المركز الأول - فأر في المصيدة - بقلم محمد الدواخلي - مصر

يبتسم وينظر لي نظرة شاردة ويقول \"لأن الفئران أغبى من أن نستطيع خداعها\"
كانت تلك الصورة لأستاذي وهو يرد على استفساري المشمئز عن ضرورة تجربة الأدوية
-التي نطمئن لأنها آمنة- على الفئران أولا قبل البشر تراودني دوما حين أتعامل
معها, حين أنظر لتلك المخلوقات البيضاء التي ألفتها عقودا شاب شعري فيها ليصبح
أكثر منها بياضا لا أصدق وصفها بالغبية أبدا. هذه المخلوقات العجيبة التي لا
أرى في أفعالها إلا ما يماثل البشر لهي أبعد ما تكون عن الغباء.
ربما هو المنطق؟ رغم ذكائها لكنها لا تتبع المنطق بل الغريزة, أنت لا تستطيع أن
تخدع شخصا ضيق الأفق لا يفكر بالمنطق ولا شخصا شديد الذكاء قوي الحجة. فقط هم
ضعاف المنطق الساعين وراء الأطماع هم من نستطيع التأثير عليهم وإيهامهم بحقائق
كاذبة!
وهذا الضعف البشري كان همي الأكبر في رحلتي مع الفئران, كنت دوما أتسائل لماذا
يستسلم البشر للواقع السيئ المحيط بهم مخدوعين بأوهام اليأس وأنه لا فائدة
بينما تحتفظ الفئران بروحها القوية دوما حتى يثقلها العمر والوزن؟
حين تنظر لفأر تجارب ولد في الحبس لآباء ولدوا في الحبس لأجداد أجداد أجداده
أجيال متتالية منذ عهد ...... هممم عهد لو قورن بأعمار البشر لرجع بنا إلى آلاف
السنين, عشرات الأجيال لم تعرف فئران التجارب إلا الأقفاص ذات الجدران
البلاستيكية الصلبة والسقف المصنوع من شبكة معدنية والأرضية المبطنة بنشارة
الخشب. هذه هي الحياة الوحيدة التي تعرفها ورغم ذلك ما أن تخرج الفأر من قفصه
لتحقنه بإبرتك حتى يهرول ساعيا للفرار, ولأنه كلفك مبلغا لا بأس به ويعتمد عليه
بحثك الهام فأنت ترده بقبضتك الحديدية مكبلا جسده بيدك بلا رحمة ولو غفلت عن شل
حركة رقبته فسيبادرك بعضة مؤلمة يسرع بعدها هاربا. ليس إلى المكان الوحيد الذي
يعرفه في العالم بل لا ينشد إلا الحرية!
ذات مرة اشتريت أقفاصا أرخص ثمنا من بلاستيك أقل صلابة لكنه أكثر سمكا, وإذا
بالفئران تحفره بأسنانها لتهرب منه! للأسف فقانون العلم الذي لا يرحم جعل هذه
الفئران الهاربة في حكم الملوثة وليس لها بعد أن اصطادتها المصائد إلا الإعدام,
على أي حال فالفئران (كالبشر) ليست بالكائنات الرحيمة, شراستها تفزعني, وكلما
تذكرت الفأر القوي يلقي قطعة الطعام الأكبر من يده ليلتقط الصغرى فقط لأنها في
يد زميله أو حينما يموت زميلهم أثناء الليل فلا يطلع النهار إلا على جلد وعظم
فإن عطفي على الهارب المسكين يتلاشى لكن إعجابي بها لا يفتر.
كان السؤال الذي يراودني هو: هل إرادة الحرية تلك التي يمتلكها الفأر يمكن
تعبئتها في زجاجة ومنحها لليائسين من بني البشر؟ قديما كان سؤالا كهذا لا يذكر
إلا في حواديت السحرة والخيال لكن العلم نجح في التغلب على الكثير من الطباع
البشرية العميقة, وما الأدوية النفسية إلا نموذج على هذا حيث بقرص يتلاعب
بالأدرينالين يمكن أن نفقد الإنسان شهيته وآخر يعبث بالسيروتنين يمكن أن نزحزح
اكتئابه وإن كانت جميعا مازالت بدائية تصيب الهدف المرجو ومعه عشرات الأهداف
المؤذية.

