إنغماس في أوراق شاحبة - بقلم عبد الصمد الغزواني - المغرب

" بالكاد أستطيع أن أستوعب أنك استطعت تحويل فكرة معنوية محضة إلى تجربة
علمية قابلة للرصد و التسجيل !\"

هتف المهندس ( سعد ) بالعبارة السابقة بنوع من الإستغراب و هو يدور في حجرة
مكتب صديق عمره عالم الطاقة الشهير الدكتور ( رشيد ) . كانت حجرة بسيطة، بذلك
الأثاث البسيط الموزع بانتظام في أماكن محددة في أطراف الحجرة التي يتوسطها
مكتب أكثر بساطة تتوزع على سطحه بعض الأشياء الخاصة بالرجل، إضافة إلى تلك
المكتبة الخشبية الضخمة التي تأخذ مساحة الحائط وراء المكتب بالكامل، ناهيك عن
ذلك اللون الأصفر الشاحب الذي تشعر به يصبغ كل شئ في المكان، حتى الهواء نفسه.
تأمل المهندس ( سعد ) في كل هذا و هو يقول عبارته، قبل أن يسمع صوت صديقه آتيا
من باب موارب لحجرة مجاورة و هو يجيبه :
- لأنك مازلت لم تتحرر بعد من حالة الرفض التي تستعر في داخلك . فالتجربة تتم
على أفكار خاصة ظللت طوال حياتك تنظر لها نظرة ثابتة، فرسمت لها صورا ذهنية
اقتنعت أنها لن تتغير أبدا . فمن الطبيعي و الحال هكذا أنه لو ظهرت أفكار تناقض
تلك الصور التي رسمتها في داخلك بقواعدك الخاصة أن تستنكر في البداية و تشعر
برفض ملح يعتري كيانك من الداخل .

ضحك ( سعد ) في خفوت و قال :
- و فيلسوف كذلك يا ( رشيد )، في الواقع ستظل تدهشني دائما يا رجل بعقليتك
الفريدة هاته 

ثم أضاف فجأة :
- بعيدا عن فلسفتك الخاصة حول هذا الأمر، هل تعتقد أن التجربة التي نحن بصددها
يمكن أن تنجح كما تتوقع لها ؟ \"

أجابه ( رشيد ) و هو يخرج من الباب و هو يرتدي بذلته بسرعة :
- المفترض ان تنجح ، فكل الدراسات التي أجريتها على الجهاز اثبتت أنه ما من
سبب واحد يمكن أن يعوق نجاحها . و كما تعلم ففريق العمل العامل على المشروع
قد طور من الخوذة و العقار بشكل جذري طوال ثلاث سنوات من العمل المتواصل نتجت
عنها شريحة الكترونية غاية في الصغر يتم زراعتها في منطقة محددة على الرأس تقوم
بتقوية كل الإشارات الصادرة عن المخ و كذلك العقار، فقد تمت الإستعاضة عنه
بتكنولوجية انغماسية خاصة تجعل خلايا الجسد كله ترتشف من مادة خاصة ضرورية من
أجل نجاح التجربة 
لوح ( سعد ) بيده و قال :
- و أنت لم تجد أحدا سواك يقوم بهذه التجربة ؟!

أجابه ( رشيد ) و هو يجمع بعض الأوراق من فوق سطح مكتبه :
- لم يكن أحد ليوافق على إجرائها غيري، ثم أنني أتوق إلى تجربتها و المرور
بتفاصيلها لحظة لحظة

رمقه ( سعد ) لحظات في صمت قبل أن يدور ببصره متأملا في تفاصيل الحجرة و هو
يقول :
- الغريب يا ( رشيد ) أنه رغم بساطتك و ولعك بكل ما هو قديم و ينتمي إلى الماضي
أكثر مما ينتمي إلى هذا الزمن، فأنت تمتلك عقلية فريدة استطاعت الوصول إلى فكرة
عبقرية لم أكن أتصور ذات يوم أنه يمكن أن تنجح على هذا النحو 

أطلق ( رشيد ) ضحكة خافتة و قال في مرح :
- ربما كانت بساطة عقليتي و تعلقها بكل ما هو ماض هو ما ساعدها على الوصول إلى
هذه الفكرة 

ثم أضاف و هو يلتقط مفاتيحه من فوق مكتبه :
- ثم لا تنسى أن الجزء الأهم من التجربة لا ينتمي فعليا إلى هذا الزمن 

