الانفجار العظيم - بقلم أحمد محمد فريد الشربيني - مصر

"لقد حان الوقت.\" ، قالها له استاذه الكبير و هو ينظر إليه نظرة يعلم جيدًا
ما معناها..كانت تقول: \"هل أنت مستعد؟\"
بينما هو واقفًا في حجرة مكتبه الصغير الملحق بمقر المشروع ، كان صامتًا و كأن
لسانه قد التصق بفمه ، و كان عقله شبه مشلولًا و كأن الدقيقة داخله هي حياة
كاملة يعيها بكل تفاصيلها ، و توترها.
فكر: (ما الذي تريدني أن أقوله لك يا سيدي؟!..أنني..)
\"نعم مستعد.\" ، أخيرًا تحرر لسانه من مخاوفه ، و قالها..و لكنه في اللحظة
التالية ندم أنه فعل. فالجملة قد فضحت كل ما يعتمل في نفسه..لقد حملت الجملة
عكس معناها مُرغمةً.
ضاق جفنا استاذه في تعاطف ، و هو يحيط كتفه بذراعه ، بينما يقول له: \"هيا
إذن.\"
هُنا تحركا من الغرفة الصغيرة إلى ممر قصير جدرانه تحمل لونًا فضيًا مطفأً.
كان يتحرك جوار استاذه ، و عقله يدور كجهاز الطرد المركزي ، بينما قلبه يضرب
الدماء ضربًا ، كل هذا على خلفية دقات الأقدام على الممر ، بينما صوت محركات
المحطة الفضائية يكاد يُسمع ، كتشويش ضعيف خلف كل هذا الزحام.
قال استاذه بينما يعبرون الممر ، و دون أن ينظر إليه: \"أنت تعلم أنني أعلم ما
تشعر به يا (حسام)..أعلم جيدًا هذا النوع القا- الرهيب من المعرفة..أن تُريد أن
تدفع عمرك كله مُقابل معرفة سر ما..و لكنك لا تريد كل هذه المجازفة في ذات
الوقت!..و لكن دعني أذكرك بأنها رحلة (جس نبض) كما يُقال..كما أنك شاهدت بنفسك
الاحتياطات التي وضعناها في صورة تعليمات صارمة لحاسوب المركبة..حياة المسافر
أولًا..\"
ضغط على الجزء الأخير من الجملة ، و لم يقل بعدها شئ ، حتى يضع لها التأثير
الدرامي المطلوب.
(أعلم كل هذا يا سيدي)..بينما سخرت شفتاه بتقوس سريع لم يلبث أن تلاشى.
لم يستغرق هذا الحديث سوى بضع ثواني ، كانت هي كل الوقت المستغرق من الأقدام
لتصل إلى وجهتها: حجرة الإطلاق.

في داخل حجرة الإطلاق بدا العالم مختلفًا تمامًا ، فذلك العالَم الهادئ الذي
كانه الجزء الخلفي من المحطة تبدل إلى عالَم ملئ بالحركة ، و الأرقام ، و
المُعادلات التي تتابع على الشاشات..
كان كل فرد من أفراد طاقم إطلاق المركبة يجلس أمام أجهزته في صمت يحمل كل
التركيز ، فالخطأ هُنا يساوي انسان ، بل و ربما يساوي عالمًا كاملًا في أسوأ
الظروف. كانت بعض الشاشات الزجاجية الشفافة تحمل صورة هيكل كرة مكُونة من ستة و
ثلاثين قوسًا رأسيًا ، و كانت هذه الكرة تطفو في الفضاء ، و هي تدور حول نفسها
دورات بطيئة ثقيلة.
تنهد العالم الكبير تنهيدة طويلة ، ثُم التفت إليه قائلًا بحماس مفتعل: \"إذن ،
إلى الانفجار العظيم؟!