الأفكار والأحاسيس كلها في النهاية تترجم لموصلات العصبية, عشرات المواد
الكيميائية والعضوية تتبادلها الخلايا العصبية فيما بينها, وبينما قد نعرف أثر
تلك المادة بوضوح على باقي الجسم فإنها في المخ قد تؤدي عدة وظائف مختلفة وربما
متباينة.
هل إرادة الحياة الحرة عند الفئران يمكن أن تكون إحساس بسيط ينتج عن إفراز موصل
عصبي معين؟ لهذا توجد دوما عند الفأر الشاب الرشيق وتختفي عند الآخر العجوز أو
البدين؟ 
كانت فكرة رغم صعوبتها براقة للغاية, ربما لم يكن احتمال تصديقها إلا واحدا في
الألف فالعمليات التي يجريها العقل مركبة ومعقدة وعادة ما يتدخل فيها أكثر من
موصل عصبي يعملون عبر طرق مختلفة.
لكن إمكانية تطبيقها على البشر مذهلة! تخيل يا عزيزي أن تمنح لليائس قرصا يمنحه
السعادة! أن تعيد المكتئب إلى الحياة بسهولة. تخيل رجل عقد العزم على الانتحار
فيأخذ قرصا يجعله يتذوق الحياة من جديد!
والبداية من الفئران, دوما من الفئران, فعالم الفئران بعد مئات السنين من البحث
العلمي أصبح شبه مكشوف. هناك اليوم شركات عالمية تنتج لك فئران حسب الطلب, فهذه
سلالة مريضة بالسكر وأخرى بالبدانة وثالثة بالفشل الكلوي إلخ! أمراض ونماذج من
الفئران معدلة جيناتها حسب الطلب. وإن كانت باهظة الثمن مما يترك لمزارع فئران
التجارب العادية المنتشرة فرصة دائمة مع أمثالنا من الباحثين.
وهكذا بعد حيرة وتردد طويل بدأت طريقي مع تلك الفكرة المجنونة! البحث عن إرادة
الحياة الحرة لدى الفئران! لكني كنت قد استفدت من سنوات ترددي بدراسة نظرية
متعمقة منهكة وتسجيل لملاحظاتي لسلوك مئات الفئران التي تذبح سنويا على مذابح
رسائل طلبتي. من الطريف أن أبسط وأول ملاحظة ألقاها إلى أحد طلبتي كانت تهدم
فكرتي بأكملها: الفأر يتخلى عن حريته بسهولة ويدخل بإرادته الحرة مصيدة الفئران
الضيقة منذ مئات السنين دون أن يتعلم!
لكن الرد بسيط! الفأر رغم ذكاءه يعمل بغرائزه. انظر له وراقبه وهو يصارع نهمه
للطعام حين يرى الطعم في المصيدة لكن إرادة الحياة الحرة عنده تجعله يدرس
المكان ويتلفت متربصا عشرات المرات قبل أن يطمئنها لكي يدلف إلى المصيدة. 

