المقابلة باب معدنى يحتل نصف مساحة الجدار، إلى جواره لوحة زجاجية
أخرى صغيرة تتراص أسفلها مجموعة من المكعبات الصغيرة لا تتجاوز عشرة مكعبات.. 
دار بعينيه دورة بصرية أخرى كشفت له عن وجود منضدة معدنية فى الركن الأقصى..
فوقها جهاز كبير نسبياً، يعلوه وهج فسفورى يتألق و يخبو بإيقاع منتظم.. هنا
انتبه لأول مرة أنه هناك وهج مشابه له يصدر من المائدة التى يرقد عليها..
هنا قفز من فوق المائدة و هو يرتجف.. ما معنى هذا ؟!!
لحظتها تحول الوهج الفسفورى إلى وهج أبيض، سرعان ما تلاشى مقترناً بصوت أتى من
جهة الجدار ذو الواجهة الزجاجية يقول:
- حمداً لله على سلامتك..
كان صوت لا يمكنك تمييز النبرة الأنثوية من الذكورية فيه.. صوت حيادى إن جاز
التعبير.. فقال الرجل بصوت مرتجف:
- ما هذا المكان ؟! أين أنا ؟!!
أجابه الصوت الحيادى:
- هذه هى حجرة الحفظ البيولوجى البشرى رقم ( 2220 – أ )..
الحفظ البيولوجى البشرى.. نعم.. إنه يتذكر هذا الاسم.. إنه هناك فى منطقة ما من
ذاكرته.. لكنه لا يذكر عنه شيئاً آخر.. لذا تساءل مجددًا:
- إننى أذكر الاسم.. لكننى لا أتذكر ما يعنيه.. 
تساءل الصوت الحيادى:
- هل أنت مستعد لاختبارات السلامة ؟
انزعج الرجل و هو يتراجع خوفًا من عدو وهمي، متسائلاً فى قلق:
- اختبارات ؟.. هل ستجرى على اختبارات ؟!.. من أنت أساسًا ؟!!
أجاب الصوت:
- نعم.. اختبارات للكشف عن سلامة حواسك و كفاءة أعضائك و مدى فاعليتها فى تأدية
وظائفها الحيوية و مراجعة الصفة التشريحية للتأكد من سلامة الخلايا و الأنسجة
الداخلية..
اتسعت عينا الرجل و شعور بالهلع يغزوه هاتفًا:
- ماذا ستفعل بى ؟.. و لماذا كل تلك الاختبارات ؟!
أجاب الصوت:
- لابد من إجراء الاختبارات بعد فترة الحفظ الطويلة التى قضيتها..
خفت صوت الرجل و هو يسأل فى توتر:
- فترة حفظ ؟!.. ماذا تعنى بتلك الكلمة ؟!
أجاب الصوت مجدداً بنفس النبرة الحيادية:
- لقد تم حفظك بيولوجياً داخل حجرة الحفظ البيولوجى رقم ( 2220 – أ ).. مدة
الحفظ البيولوجى التى قضيتها ألف و خمسمائة عام..
اتسعت عينا الرجل حتى آخرهما و هو يصرخ:
- ماذا ؟.. ألف و خمسمائة عام ؟.. هل أنا هنا منذ ألف و خمسمائة عام ؟!.. أى
قول أخرق هذا.. أى حماقة تقولها ؟!!!!!
و أخذ يدور حول نفسه فى هياج أصابه و هو لا يزال يصرخ:
- ما الذى أتى بى إلى هنا ؟.. ماذا حدث لى ؟!!!
ثم اندفع نحو الباب المعدنى و أخذ يدق عليه بقبضتيه و هو مستمر بالصراخ:
- أخرجنى من هنا.. أخرجنى قبل أن أحطم هذا المكان.. أخرجونى..
هنا تناهى إلى مسامعه صوت خافت، أعقبه تدفق غاز ذو لون أزرق انتشر فى سرعة و
الصوت يعود ليقول:
- مع الأسف.. تم اللجوء إلى استخدام غاز التخدير حتى تتم السيطرة على حالة
الانهيار..
هنا زاد صراخ الرجل و هو يدق بقبضتيه أكثر و أكثر.. و حاول كتم أنفاسه.. إلا أن
عزيمته خارت فى النهاية و شعر أن الدنيا تدور من حوله.. و خانته قدماه فتهاوى
أرضاً..