(إلى الجحيم العظيم!)..انبعثت الخاطرة من الجزء الساخر بعقله ، بينما استنكرها
الجزء العلمي ، و هو الذي تحدث عن نفسه قائلًا: \"لا أخفيك سرًا يا سيدي أنني
متوتر كما لم يحدث من قبل..و لكن –على الرغم من هذا التوتر- هُناك فضول يجتاحني
للوصول إلى هناك..أن أكون أول من يخطو في (م.أ.ز)..\"
حسده أستاذه على هذه النقطة..يا ليته كان شابًا مُتحررًا..لم يكن ليتردد لحظة
في التطوع لهذه الرحلة..و لكن التقدم في السن يقتل كل هذا الحماس ، كما يقتل
المجازفة بجميع أنواعها.
بدأ الجزء العلمي من عقله يتحرر أكثر فأكثر مع استطرادته: \"و يا لها من منطقة
!..المنطقة التي لا يمر بها زمان و لا يوجد بها مكان..المنطقة الـ..\"
كان من المُمكن أن يركبه الحماس المتزايد فيدفعه إلى الاستطراد إلى الأبد ، و
لكن حديثه انقطع بصوت المشرف على عملية الإطلاق: \"حان الوقت.\" ، فودعه استاذه
في عناق حار.
و عندما نظر إليه و هو يبتعد ، شعر بنفسه كأب يرى ولده للمرة الأخيرة.

كان جسد (حسام) ينزلق داخل كبسولة خاصة داخل الممر الممتد في الفضاء الأسود من
المحطة إلى الفجوة خاصة في جانب المركبة. كان الانزلاق داخل الممر ناعمًا له
بعض الإيقاع المُطمئن ، بينما هو يغلق عينيه في محاولة استرخاء. كان يحاول أن
يعيد عقله إلى وضع العالم الذي على وشك إدراك كشف جديد ، و لكم أضناه هذا ،
كأنه يحاول ادارة مروحة حوامة في الاتجاه العكسي بيديه العاريتين. كان يكافح
بالفعل كي يكون..كي يكون نفسه!
انتبه على صوت التكة الخافتة للكبسولة ، و التي تعني أنه وصل إلى..إليها.
انزلق الباب المقوّس إلى اليسار في هدوء ، كاشفًا حجرة صغيرة هي كل ما تحمله
المركبة من مساحة ، أشتعلت أنوار أجهزة التوجيه بالترتيب في إيقاع مسرحي مثير ،
فبدت كنوافذ مضيئة في مدينة كفنها الظلام. و في النهاية ، اشتعل مصباح أبيض قوي
مدمج في سقف الحجرة ، فانكشف كفن المدينة-أجهزة التوجيه بأزرارها و شاشاتها.
بينما هو يدلف ، فكر: (مركبة الزمكان..يا له من اسم!).
الآن تلاشى خوفه ، و قد أعاد له الوجود في مسرح الأحداث المُقبلة إلى حالة
المستكشف الذي طالما حاول أن يخلقه في عوالم صنعتها أحلامه ، لقد كان طيلة
حياته منكمشًا على نفسه ، كان حذرًا يفكر في نسب الفشل قبل النجاح ، كان هذا
العامل مع جرائته و جموحه على المستوى العلمي هما ما خلقان العالم الذي طمح أن
يكونه.
ضغط بعض الأزرار المسطحة ثُم ضغط زر قناة الاتصال: \"فحص
النظام..الأخطاء..سالب.\"
أخذ يبلغ بتقارير حالة المركبة بالتتابع عبر جهاز الاتصال بحجرة الإطلاق على
متن المحطة الفضائية ، و التي كانت تتابع في ذات الوقت تقارير جهاز رصد معدلاته
الحيوية.
و بعد أن فرغ من ذلك ، قال له استاذه عبر جهاز الاتصال: \"هيا يا بطل..وفقك
الله يا بني..\" ، كان صوت استاذه يحمل كل التعاطف المُمكن ، ثُم أضاف بلهجة
أكثر عملية: \"سوف ينقطع الاتصال الآن بسبب الشوشرات الناتجة عن دوران كرة
الزمكان كما تعلم.\" ، ثُم سمع تكة انقطاع الاتصال ، فارتجفت زاوية فمه في
توتر..