أجابه ( سعد ) و هو يسير بجاوره نحو باب الخروج :
- و كيف أنسى يا رجل و أنا نائب رئيس الفريق الذي تترأسه أنت في ذلك المختبر
العلمي الذي بنيناه و المسؤول عن المرحلة الأخيرة من تجربتك الفريدة 

ثم أضاف و هو يلوح بيده :
- و العضو الأول الذي انضم إلى الفريق العلمي الذي كونتَـه 

أجابه ( رشيد ) و هو يتوقف أمام الباب ملتفتا إليه :
- طبعا لم أنس ، مازلت أتذكر كيف أعلنت موافقتك بشكل فوري على مساعدتي لتكوين
فريق علمي محدود من أجل هذا المشروع بعدما واجهتك بنظرياتي حول فكرة التجربة 

أجابه ( سعد ) ببساطة :
- أنت تعلم انه لم يكن من الوارد أبدا أن أرفض بعدما واجهتني بذلك الكم من
الدلائل حول فكرتك، وكذلك الرفاق 

تسائل ( رشيد ) في خبث :
- فقط ؟ أتعني أن الصداقة لم يكن لها دور في قبولك ؟

أجابه ( سعد ) و هو يضحك :
- طبعا كان للصداقة دور هام في الأمر، ولكن براعتك التي انتهجتها في اختيار
أفراد الفريق العلمي من أصدقاءك و رفاقك القدامى وقيادتك له فيما بعد كان لها
الدور الأهم في هذا النجاح الذي وصلنا إليه 

أجابه ( رشيد ) و هو يمسك بمزلاج الباب :
- الفضل يعود لكم بعد الله عز وجل في وصولنا إلى هذه المرحلة المتقدمة من
التجربة . فماذا كان بوسعي ان أفعل لو لم توافقوا ؟

قالها و هو يجذب الباب بعد خروج ( سعد ) من الحجرة، و قبل أن ينغلق بالكامل
أدخل يده اليمنى من فرجته، ثم توجه بأصبعيه السبابة و الإبهام نحو مجموعة
أوراق مثبتة على جانب الباب و أزال منها ورقة صغيرة واحدة ..
ورقة كُتب عليها : 15 مارس 2049 م ! 

و أغلق الباب وراءه بسرعة !


* * *

16 مارس 2049 ..

بدا ذلك المختبر العلمي البسيط في تلك الساعة المبكرة من الصباح كخلية نحل
صغيرة و مجموعة مكونة من عدة أفراد يتحركون في أرجاء حجرة واسعة منه و كل واحد
منهم يقوم بعمله بدقة و احترافية بالغة . كانت الحجرة متوسطة نسبيا، صحيح أنها
تبدو حجرة بسيطة غير مكتظة، ولكنها بمواصفات ذلك الزمن عبارة عن مركز اكتروني
متطور بتلك الكاميرات التي تشبه كرات فضية معلقة بمثبتات خاصة و موزعة بشكل
مدروس على أماكن معينة من الحجرة لتغطية كل سنتيمتر منها بشكل ثلاثي الأبعاد،
و أيضا ذلك المقعد الخاص المصنوع من نسيج خاص يجمع في خواصه بين خواصي الحرير و
القطن التي أضيفت إليها تكنولوجيا خاصة للتهوية، كما أن نسيج المقعد مرتبط
بنظام الكتروني دقيق يتحكم في درجة صلابة المقعد وفق الموجات التي يستقبلها من
المخ . ناهيك عن تلك الوسادة الهوائية التي يعتمد عليها المقعد نفسه . وفي
مقابل المقعد كانت هناك منضدة زجاجية تومض بضوء خافت من حين لآخر . كما كانت
تتوزع على جدران الحجرة وسقفه ثقوب غاية في الصغر .

رمق ( سعد ) كل هذا في اهتمام قبل أن يتسائل في وجه شخص بجواره :
- هل الدكتور ( رشيد ) جاهز ؟

- نعم يا سيدي .. إنه في الحجرة المجاورة و من المفترض أن يلتحق بنا بعد دقائق


هتف أحد المساعدين هذه العبارة في احترام فتسائل ( سعد ) في اهتمام :
و ماذا عن رأي الطبيب النفسي المراقب لحالته ؟

أجابه المساعد بسرعة :
- يقول أن لهفة الدكتور ( رشيد ) لإجراء التجربة و حماسه بددت كل المخاوف في
نفسيته مما رفعت من درجة جاهزيته بشكل كبير 