و عاد من جديد غائباً عن الوعى..

***********

أخذ يفيق فى بطء مجدداً..
كان يرقد على ذات المنضدة.. و كانت الرؤية مشوشة أمامه مرة أخرى..
حاول النهوض لكنه عجز.. 
شعر بأن هناك ما يقيد حركته و يجعله عاجز عن الحركة..
فتح عينيه بعد أن أغلقهما قليلاً.. فشاهد السقف البراق من جديد..
و سرعان ما انبعث الصوت المحايد مرة أخرى يقول:
- حمداً لله على سلامتك..
قال الرجل بصوت واهن:
- ماذا حدث لى ؟!
مضت فترة من الصمت قبل أن يجيب الصوت:
- كنت على وشك الإصابة بانهيار عصبى مما استلزم علاجك منه.. 
صمت الرجل لحظة ليلملم أفكاره المهتزة كالرؤية التى أمامه، قبل أن يتساءل:
- ماذا ستفعل بى الآن ؟! و لماذا لا أقدر على الحركة ؟!!
أجابه الصوت:
- الآن سأكمل اختبارات السلامة.. أما الحركة فمحظورة حتى تتم اختبارات
السلامة..
حاول الرجل النهوض برأسه فقط.. فرأى جسده المسجى على المائدة دون أية قيود
تعوقه، فعاد يهتف بصوت متوتر:
- هل أنا مشلول ؟!
أجابه الصوت على الفور:
- كلا.. أنت مقيد بقيود الكترومغناطيسية غير مرئية.. لن تنحـل عنك إلا بعد
انتهاء اختبارات السلامة.. هل أنت مستعد ؟!
صمت الرجل و هو يشعر بقلق شديد و توتر عارم، قبل أن يجيب بصوت حمل قلقه و
توتره:
- نعم مستعد..
و على الفور بدأ الصوت يختبره:
- القسم الأول: الوعى و الإدراك.. ما اسمك بالكامل و ما هى مهنتك ؟!!
أصاب السؤال الرجل فى الصميم.. اسمه.. يجد صعوبة فى تذكره رغم أنه يدرك من
داخله من هو و ماذا يعمل.. لكنه يشعر بأنه لا يجد الطريق المؤدى لاسمه داخل
رأسه..
بعد ثوان من التفكير و التخبط و الحيرة، تذكر اسمه.. و عرف الطريق لمعرفة
مهنته، فأجاب بسرعة و كأنما يخشى أن ينسى مرة أخرى:
- اسمى هو (رمزى ماهر رضوان).. و مهنتى هى كبير مهندسى الروبوتات فى العالم
العربى..
قال الصوت:
- نسبة النجاح فى هذا الاختبار 87 %.. السؤال الثانى: هل تذكر لم أتيت هنا ؟!
كان هذا هو السؤال الذى يشغل بال (رمزى) حيث أجاب:
- لا أتذكر.. لا أتذكر شيئاً عن هذا المكان..
قال الصوت:
- نسبة النجاح 0 %..
و توالت الأسئلة التى تتيح لبرنامج الحاسب أن يدرك مدى سلامة المهندس (رمزى).. 
أما المهندس (رمزى) فكان ما يشغل ذهنه هو السؤال الثانى.. ماذا يفعل هنا ؟!.. و
من الذى حفظه لمدة ألف و خمسمائة عام ؟!!
و كيف مرت به هذه الفترة و هو لا يدرى و لا يشعر ؟!
إنه يتذكر جيداً عمله فى هندسة الروبوتات.. و تصنيع دوائرهم المغناطيسية و
معالجاتهم العقلية و كذلك تصنيع مكعبات السرعة التى تعمل بها عقول الروبوتات فى
حل العمليات الحسابية و المعادلات المعقدة..
يذكر أيضاً آخر ما عاشه قبل أن يجد نفسه هنا..
كان فى المصنع الخامس المتخصص فى صناعة المعالجات العقلية..
و تم استدعائه.. لكن من الذى استدعاه ؟! و لأى شئ كان استدعاؤه ؟!!
هذا الجزء مختفى تماماً من ذاكرته..
يذكر أيضاً أنه غير متزوج.. و وحيد أسرته التى تتكون منه فقط بعد رحيل الوالدين
إثر وباء اجتاح مدينته الساحلية على حين غرة..