الصمت التام ، و ما يخلفه من شعور قاتل بالوحدة.
حاول (حسام) أن يشغل عقله بالإبصار ، فأخذ يتطلع إلى كرة الزمكان عبر زجاج
المقدمة ، و هي تبدأ في الدوران حول محورها بمعدل تسارع معقول. كانت على مسافة
بعيدة نسبيًا ، و لكنه كان قد ضغط على زر التقريب في طرف زجاج المقدمة ، و الذي
هو عبارة عن شاشة في الأساس.
نظر إلى ما حول الكرة من الفضاء ، و أسره بريق النجوم ، التي تومض ، و كأنها
تخصه بالنداء قائلةً: \"عُد يا أحمق!..عُد قبل فوات الأوان!..\"
الآن ، كانت سرعة الدوران تزداد بعنف مُخيف ، و بدت أقواس الكرة في الدوران هي
الأخرى حول محورها ، و ذبذبات عنيفة تتألق من رأس كل قوس حتى نهايته..
\"بدأ العد التنازلي لتكوير الزمكان..\" ، قالها الصوت الآلي.
10..(أنا أهل لهذه المهمة)..9..(بالتأكيد)..8..أخذ نفسًا عميقًا و هو يجبر جسده
على الاسترخاء ، و أمامه يعد العدّاد التنازليّ إلى..7..(إلى نهايتي!)..6..أغمض
عينيه ، و هو يدفع عقله بعيدًا عن كل هذه التوترات..5..الفتى الهادئ الصموت
الذي لم يحب شيئًا قدر العلم و المعرفة..4..الفتى ضعيف البنية الذي قلما يلعب و
يمرح مع أبناء سنه ، لقد تركت له المعرفة إرثًا كبيرًا من الحكمة..3..عقله
المتميز جعله ينظر إلى البشر بمنظور عين الطائر ، أن يتعامل معهم بالأسلوب
الأمثل ، إن كل شخص يقابله في حياته هو مُجرد محطة جديدة ينطلق منها إلى حدث
ما..2..لذا كان والداه ينعتاه دائمًا بالبارد ، فهو قلما يظهر مشاعره لشخص
ما..1..عندما دخل كلية العلوم و وجد أمامه كل هذا القدر من المعرفة ، شعر كأنه
لص بليد هبط عليه كنز من السماء فجأة..
عجز تمامًا عن الاستمرار في غلق عينيه ، كما عجز عن التمادي بأفكاره أكثر ،
ففتح عينيه عن آخرهما و هو ينظر إلى العد التنازلي بتحفز..صفر.
الآن يسمع تكة تحرر المركبة من أنبوبة النقل بالمحطة ، ثُم..
فجأة ، ترتد روحه عن جسده عندما تنطلق المركبة بسرعة مذهلة لم يتختبرها من قبل.
و الكرة تقترب ، و تقترب..
الآن ، دخلت المركبة بين أحد أقواس هيكل كرة الزمكان ، و حاسوبها يطلق سلسلة من
الترددات الدقيقة ، ثُم تبخر الوجود من أمامه..أو العكس.

هل يشبه الأمر الاستيقاظ من النوم؟ أو من الغيبوبة؟ ربما. إذا كان هناك ما
يُسمى بحالة اللاوجود فهكذا كان الأمر..لقد كان هناك ثُم فجأة صار هنا..
(يا إلهي! أي عالم هذا؟!) ، هكذا تسائل في سره ، و هو يتطلع إلى ما حوله..هل هو
يفعل حقًا؟..لا يظن. فالرؤية هنا أكثر وضوحا و حدة..هذه درجة إبصار لم يختبرها
من قبل إلّا في..في الأحلام.
كان يشعر بازدواجية محيرة في الإبصار ، فقد كان يشعر بأنه يرى ما حوله ، و لكنه
في ذات الوقت لا يرى إلا سرمد أسود مصمت!