وهكذا بدأت أقارن بين الفئران النشطة وتلك العجوز الكسولة. وأفحصها وأقيس نشاط
مخها الكهربائي وأجمد عقلها دفعة واحدة بالنيتروجين السائل لكي أجمده في نفس
لحظة الهرب كي أستطيع تحليله, وأخيرا استطعت بعد سنين من المجهود حصر شبهاتي
رغم أدواتي القاصرة في خمس موصلات عصبية فحسب!
ربما يعمل أحدها منفردا وربما تعمل معا. لكن كوني متأكد أن السبب في هذه
الإرادة هو موصل عصبي يفرز في جزء معين من المخ يعني أن هناك على الجهة الأخرى
مستقبلات معينة تتأثر بها.
المستقبلات هي الهدف النهائي لأي دواء. كل وظائف الجسم تقريبا تعمل عن طريق
إشارات كيميائية تتلقاها مستقبلات معينة تنتشر في كل الخلايا إما على سطحها أو
في داخلها لتؤدي وظائفها.
فمثلا إذا أرسل الجسم وقت الخطر إشارة الأدرينالين فهنا تتلقاها المستقبلات
ألفا بأوامر صارمة تجعل العضلات تنقبض فتضيق من اتساع الأوعية الدموية بينما
نفس المادة تتلقاها المستقبلات بيتا لكي تبسط العضلات فتعمل على توسيع القصبة
الهوائية لتسهيل التنفس!
والمستقبلات هي الهدف الأسمى لصناع الدواء, لو استطعت أن تجعل دوائك حين يعمل
عليها يؤثر فقط على النوع المحدد في المكان المحدد فستحصل على أثر علاجي مثالي
ليس له أي آثار جانبية تذكر. ولكن للأسف ليس كل ما يتمناه العلم ندركه.
حتما كانت محاولة معرفة المستقبل الذي يؤدي لتوليد إرادة الحياة الحرة في
الفئران حلما جميلا, لكني كنت في أرض الواقع وليس الأحلام. هناك في بلاد تنفق
على العلم بسخاء لا حدود له عرفوا وصمموا أدوية لتعمل على مستقبلات اكتشفوها من
قبل أن يكتشفوا أصلا المادة الطبيعية التي تعمل عليها! لكنها دراسات مكلفة بما
وراء العقل وبحثي كما أدركت قد وصل لأقصى ما تستطيعه إمكانياتي بعدما أنفقت
عليه ثروة!
عزائي كان أن العلم يعمل بصفة تراكمية, ربما يأتي عالم من البرازيل يفحص ما
وصلت إليه ويصححه لآخر من الصين يضيف له ما ينتفع به الهندي الذي يسهل للفرنسي
كشف الحقيقة!
أرسلت بحثي وثمرة مجهودي لعشرات الدوريات العلمية المعروفة, وبعد شهور لم
يقبلني منها إلا واحدة نشرته مختصرا في صورة خطاب إلى المحرر, أدنى صور النشر.
لكن الأمر كان بالنسبة لي انتصار كبيرا احتفلت به مع زملائي طيلة اليوم.
أكنت اعتبر هذا انتصارا! لقد أتاني بعدها ما أذهلني!
خطاب من مؤسسة علمية جديدة في أمريكا اهتمت ببحثي وتريدني أن أرأس فريقا علميا
من المتخصصين لتوجيه البحث للوصول إلى مستقبلات إرادة الحياة الحرة! وهل تعرف
ماذا كان الأمر الأروع؟ الميزانية مفتوحة لما وراء العشرة أصفار!
بالطبع كما ترى كانت فرصة لا تعوض, سافرت فورا تاركا كل ما ورائي لا ترافقني
إلا عشرات المشاهد التي أتذكرها لفئراني الهاربة والندوب التي أحدثتها أنيابها
الحديدية في أصابعي. أخيرا سأكشف سرها وبنفسي.
حين وصلت لهناك كانت الإمكانيات التي رأيتها أكثر من مذهلة! كأنني انتقلت إلى
عالم آخر بعلوم أخرى. ولكن مهما كانت القدرات فالمشاكل صعبة والطريق طويل.
سنوات طويلة مجهدة, وآلاف التجارب على الموصلات العصبية ومستقبلاتها في المخ.
باختصار حتى لا أرهقك فنحن نتعلم من الفشل وليس من النجاح.
لكن ثمرة المجهود نضجت وأتى اليوم العظيم الذي دلفت فيه مبتهجا لرئيس المؤسسة
المستر جوتريدج باننا قد حددنا وبنجاح المستقبل والجين المولد له والموصل
العامل عليه بدقة مؤكدة.
لكنه استقبلني بهدوء ولا أقول ببرود ليخبرني أن عملنا لم يصل حتى لنصف الطريق
المطلوب. أي مستقبل يجب أن نحدد له المادة الفاعلة عليه (agonist) والمادة
المعطلة له (antagonist) قبل حتى أن نفكر في الانتقال إلى تجارب على حيوانات
أعلى من الفئران.
كنت متلهفا على إظهار حصادي للعالم لكني أدركت أن منطقه هو الأقوى, فليس بعدما
أنفق مبلغا لا أدري لعله وصل لمئات الملايين سيترك أدنى فرصة لشركة أخرى تكمل
في نفس طريقنا لتصل قبله إلى الدواء الذي سيعيد له تكاليفه, إلى علاج اليأس
والانتحار الاستسلام.
كانت مهمتي في هذا الجزء من الأبحاث محدودة, انتقلنا إلى معامل جديدة فائقة