يذكر أيضاً أنه بلا أصدقاء تماماً..
لا يعرف فى هذه الدنيا إلا الروبوت (م – 070) الذى يعمل معه و يساعده..
استغرقت منـه تلك الخـواطر فترة طويلة ليتذكرها.. فترة تمت خلالها اختبارات
السلامة، ليعلن نتيجتها الصوت المحايد:
- نتيجة الاختبارات الكلية 84 %.. سلامة الحواس 95 %.. الكفاءة الوظيفية
للأعضاء 92.5 %.. كفاءة الخلايا و الأنسجة الداخلية 89 %.. الوعى و الإدراك 87
% .. النتيجة : تأثر جزئى فى الوعى، و تأثر مؤقت فى الحواس تتم استعادته بعد
مدة النقاهة.. الكفاءة الوظيفية للأعضاء طبيعية، أما الأنسجة الداخلية فتستعيد
نشاطها كل لحظة عن التى سبقتها..
ساد الصمت فترة، حتى قطعه (رمزى) متسائلاً:
- هل سأظل حبيساً ؟!
قال الصوت:
- أنت حر الآن بالفعل..
هنا جرب (رمزى) تحريك ذراعيه و قدميه، فوجد أنه يحركهم بالفعل.. لقد انزاحت
القيود الالكترومغناطيسية دون أن يشعر بها..
و بدلاً من أن ينهض ظل راقداً و هو يسأل:
- هل أنا وحدى هنا ؟
أجاب الصوت:
- فى تلك الحجرة أنت وحدك.. لكن هناك ثلاثة آلاف حجرة حفظ فى القسم ( أ ) و ألف
حجرة فى القسم ( ب ).. و كلها كانت تحتوى على البشر المحفوظين بيولوجياً لحين
استيقاظهم..
هنا سأل (رمزى) سؤال مفاجئ:
- لم تم حفظنا هنا ؟!
ظل الصوت صامتاً للحظة، ثم أجاب:
- لقد تم حفظكم، حتى تصبحوا نواة الحضارة البشرية الجديدة، فى حال زوال الحضارة
التى كانت سائدة..
هنا نهض (رمزى) و هو يسأل:
- و لماذا كان هناك احتمال فناء الحضارة السائدة ؟!!
أجاب الصوت:
- بدء الحرب العالمية الأخيرة.. و احتمالات استخدام أسلحة تدمير تام..
سطعت تلك الكلمة فى ذهنه، و مع سطوعها برزت ذكريات جديدة من أعماق العقل الباطن
إلى أسطح العقل الواعى.. و تذكر فى وضوح..
الاتحاد الشرقى للعالم يهدد جيرانه فى القارتين الأمريكيتين بحرب ضروس إن لم
تستجب القارتين للتفتيش على الأسلحة التدميرية.. و الكتلة الأمريكية ترفض فى
عناد و كبرياء زائف..
اشتباك بحرى مسلح بين الأساطيل الشرقية و أساطيل الكتلة الأمريكية..
ثم استدعاءه.. 
لكن هذا الجزء ما زال فى الجزء المعتم من الذاكرة.. و يعلم الله متى يعود إلى
الجزء المدرك..
و لكن هذا الكلام يعنى أن الحرب قد قامت.. 
فعاد يسأل فى قلق:
- و هل فنيت الحضارة ؟!!
جاوبه الصوت المحايد بلا أية انفعالات:
- فنيت الحضارة التى كانت سائدة.. و ظللتم تحت الحفظ و المراقبة من قبل برامج
الحواسب الآلية الأبدية التى وظيفتها حمايتكم و الحفاظ عليكم..
عاد (رمزى) يسأل بنبرة حزينة و هو يشعر بألم عميق بداخله:
- و فى أى عام نحن ؟!
قال الصوت:
- نحن فى عام 3589 بعد الميلاد..
اتسعت عينا (رمزى) بشدة.. فهو لم يكن يتوقع ذلك الزمن البعيد جداً و الذى لم
يكن يتخيل بلوغ الأرض له من قبل..
لقد فنيت الحضارة إذن.. أفنتها الأسلحة الحديثة التي تواجدت بحجة حماية
الحضارة..
و هو و من معه فى حجرات الحفظ المختلفة عليهم عبء بنائها من جديد..
هذا مستحيل.. مستحيل..
كيف يمكنه أن يتأكد ؟!.. كيف يفعل ؟!