عقله يفكر بسرعة جنونية ، و الأفكار تتلاحم و تتداخل حتى أن بعضها كان يُفلت من
حقل إدراكه.
(إذن هذه هي م.ا.ز)..هكذا فكر و كأنه يعيد تنظيم عقله..ثُم أضاف بعقله: (منطقة
انعدام الزمكان..قلب البصلة..).
تذكر فجأة سبب وجوده هُنا..(اللعنة!)..فتحرك في مقعده بسرعة تاركًا كل هذه
التساؤلات جانبًا.
ضغط مجموعة من الأزرار في سرعة ، فبدأ الحاسوب التحضير لكي يقوم بإطلاق
الترددات المطلوبة.
(لنر إن كانت ستفلح..هل أنا بالفعل مُقبل على رؤية بداية الكون؟!)
تحركت شفتاه: هيا..هيا..هيا..
فجأة ، داهمه شعور غريب بالثقل ، و كأن مخه فجأة قد ازداد وزنًا ملايين الأضعاف
، ثُم بدأ تنفسه يتباطئ ، و عضلاته ترتخي..(ممماذذذا يحححدثثث..) قالها عقله
المُنهك في رُعب ، و جسده يرتخي تمامًا وكأنه مُجرد لعبة نُزعت بطاريتها ، ثُم
تهاوى على منصة التحكم ، و الرؤية أمامه تتشوه و تخفت.
رفع بصره المُنهك إلى زجاج المركبة الأمامي ، فرأى بقعة مُضيئة تنبت من السواد
المُحيط كدوامة ضوئية ، ثُم أنفتح السواد حول هذه الدوامة كجلد يتمزق ، و بدا
من خلفه المشهد واضحًا :
أكبر انفجار رأته عيناه..انفجار أكبر من خياله..انفجار أكبر من الوجود..و لم
لا؟..فهو كان ناتج الوجود.
مهرجان الأضواء قد بدأ مُحتفلًا مُعلنًا ميلاد كونٍ جديد.
منذ خمسة عشر بليون سنة كان الانفجار العظيم ، و كان كوننا الذي وضع للبشر
الحيز و الزمن كي يعملوا ، و يبدعوا ، و يمرحوا ، و يحتفلوا..كما احتفل هو
بميلاده ذات يوم.
كانت هذه آخر خاطرة تصدر من عقله قبل أن يسقط في الغيبوبة. الآن تتوتر أجهزة
المركبة ، فيستشعر الحاسوب هذا ، و يصدر تكات خافتة منتظمة ، مع إشارات تحذير
تُفيد بأن المركبة سوف تنفذ إجراء السلامة رقم 1 ، و الذي يتمثل في العودة إلى
عالمه.
بدأ الحاسوب في إطلاق سلسلة من الترددات الخاصة ، فأنطلقت المركبة من تلك البئر
الزمكاني الراكد في طريقها للعودة.

الآن استيقظ..الجملة مُختصرة و لكنها دقيقة تمامًا..فهكذا هو الخروج من
الغيبوبة.
تطلع إلى السقف المرتفع الذي يحيط عالمه ، و قارنه بتلقائية مع سقف المركبة
المنخفض ، فأدرك فورًا أنه خارجها ، و ربما أيضًا هو في أمان.
(لقد فعلتها! لقد عُدت!(
\"حمدًا لله!\"
يدفع برأسه إلى أعلى كي يرى أستاذه الذي أتم كلامه: \"عودة حميدة\" ، و أبتسم ،
فلم يملك (حسام) سوى الابتسام ، و هو يقول بفم مقوس: \"حياة المسافر أولًا!\"
عاد أستاذه بمرح يقول: \"أرأيت يا مساعدي العزيز؟..إجراءات السلامة تعمل بكفاءة
تامة كما توقعنا!\"
ذكره مرح استاذه بها..