أومأ الرجل برأسه في تفهم قبل أن يقول :
- جيد جدا ، و حجرة البث التي أشرف عليها هي أيضا على أتم الإستعداد كذلك

ثم أضاف في لهجة حازمة :
- حسنا إذن .. أحضروا الكتاب و ضعوه في مكانه المحدد على المنضدة ثم استدعوا
الدكتور ( رشيد ) لإجراء التجربة 

- حسنا يا سيدي 

قالها المساعد ثم غادر المكان بخطوات سريعة لتنفيذ الأمر، أما ( سعد ) فقد
تطلع إلى الحجرة لحظات في صمت قبل أن يقول بصوت هامس :
- هيا يا ( رشيد ) أسرع بالقدوم، فكلنا نتحرك على اعصابنا من أجل إنجاح التجربة

و أطلق بعدها تنهيدة طويلة ثم استدار مبتعدا في صمت و هدوء 

* * *

16 مارس 2049 ..

الساعة الخامسة و النصف صباحا، لم يبق على إنجاز التجربة سوى ما يزيد قليلا على
الساعة، ساعة كان ينتظرها ( رشيد ) بفارغ الصبر في حجرة خاصة ملحقة بحجرة
التجربة و هو مستلق في فراشه محدقا في السقف في شرود . كانت حجرة بسيطة هادئة
كما لكم أن تتوقعوا، بذلك الفراش البسيط في ركنها الأيمن المواجه لشرفة فـُتحت
أغطيتها عن آخرها ليبدو ورائها ليل طيفي خافت بدأت فيه بعض خيوط الشمس الخجولة
تغزوه ببطء كما لو كانت تخشى أن تنتبه إليها النجوم فتنطلق نحوها كشهب خاطفة .
و بجانب الفراش تتواجد تلك المنضدة الخشبية الجميلة تحمل فوقها سينية بها عدة
أكواب مليئة بعدة سوائل و مزهرية تحمل بضع زهور زرقاء و خضراء 

في هذا الجو الهادئ أمضى ( رشيد ) ليلته مع الطبيب النفسي ( ياسين ) الذي يعمل
ضمن الفريق من أجل مساعدته نفسيا كما يجب للإستعداد إلى التجربة . صحيح أن (
رشيد ) كان يؤمن في أعماقه بأنه ليس بحاجة أصلا لمن يساعده كي يستعد لهذه
التجربة بالذات بكل ما تزخر به أعماقه من فضول و حماس بالكاد يسطيع إخفاءهما، و
لكنه وبعقلية علمية نادرة كان يؤمن أيضا أنه لا يمكن تجاوز المنهاج العلمي في
العمل، لذلك كان لابد من طبيب نفسي في الفريق يراقب أدق خلجاته و تغييراته
النفسية . 
و بينما هو في خواطره الصامتة تلك، التي تدور في فضاء حجرته على إيقاع موسيقى
هادئة تنبعث من مكان ما في الحجرة بانسيابية و إيقاع رتيب، إذ بطرقات خافتة
انضافت إلى اللوحة، منبعثة من باب الحجرة فقال الدكتور ( رشيد ) في خفوت و هو
يضغط على زر صغير فوق رأسه دون أن يفتح عينيه :
أدخل يا ( ياسين ) 

انفتح الباب ببطء و برز من ورائه شاب في الثلاثينات من العمر، متأنق يبدو
الإنتعاش على وجهه، قال في مرح :
- لم يستطع عقلي حتى الآن ابتلاع هذه الأساليب القديمة في حياتك يا دكتور (
رشيد )

أجابه ( رشيد ) بعد ان فتح عينيه ببطء :
- أنت تعلم أن استعدادي في هذا الجو ضروري من أجل مرور التجربة كما يجب 

هتف ( ياسين ) بهدوء شديد و هو يتطلع مباشرة إلى وجه ( رشيد ) :
- طبعا .. لقد وضعنا مخططا لهذا من البداية

ثم قال في مرح و هو يرمق الليل الشاحب الذي يبدو من خلال الشرفة : 
- أرى أنك تستمتع بوقتك يا صديقي . هل نمت جيدا ؟

أجابه الدكتور ( رشيد ) وهو يقف متثائبا :
- نعم .. لقد أخذت عدد الساعات من النوم كما حددتها لي . وقد استيقظت منذ ساعة
تقريبا، أديت صلاة الصبح قبل أن تأخذني حالة من التأمل و انا مستلق على الفراش 