اعتصر ذهنه الهندسى، و ظل يفكر فى عمق، حتى اهتدى لفكرة نقلها إلى لسانه فوراً
ليقول:
- دعنى أرى من استيقظ قبلى من المحفوظين..
هنا أتاه الصوت يجيب:
- أنت أول من استيقظ.. و لن يستيقظ أحد بعدك.. 
هتف (رمزى) فى توتر:
- لماذا.. ما الذي يمنعهم أن يستيقظوا ؟!
أجاب الصوت بكل حياديته و بروده:
- بعد أن تم حفظكم فى حجرات الحفظ البيولوجى، اشتدت الحرب و أخذ الدمار يزحف
على الموجودات فيفنيها و يبيدها.. و طال الأذى برامج الإعاشة و الحفظ و
المراقبة، ففقدنا 3866 حالة فى السنوات الأولى.. ثم أصاب الخلل بقية البرامج
فأخذت فى الانهيار و فقد المحفوظين.. حتى لم يتبق سوى برنامج واحد سليم مع سبل
إعاشة و مراقبة سليمة و فائقة.. و هذا البرنامج هو برنامج حجرتك..
قفز (رمزى) من فوق المائدة مرة أخرى و هو يهتف فى ارتياع بينما يخفق قلبه بسرعة
لم يبلغها من قبل:
- مستحيل.. أنا فقط من بقى على قيد الحياة من البشر جميعهم ؟!!.. هذا مستحيل..
لا يمكن أبداً.. هل تسمعنى أيها البرنامج الأخرق.. مستحييييييييل !!!!
و ظل يهتف و يصرخ، حتى لجأ البرنامج إلى الحيلة الدفاعية مرة أخرى ليسقطه فاقد
الوعى..

***********

الاستيقاظ للمرة الثالثة.. لا بد أنه أمر مرهق..
نفس الدوار و الألم الطفيف فى الرأس.. لكن انفعالاته كانت قد هدأت كثيرًا..
و بعد أن تمكن من النهوض، دوى الصوت الحيادى يقول:
- ماذا تطلب الآن ؟!
هز المهندس (رمزى) رأسه فى أسى ثم قال:
- و ماذا يمكننى أن أطلب ؟.. ما الذى يمكننى أن أطلبه فى عالم لم يعد فيه سواى
؟!
قال الصوت المحايد:
- هل تطلب معرفة أية معلومات معينة ؟!
تساءل المهندس (رمزى) و قد نبت سؤال فى ذهنه:
- ترى ما هو شكل العالم بالخارج الآن ؟!
مرت فترة طويلة من الصمت، قبل أن يقول الصوت المحايد:
- يمكنك أن ترى بنفسك..
فى اللحظة التالية، تألقت الشاشة العملاقة على الجدار، ثم ظهرت على سطحها صورة
اتسعت لها عيناه..
صورة الأرض الحالية..
الأرض القاحلة ذات الأطلال الخربة.. 
الحضارة التى زالت.. و زالت بقاياها بعد ألف و خمسمائة عام..
البحار الثائرة التي لم تعد تجد سفناً تغرقها..
الأمطار تسقط فتذوب لها الصخور.. ماذا حدث لتلك الأمطار ؟!
الرياح عنيفة تنزع الصخر من مكانه، و تضرب به الجبال.. فتتفتت الأولي و تتحطم
الثانية..
الثلوج تذوب و تسيل نحو اليابس.. و تتكون غيرها فى أماكن أخرى..
و فى ألم شديد أغمض (رمزى) عينيه و هو يقول:
- كفى.. لم أعد أريد المشاهدة.. كفى..
انطفأت الشاشة على الفور بمصاحبة الصوت القائل:
- كما تريد..
رفع (رمزى) عينين دامعتين و هو يسأل:
- هل يمكننى الخروج من هنا ؟!
سادت فترة أخرى من الصمت، قبل أن يجيب الصوت:
- يمكنك ذلك.. لكن لا بد من ارتداء زى واقى من الأمطار الذرية و إشعاعات سيجما
المفتتة للخلايا..
سأل (رمزى) بقلق:
- و أين أجد ذلك الزى ؟!
تألقت الشاشة الصغيرة بجوار الباب، و الصوت يجيب:
- ستجده فى حجرة التجهيزات فى نهاية الممر..