هي التي كسرت القواعد ، و قلبت الإشارات. هي المُعادلة الوحيدة التي عجز عقله
عن إيجاد حل منطقي لها..إنها هي (سارة) ابنة أستاذه..الفتاة الإجتماعية المرحة
التي تمثل نقيضه في كل شئ..كان يشعر في بعض الأحيان أنه يحبها لأنها تُمثل ما
كان يحلم أن يكونه..
عندما رآها ذات مرة و هو جالس في منزل استاذه يناقشه في بعض تعقيدات السفر عبر
الزمكان ، لم يستطع مقاومة وجودها الأثير. لقد كان يعتقد أن الزمكان ينحني فقط
للأجسام خارقة الجاذبية ، و لكنه أدرك الآن أن جاذبيتها أقوى من جاذبية نجم في
أوج عنفوانه. منذ هذه النظرة علم أنه صار قمرًا ملتصقًا بكوكبها إلى الأبد.
كان مرحها و حضورها الاجتماعي يخيفه في بعض الأحيان ، فهي تمتلك قدرات تتخطا
حدود قدراته بمراحل. إنها تمثل عجزه ، و لكم ضايقه هذا. فهو لم يعتاد التعامل
مع كيمياء العلاقات الانسانية بكل هذا الاهتمام .و لكنه اهتمام لا يستطيع
تجاوزه ، ببساطة لأنه بشر ذاق الحب لأول مرة.
و على الرغم من حميمية علاقته باستاذه إلّا أنه كان يتعامل معه باسلوبه المعتاد
في الاستفادة من كل ما يحيط به من البشر ، و لكن وجودها غير مسار هذه العلاقة
تمامًا ، فصار يتعامل مع استاذه كابن مع والده.
لقد استطاعت هي بكل بساطة أن تهبط بتفكيره من منظور عين الطائر إلى أسفل و أسفل
و أسفل حتى صار بين البشر..
\"إلى أين ذهبت؟!\" ، هكذا كان جرس الإفاقة من الشرود في صوت استاذه.
-\"لا شئ..\" ، قالها ببطئ ، ثُم أضاف: \"متى عُدتُ و كيف؟!\"
فقال استاذه ببساطة: \"كما قُلتُ لك..إجراءات السلامة في المركبة عالية الجودة
و الدقة..فما أن استشعرت بالخطر حتى أطلقت ترددات العودة إلى هُنا..و كما
تعلم..كان الأمر بالنسبة لنا كأنك أنطلقت ثُم عُدت بعدها بلحظة..\" ، ثُم أضاف
، و حاجبيه يلتقيان: \"وجدناك فاقد الوعي داخل المركبة..استغرق محاولة إفاقتك
ساعة تقريبًا..و ها أنت بيننا!\" ، و عاد يقول و التساؤل يُلهب كلماته:
\"إذن..قل لي ماذا حدث هُناك؟!\"
استجمع أفكاره ، و هو يحدق في المكان بعينين متسعتين. لقد كان في غرفة ملحقة
بالمستشفى الموجود على متن المحطة الفضائية.
بدأ الحكي ، و عندما انتهى من سرده ، كان استاذه صامتًا في ذهول مما سمع.
ثُم قال له بخفوت ، و هو لم يخرج من صدمة الأحداث بعد: \"سأمنحك راحة ليومين ،
و عندما تعود سوف نناقش ما حدث مع باقي الفريق.\"
أومأ (حسام) في استرخاء ، و قد أتفق و نفسه مع هذا ، فالمجهود النفسي الذي
استنفذته منه هذه الرحلة حطم قدراته الجسدية تمامًا ، حتى أنه يتألم لمُجرد
التململ في جلسته.