محاطة بأقصى درجات السرية ليعمل علماء الرياضيات على حساباتهم المعقدة لتصميم
الدواء (drug design) وهي مهمة شاقة باهظة التكاليف تخرج في النهاية عشرات
النتائج يسعى لتصنيعها الكميائيون واحدة تلو الأخرى لنجربها نحن على الأنسجة
المعزولة من المخ ثم إذا وجدنا لها تأثيرا انتقلنا إلى الحيوانات الحية.
وأخيرا أتى س-5328 مادة فاعلة على المستقبل والمادة ك-481 كمادة معطلة له. ثم
بدأنا طريقا آخر للبناء عليهما وتحسينهما وتخليصهما من الآثار الجانبية للوصول
إلى ما يصلح للاستخدام البشري, كانت (س-5328-د-42) ناجحة جدا كمادة فاعلة لكن
المادة المعطلة ومشتقاتها كانت دوما تؤدي لرغبة في الموت والانتحار لدى القردة!
لا تصلح لاستخدامها كدواء لحالات التهور والاندفاع أو أقراص الحكمة كما يحلو
للسيد جوتردج تسميتها, استغرق الأمر عام كامل حتى اكتشفنا أنها تؤثر على مستقبل
آخر له علاقة قوية بالرغبة في الانتحار! الآن وصلنا لكشف علمي مذهل عن سر
الانتحار لدى البشر! وأنتجنا ك-481-ل522 تعطل مستقبل الاندفاع والتهور دون أن
تؤثر على مستقبل الحياة وحبها.
لقد وصلنا إلى ما لم يحلم به فرويد أو أي من علماء النفس! وصلنا إلى سر التشبث
بالحياة وبالحرية وبالإرادة! قديما تلاعب العطارين بالغرائز كالجوع والشهوة ثم
الكهنة والحكماء بالأحاسيس كالألم ثم العلماء بالأمزجة كالاكتئاب والنشوة
واليوم وصلنا إلى ما وراء هذا! إلى تذوق الحياة ذاتها. وسرعان ما سيعبأ الحب في
أقراص والبغض في أكياس!
كل هذا بدأناه من فأر ساذج يرفض البقاء آمنا في قفصه ولا يتردد في الوقوع في
مصيدة بدائية طلبا لطعم مغر.
ذهبت أخيرا للسيد جوتردج لكي أطلب إنهاء مشواري العلمي بهذا النصر الساحق, وأن
أنهي تعاقدي عقب الإعلان عن اكتشافاتنا المثيرة.
فابتسم لي ابتسامة واسعة وقال \"وما أدراك أننا سنعلن عنها؟\"
قلت \"كيف! هذا اكتشاف غير عادي سينتفع به الملايين, إن نوبل ليست بعيدة عنا
أبدا.\"
قال بهدوء \"عزيزي, اكتشافات فريقك مفيدة جدا بالفعل لكن ليس للمرضى بل آخرين
مولوها بسخاء ومنحونا أرباحا مذهلة من قبل حتى أن نبدأ الإنتاج. أنت تنظر إلى
قرص (س-5328-د-42) كمادة مثيرة للحماس ربما تحقق لنا ربحا جيدا من المرضى
النفسيين يغنيهم عن تجار المخدرات! بينما المغري حقا الذي كلفنا مشقة هذا البحث
هو (ك-481-ل522) 
قلت \"المادة المعطلة؟ لكنها للبحث العلمي فقط للتأكد من تأثير........
قاطعني \"بروفيسور, أنت اكتشفت سر الحرية, تخيل كم سيحدث هذا من تغير في
العالم! العبودية معبأة في أقراص, كمية منها تتسلل لمياه مدينة عنيدة فيستسلم
سكانها للغزاة دون قتال, مساجين يتناولونها في طعامهم فلا يفكرون في الهرب أو
حتى مقاومة الاستجواب. ربما تكون (س-5328-د-42) الفاعلة نافعة هي الأخرى إذا
تناولتها أقلية راضية في أحدى الدول لتثور فجأة مطالبة بالاستقلال! سيدي, إن
تجارة العبيد كانت دوما حتى بعد منعها في العصر الحالي باب أرباح خيالية وبحثك
القصير الذي جعلني آتي بك إلى هنا كان يخبرني أن هناك باب عقلي لعودة العبودية
والاستعمار بدون مقاومة!\"
أذهلني حديثه, وجرأته, أأنا في فيلم خيال علمي من الدرجة الثالثة حين يخبر
الشرير البطل بكل مخططاته دون مبرر؟
لكنه أذاب دهشتي بضحكته الباردة المستفزة \"بروفيسور! أنت حبيس عندنا منذ سنوات
في هذه المعامل السرية أنت وكل فريقك دخلتموها بإرادتكم, وستبقون جميعا معنا في
هدوء وكعربون شكر لكم على مجهودكم سنتأكد أنكم ستبقون راضين بحبسكم ولن تحاولوا
الهرب رغم علمكم بحقيقة نوايانا لأنكم ستكونون أول من نجرب عليه حبة الرضى
بالعبودية (ك-481-ل522)\"
كان هذا آخر مرة أراه فيها, لا أعلم كيف هو شكل العالم الآن وما أثر دوائي عليه
ولكن كما ترى يا عزيزي الفأر لا أجد ما أفعله إلا نصب المصيدة لك والتأكد من
سقوطك فيها لأبادلك همومنا المشتركة

 

Please reload

© 2010 by sanadworld.com 

  • Twitter Clean
  • Grey Instagram Icon