كان الباب المعدنى ينزلق لأعلى ليكشف خلفه ممر طويل، و بلا تردد خرج المهندس
(رمزى) و هو يتطلع إلى جدران الممر المضاءة بمصدر إضاءة مجهول، و كأن إضاءتها
تنبع منها.. و أخذ يجد السير حتى بلغ حجرة التجهيزات التى انفتح بابها ببطء،
لتبدو خلفه حجرة صغيرة بها زى معلق داخل كابينة زجاجية فتمتم (رمزى):
- هذا إذن الزى الواقى..
ثم دلف إلى الحجرة التى كانت تحمل نفس الجدران البراقة، هنا دوى الصوت المحايد
إياه يقول:
- الزى معد لتحمل الظروف القاسية بالخارج.. لكن احذر من أن يتلف.. حتى لا تصاب
أو تموت..
ضحك (رمزى) متهكماً و هو يقول:
- و ما الفارق من الموت الآن و الموت بعد حين ؟!!
قال الصوت:
- أنت آخر البشر.. 
هتف (رمزى) بعصبية:
- و ما الشرف فيما تقول ؟!.. ما الذى يمكننى أن أفعله و أنا آخر البشر ؟!.. أن
أرى النهاية ؟! أن تتحول حياتي لجحيم قبل أن أموت ؟!.. هل سيسجل التاريخ أنني
آخر البشر.. حسنًا فليسجل.. لكن من سيعرف ؟!
لم يرد الصوت هذه المرة بل ساد صمت ثقيل.. بينما انزاح أحد جدران الكابينة
الزجاجية ليجعل الزى فى متناول يده..
هنا تناول ( رمزى ) الزى و ارتداه بأطراف مرتجفة و هو يشعر برهبة للقاء العالم
الخارجي بشكله الجديد.. و بخطوات أكثر ارتجافًا بدأ يخطو نحو الخارج..
لكنه توقف فجأة..
ارتسمت على وجهة علامات تفكير عميق.. 
تفكير طال و طال.. 
و بعد أن كان على استعداد للخروج، قام بنزع الزى و هو يقول فى ثبات هذه المرة:
- لن أخرج..
سأله الصوت المحايد:
- لماذا غيرت رأيك ؟!
ابتسم (رمزى) و هو يجيب:
- لدى أسبابى.. لكن السبب الحقيقى لعدم خروجى هو أننى عرفت الحقيقة.. 
لم يرد الصوت فأكمل المهندس (رمزى):
- لقد انتبهت الآن لعدة أمور جعلتنى أدرك حقيقة الوضع هنا..
ثم أكمل و كأنه يخاطب مجموعة خفية من البشر:
- و أعتقد أن التجربة كادت أن تنجح.. لولا خطأ ما لم يحسب له أحد حساب.. كما فى
كل مرة..
هنا انزاح باب معدنى آخر فى نهاية الممر، و عبره دلف رجل آخر يرتدى معطف أبيض
طويل قال على الفور بابتسامة عريضة:
- مستعد لدفع كل عمرى كى أعرف كيف انتبهت للخدعة ؟!
استرخت أعصاب (رمزى) حين رأى ذلك الرجل و هو يقول متنهدًا فى راحة:
- مرحباً بك فى البداية يا دكتور (موسى)..

**********

داخل حجرة أخرى لها جدران متألقة هى الأخرى، جلس (رمزى) على مقعد وثير يحتسى
شـراباً ما يتصاعد منه البخار في كـوب ورقى.. بينما حـوله جلس حشد من الرجـــال
و النسـاء بمعـاطف بيضـاء، و فى تـلك اللحظة تســاءل من عـرفنـاه باسـم
الدكـتـور (موسى):
- قل لنا إذن كيف اكتشفت الخدعة ؟!
قال (رمزى):
- دعنى أعترف أننى لم انتبه مطلقاً لها فى البداية و تصورت بالفعل أننى آخر
البشر و أنه علىّ مواجهة العالم الخالى من أى كائن غيرى.. و أن الأمر أثار ذعرى
و خوفى.. و لـو أننى أملك قلباً ضعيفاً لتـوقف هلعاً من ذلك المصير البشع..