كان جسده قد عاد إلى طبيعته تقريبًا ، مع ألم خفيف في عضلاته ، و بعض الخواء في
تفكيره. و لكن هذا لم يمنعه من الاستمرار في قوله أمام فريق العمل في غرفة
الاجتماعات المُلحقة بمقر مشروع هندسة الزمكان: \"لنعد إلى البداية..بل بداية
البداية..ربما استطعنا تفسير كل هذا الغموض المُحيط بهذه الرحلة..\"
صمت ، ثُم أعتدل واقفًا و هو يلتقط شريحة سوداء صغيرة من جيب معطفه ، ثُم يتحرك
؛ ليدسها في تجويف صغير بالحاسوب المتطور الموضوع في طرف الغرفة ، و يضغط
أزراره في سرعة ، فتنطفئ أنوار الحجرة تلقائيًا ، و تتجسد مجموعة من الرسوم
التوضيحية من قلب الحائط ، الذي لم يكن سوى شاشة عرض ضخمة ، ثُم وقف مُشيرًا
بسببابته المُتوجة بجهاز خاص ، يجعل الرسوم تتفاعل مع إشاراته ، فنظروا جميعًا
إلى الرسوم التوضيحية.
\"مبدأ كرة الزمكان –كما نعلم جميعًا- يعتمد في الأساس على نظرية العالم الكبير
(ألبرت آينشتاين) ، عندما قال أن الزمكان –ألا و هو قطعة مُحددة الأبعاد في
مسار مُحدد من الزمن- ينحني عندما يمر به جسم خارق الجاذبية..إن فائدة الهيكل
الكروي المعدني هو خلق حقل من الزمكان الملتف حول نفسه..فتتصل بدايته
بنهايته..و يصبح كرة..\"
تململ الكثيرين في جلستهم ، فهذه معلومات تقليدية يعرفها كل من عاش تفاصيل
المشروع من البداية ، و لكنهم لم يدركوا أنه كان في حاجة للإطناب ، حتى يضع
لعقله مساحة كافية لترتيب ما سيقول أمامهم.
الوحيد الذي كان يعلم هذا هو استاذه الذي كان ينظر إليه ببريق خاص.
و لكن (حسام) لم يشعر بهم ، و هو يُكمل: \"كرة من الزمكان..كرة متعددة
الطبقات..ألا و هي الأبعاد..هذه الأبعاد تختلف عن بعضها في حيز ما تشغله من كرة
الزمكان..و هذا يجعل لكل بعد خواصه الخاصة..إن كرة الزمكان ما هي إلا بصلة
عملاقة..و الطبقات داخل الكرة متسعة اتساع تدريجيّ من القلب و حتى الإطار
الخارجي.\"
اندفع خاطر غريب داخله في هذه اللحظة : (هل قال أستاذي لـ(سارة) عمّا حدث؟)..
و لكنه قاتل ليبعد هذا الخاطر الغريب عن ذهنه ، و هو يكمل: \"و لأن لكل بعد
التردد الخاص به كما نعلم..لذا وُجدت مركبة الزمكان..فهي القادرة على إطلاق
الترددات الخاصة بكل بعد للوصول إليه عبر كرة الزمكان..\"
(ربما قال لها..و ربما لا..ما الفارق؟ هي لا تكترث بي أساسًا!..يا لي من أحمق!)
\"في البداية كنا نتصور أن الطبقات اللا متناهية تتقلص في الاتساع تدريجيًا في
أتجاه القلب..القلب الذي لم نستطع الوصول له و لا رصده..في البداية فقط..\"
\"و لكن مع الوقت..و تطور أساليب الرصد..أكتشفنا أن تلك الطبقة الصغرى ضئيلة
إلى الحد الذي يستحيل معه أن تكوْن طبقة!..إن قلة اتساعها الرهيبة جعلتها مجرد
نقطة!!..نقطة لا يتحرك فيها الزمان و لا يوجد بها ما يسمى بالمكان..منطقة
انعدام الزمكان.\"
(أفهم يا أحمق..هي لن تكون لك أبدًا..فأنت من طينة و هي من طينة أخرى..هي
شيطانة تحب المرح..بينما أنت راهب لا تفعل شيئًا سوى التأمل و التفكير!..كم أنت
بائس!)