توقف ليحتسى الشراب ثم أكمل:
- إلا أن الأمر منذ البداية كان محيراً.. الحاسب يقول أن ألف و خمسمائة عام قد
مرت على حفظى بيولوجياً.. أى أننى ظللت راقداً طوال تلك المدة فكيف أستيقظ و
أتحرك بهذا النشاط بتلك السرعة و كأننى نمت ثلاثة أو أربعة أيام ؟! 
و صمت يلتقط أنفاسه قبل أن يكمل مجددًا:
- ثم تلك الذكريات التى تمر فى ذهنى.. الحرب الوشيكة.. و الاستدعاء العجيب الذى
لم أكن أتذكر سببه و لا صاحبه.. و بالذات أن أمر الاستدعاء هذا يأتى لذاكرتى فى
كل مرة مختلط بأمر ما يختلف عن الآخر، كأن يأتى مقترناً ببدء الحرب العالمية
الأخيرة.. أو يأتى مع ذكريـات تـواجدى بالمصنع الخـامس لتصنيـع المعــالجـات
العقـلية.. و هو أمر عجيب.. 
و احتسى آخر جرعة من الشراب قبل أن يضيف:
- و نأتى لأمر آخر.. و هو العامل الأكبر لكشفى الأمر.. كيف ظلت تلك الآلات تعمل
طوال تلك الفترة الطويلة دون أن تتلف ؟! بل و بكفاءة تامة أيضاً.. و كيف ظلت
تنقل صورة العالم الخارجى الذى أصابه الدمار بينما ظلت هى سليمة لا دمار طالها
رغم الأمطار الذرية و إشعاعات سيجما المفتتة للخلايا..
ابتسم عند تلك النقطة و هو يردف:
- كل تلك الأمور كانت كافية لأدير ذهنى.. و أبدأ التفكير فى جهة أخرى و هى
احتمال زيف ما أنا فيه.. و ما إن بدأت التفكير فيه حتى أخذت تلك الذكريات التى
يفترض أنها محيت من ذاكرتى وفقًا للتجربة التي أمر بها، تعود إليها تدريجاً و
تتسرب عبر ثقب واه فى جدار عقلى الباطن إلى حوض عقلى الواعى لتملأه..
هز الدكتور (موسى) رأسه و هو يضحك ضحكة قصيرة قبل أن يقول:
- لسـت أتصور أن تفشل التجربة للمرة الرابـعة على التـوالـى.. لكن يبدو أن
اختيارنا للمهندس (رمزى) لم يكن خاطئًا..
قال (رمزى):
- لقد كان اختياركم لى سليم تمامًا.. فوحدتى و عدم اتصالى بأحد على ظهر الكوكب
كانا عاملين لا يشاركنى فيهما أحد.. 
قالت سيدة جالسة معهم:
- كذلك نسبة ذكائك العالية و التى أهلتك – بمعرفة الحاسب الآلي – لخوض تلك
التجربة.. 
هنا قال الدكتور (موسى):
- أعتقد أنك يجب أن تقضى فترة لا بأس بها تعود فيها لعملك الطبيعى حتى نستعد
لخوض التجربة من جديد للمرة الخامسة.. و التى أتمنى أن تكون الأخيرة
قال (رمزى): 
- و هل ستحتاجوننى فيها أيضاً ؟!
قال الدكتور (موسى):
- أنت أذكى بشرى فى ذلك القطاع من العالم.. كذلك أنت أوحد إنسان.. و هاتين
الصفتين لا ترشحان سواك للتجربة.. و أنت تعلم أن رصيدك فى المصرف يتزايد مع كل
تجربة.. و كما اتفقنا.. سنعيد لك ذاكرتك فى حالة نجاح التجربة بعد تأكدنا من
هذا الأمر.. أما عند فشل التجربة فأنت تستعيد ذاكرتك بنفسك و لا يعود هناك ما
يستوجب علينا إعادتها لك..
هز (رمزى) كتفيه و قال:
- و كالمعتاد لن يخبرنى أحد قبل التجربة بالذكريات التى ستزرع فى رأسى أو حتى
القصة التى سألاقيها حين إفاقتى حتى أتعايش مع الأحداث دون تدخل عقلى الباطن..
أليس كذلك ؟!
هز الدكتور (موسى) رأسه و أجاب مبتسمًا:
- أرى أنك لا زلت تحفظ بنود الاتفاق..
هنا قال (رمزى) ضاحكًا:
- أوافق من جديد..