شعر أنه تمادى في حديثه ، فقطع الحوار بقوله: \"الهدف من الرحلة هي اختبار
قدرتنا على رؤية الماضي من خلال نقطة محايدة كـ(م.ا.ز)..في هذه البقعة تصبح
الترددات الأولية الخاصة بالعوالم المطلوبة ثابتة..و في نفس الوقت تصبح
الترددات الثانوية الخاصة بالزمن المطلوب داخل هذه العوالم ثابتة هي الأخرى!\"
جلس خاتمًا حديثه: \"و من هنا أخترنا نقطة مُحيرة في ماضينا..هي نقطة نشأة
كوننا..و بمعادلات مُعقدة أدخلنا فيها عُمر الكون استطعنا استنتاج تردد عالمنا
وقت بدء الكون.\"
\"و بقى الإجابة على السؤال..كيف بدأ؟ كيف ظهر؟..بالانفجار العظيم؟..و إذا كانت
النظرية الأخيرة صحيحة..ماذا حدث بالضبط؟..و أي ذرة هذه القادرة على الانفجار
لتكون كل ما نراه حولنا الآن..\"
تحفز الكل في مقعده ، فقد كان الجزء القادم هو الأهم بالنسبة لهم. بينما هو
يقول ، و وجهه يتقلب في حيرة:
\"ما حدث هو أنني لا أدري هل رأيت الانفجار العظيم أم كان هذا حُلمًا راودني في
بداية غفوتي؟!..\"
أحبطتهم الاجابة ، و لكن أحدهم قال: \"من المفترض أن أحلامنا هي إفرازات مختلطة
من كل ما مر بعقولنا..هذا يعني أنك ستتخيل بعض المشاهد التي قرأت عنها..و لكنك
لن تستطع تخيل مشاهد لم تدركها من قبل..\"
ابتسم استاذهم –رئيس الفريق- بينما قال حسام: \"فهمت ما تقصد..\" ، ثُم أضاف
بحيرة: \"الواقع أنني لا أذكر بالضبط ما حدث..و..\" ، توقف عن السرد..لقد بدا
وجهه رمزًا للحيرة المجسمة..و لقد شعروا جميعًا بحيرته ، بينما عاد يقول ببطئ:
\"آسف..لا استطيع التذكر..فكما قلت كان الأمر أشبه بالحلم الذي ما أن تستيقظ
منه حتى تنسى مُعظم معالمه..و لكنه يترك فقط في نفسك أثرًا خفيفًا لا يلبث أن
ينمحي مع بداية اليوم الجديد..\" ، ثُم تذكر شيئًا فقال: \"و لكن كيف كانت تعمل
الأجهزة في (م.ا.ز)؟..بل كيف كُنتُ أتحرك أنا في سهولة..و..و ما سر هذه
الغيبوبة التي انتابتني؟!\"
قال له استاذه مُجيبًا: \"هل راجعت مقدار الطاقة الذي استهلكته الآلة في
رحلتها؟\" ، فرد عليه المسافر في سرعة: \"نعم..\"
كان من الواضح أن الرجل يُريده أن يعيد ما وجده في التقرير أمام الفريق ، لذا
قال و هو يُفكر في معنى ما سيقول: \"وُجدت خزانات الطاقة شبه كاملة..على الرغم
من أن الرحلة تستهلك ما يقرب من نصف الطاقة المُخزنة!\" ، ثُم أضاف: \"بمعنى
أدق..إن الآلة لم تستهلك شيئًا من الطاقة المُخزنة تقريبًا!\"
هُنا تقدم رئيسهم إلى الأمام ، و هو يقول مٌبتسمًا: \"قُولوا لي..ماذا يُمكن أن
نستنتجه من هذا؟\"
صمت كل منهم مُفكرًا ، بينما قال الرئيس نظريته: \"التفسير الأكثر قبولًا..هو
أن المركبة –عندما انتقلت من عالمنا إلى (م.ا.ز)- انتقلت في الواقع من عالم
يموج بالطاقة و يتعامل معها في كل لحظة إلى عالم لا يُوجد به طاقة بالمعنى