***********

أخذ يفيق ببطء.. يشعر بوهن عجيب يسرى فى أطرافه.. و ضعف ينتاب كل خلية فى
جسده.. 
صوت ينبعث من جهة ما يقول:
- أفقت مؤخراً..
صوت محايد لا أثر لنبرة ذكورية أو أنثوية فيه.. فحاول أن يرد إلا أن الوهن كان
يمنعه من فتح فمه ذاته ليرد..
فانبعث الصوت من جديد يقول:
- أعرف أنك لن تستطيع الرد الآن و لا قبل ساعات من الآن.. لكننى أحب أن أقول لك
أن هذه أعراض طبيعية لشخص قضى مائة عام فى حالة تجمد صناعى.. لن يمكنك الحركة
الآن و لن تستعيد صفاء الذهن إلا بعد مرور يومين من الآن.. لكننى أعلم أنك
تستطيع أن تسمعنى.. فاسمع إذن.. لقد ظللت طيلة تلك الأعوام أرعاك و أحافظ
عليك.. أدخلتك فى عالم من الأحلام و الرؤى حتى تظن و أنت فى غيبوبتك الصناعية
أنك لا زلت تحيا حياة طبيعية.. إلا أن الحقيقة أصعب من ذلك بكثير.. الحقيقة أنك
نجوت من كارثة عالمية مروعة.. و لم ينج غيرك.. نعم.. لم ينج غيرك فقط.. معظم من
تجمدوا معك منذ أن استدعاكم الرئيس ليطلب منكم التضحية فى سبيل الأرض، قد
ماتوا.. و من تبقى حياً أصبح جسده فى عداد الأموات.. أما أنت فالاستثناء
الوحيد.. أنت من ظللت حياً و بجسد سليـم حتى تـلك اللحظة.. 
صمت الصوت، قبل أن يقول مجدداً:
- ستفكر فى أنك تحيا فى تجربة ما.. أعلم ذلك.. فالبرنامج الذى غذيت به عقلك
طوال فترة التجميد قد أعد لك قصة تحيا فيها بعقلك فقط.. قصة توحى لك بأن الأمور
على ما يرام، و أن العالم ما زال هناك بخير و سلام.. ستقول أن ما عشته كان
حقيقى.. لك كل الحق.. لكن الحقيقة ما أقول..
هنا تذكر الراقد.. 
تذكر أنه كان يعمل فى سلام و أمان.. حتى جاءه استدعاء من الرئيس..
تذكر أنه لم يكن الوحيد..
كان هناك ثلاثون شخصاً غيره.. من الذكور و الإناث..
تذكر المهمة الجليلة التى أوكلها لهم الرئيس.. 
حماية الجنس البشرى من الانقراض.. من الزوال.. و حماية الحضارة البشرية من
الفناء بسبب الكارثة المقبلون عليها و التي لا نجاة منها على الإطلاق..
تذكر قبوله المهمة..
تذكر و تذكر.. 
لكن وجـوده هنا الآن يعنى أن الحضـارة قد فنيت.. و أن البشر قد انقرضوا.. بل و
الأدهى أنه البشرى الوحيد الذى تبقى..
حاول أن يصرخ.. 
إلا أن الوهن منعه.. 
و طافت فى ذهنه أطياف عديدة..
تجربة ما لمحو الذاكرة و زرع الذاكرة البديلة.. 
فشل التجربة أكثر من مرة.. و عودته لحياته الطبيعية حتى تتم التعديلات فى
التجربة لضمان نجاحها..
كل تلك الأطياف مرت فى ذهنه.. كأنها حلم طويل أفاق منه الآن..
أفاق لكى يعرف أنه كان يحلم.. 
أفاق لكى يعرف أنه آخر البشر..
عاد الصوت يدوى قائلاً:
- هل أنت مستعد لاختبارات السلامة ؟!
تزايدت نبضات قلبه و تصبب عرق غزير على جبينه، فقال الصوت:
- أنت تتعرض لخطر الانهيار الجسدى.. لا بد من تخديرك الآن لعلاجك بسرعة..
و حين بدأ وعيه ينسحب منه كان يشعر – ربما للمرة الأخيرة – أن هناك أمر ما خطأ
فى كل ما حوله.. ربما لو فتح عينيه مرة أخرى – ربما – عرفه !!

 

Please reload

© 2010 by sanadworld.com 

  • Twitter Clean
  • Grey Instagram Icon