المُتعارف عليه..إنها خواء حقيقي!..\" ، أضاف ، و هو يتراجع إلى بظهره على
مقعده: \"هذا يعني أن الطاقة التي اكتسبتها المركبة للعبور من عالمنا إلى
(م.ا.ز) هي التي استغلتها في العمل هُناك..\"
بدا الاقتناع على وجوه الكل ، و استطرد أحد أفراد الفريق: \"و بما أن الكائنات
الحية –كأي شئ في عالمنا- تحتاج لمكان ما تتواجد فيه..و هذا المكان لا يتوفر
لها هناك..فإنها تظل داخل بوتقة من الطاقة لا يمكن رصدها..بوتقة تجعلها قادرة
على المعيشة و لكن دون حيوية أوحركة تُذكر.. هذا لأن الزمن هو مجموعة من
الاحداث المتتابعة..فإذا انعَدَمَ في نقطة لا يوجد بها ما يدعى
مكان..احداثيات..مثل (م.ا.ز)..ينعدم نشاط الكائنات الحية الموجودة في تلك
المنطقة الجهنمية..\"
فقال رئيسهم له بصوت حاد المقاطع: \"بالضبط.\"
و تسائل آخر: \"و لكن ماذا عما حدث لك يا (حسام)؟..ما سر هذه الغفوة التي
أصابتك؟..\" ، فأجابه (حسام) : \"في ضوء ما توصلنا إليه الآن..صار التفسير
سهلًا يا عزيزي..إن البشر و الكائنات الحية لا تستطيع استغلال الطاقة الناجمة
عن الانتقال بالصورة المُثلى..هذا يجعل مستوياتها الحيوية تهبط إلى أقل معدل
ممكن..و لذلك استطاعت ذرات جسدي استغلال هذه الطاقة لفترة قصيرة..لم تلبث أن
أعلنت انهيارها في صورة الغيبوبة التي أصابتني..و لا أحد يعلم ما الذي كان
يُمكن أن يحدث إذا لم يتم تنفيذ إجراء الطوارئ الأول!..ربما كانت ذراتي و ذرات
المركبة ستتفكك و تفنى عندئذ!\"
ران صمت تام على الجميع ، كلمات (حسام) كان لها ذلك التأثير الدراميّ المُخرس ،
و لكنها لم تُخرس العقول و لو للحظة ، بل على العكس ، أطلقتها من عقالها تُحاول
التعمق أكثر في البحث و التفكير..
فرئيس الفريق كان يُحاول تقييم الموقف مرة أخرى ؛ لتحقيق أكبر استفادة مُمكنة
من هذه النظرية ، و القفز منها إلى تطبيق جديد ثوريّ.. بينما شعر (حسام) بمخه
يدور داخل جمجمته و لم ينطق بحرف واحد ، و لكنه تفَكْر في الكثير..
هل كان ما رآه حُلمًا بالفعل؟! أم هو حقيقة جائت من روح اُطْلِقت بكل طاقتها
بعيدًا عن احتياجات الجسد؟!
ترى هل يمكن اعتبار تلك المنطقة الصفرية تُطلق الروح بأقصى طاقتها دون اعتبار
للجسد؟! أم أن عقله الباطن أضاف تلك الحيرة التي يشعر بها كلما حاول تذكر ما
حدث هُناك ؛ ليصبغ كل هذا بلون الواقع المعتم؟!
و هذا يخلق كهف جديد ؛ لغز جديد..ترى ما سر الروح البشرية؟!
ما ورائها؟ و ما ....؟
كلها أسئلة ربما ستظل تدور وتدور مع مدار كرة الزمكان ذاته..
نعم ، إنها دائرة..
دائرة من الألغاز و التعقيد تتقابل بدايتها دائمًا..
دائمًا مع نهايتها..
تذكر (حسام) تلك المقولة الشهيرة للفيلسوف الفرنسيّ روجيه جارودي: \"إذا كنا لا
نعرف الحقيقة ، فكيف سنعرف حقيقة الحقيقة؟!\"

Please reload

© 2010 by sanadworld.com 

  • Twitter Clean
  • Grey Instagram Icon