تسائل ( ياسين ) و هو يتفرس في ملامح صديقه باهتمام شديد :
- هل أنت قلق بصدد التجربة ؟

ابتسم الدكتور ( رشيد ) و قال :
- لا .. لست قلقا .. فقط شعرت برغبة في الإسترخاء ففعلت 

أومأ ( ياسين ) برأسه إيجابا و قال في بساطة و هو يستعد لمغادرة الحجرة :
- حسنا فعلت .. على كل حال لقد أتيت لأطمئن عليك و ربما لإيقاظك لو وجدتك لم
تستيقظ بعد 

هتف مقطع عبارته الأخير بشئ من المرح فأطلق ( رشيد ) ضحكة صافية و قال مداعبا
و هو يربت على ظهر ( ياسين ) :
- و هل أجرؤ على مخالفة اوامر استاذي !

أطلق الإثنان ضحكات خافتة قبل ان يقول ( ياسين ) و هو ينظر إلى ساعة يده :
- و الآن سأضطر إلى الذهاب لأقدم تقريرا مفصلا عن حالتك قبل بدء التجربة 

أجابه ( رشيد ) و هو يلحق به و يفتح له الباب :
- سألحق بك بعد دقائق معدودة أنا أيضا 

أجابه ( ياسين ) و هو يصافحه :
- حسنا إذن .. لنلتقي في حجرة التجربة.. إلى اللقاء 

قال عبارته هاته ثم انصرف فأغلق ( رشيد ) الباب وراءه في ببطء و شرود و عيناه
مثبتتان على الأرض أسفل الباب في صمت


* * *
16 مارس 2049 ..

السادسة و خمس و أربعون دقيقة صباحا ..

وقف أفراد الفريق العلمي الثلاثة متجاورين و هم يرتدون عدسات خاصة و يدورون
ببطء في أرجاء حجرة البث التي يقوم على الإشراف عليها المهندس ( سعد ) و الصور
الثلاثية الأبعاد التي تلتقطها عدساتهم لحجرة التجربة تجعلهم ينغمسون فعليا
فيها بشكل تفاعلي كما لو كانوا بداخلها و تلك الأجهزة الإستشعارية الخاصة التي
زودت بها أجهزة الحاسوب والتي تبث موجات خاصة تخاطب مخ الإنسان تجعلهم يحسون
بكل مكونات الصور التي تصلهم 

أدار ( سعد ) عينيه في كل ما يصله عن حجرة التجربة قبل أن يقول في حزم :
- حسنا إذن ماذا ننتظر، فلتبدأ عملية بث الرذاذ حالا 

مع نهاية عبارته أضاءت حجرة التجربة حيث يجلس الدكتور ( رشيد ) بضوء أخضر فاتح
و بدأ رذاذ أبيض خاص يخرج من تلك الثقوب الموزعة على الحجرة . رذاذ أخذ ينتشر
بشكل تدريجي حتى صارت الرؤية ضبابية جدا . فأغمض الدكتور ( رشيد ) عينيه ببطء و
هو يتنفس بعمق محاولا إدخال أكبر كمية من الرذاذ الذي يغوص فيه إلى رئتيه 

\" حالته النفسية في انتعاش \"

هتف ( ياسين ) عبارته في هدوء و هو يتطلع بواسطة تلك العدسات في عينيه إلى
بيانات خاصة في جهاز خاص مرتبط بصورة ثلاثية الأبعاد للدكتور ( رشيد ) فأجاب (
سعد ) :

- جيد .. 

ثم تطلع إلى جهاز آخر امامه في اهتمام قبل ان يقول :

\" برنامج تسجيل الطاقة و البيانات المصاحبة لها بدأ بنجاح أيضا\"


ثم استدار إلى ( علاء ) خبير الفريق في الكيمياء الحيوية الذي أجاب و هو يتحسس
بيده في الفراغ بواسطة ذلك القفاز الإستشعاري الذي يحمله :

- فحص الجسد يقول ان الرذاذ قد انتشر في كل خلايا جسمه 

هتف ( سعد ) في ارتياح :
- جيد جدا .. و الآن لننتقل إلى المرحلة الحاسمة إذن 

لم يكد ينهي عبارته حتى أضاءت حجرة التجربة بضوء أزرق خافت التقطته عينا ( رشيد
) النصف مغلقتين فاعتدل في جلسته ثم فتح عينيه الشاردتين و سحابة الرذاذ
المحيطة به تضفي على المشهد مهابة خاصة، و مد يده إلى الكتاب القديم الموضوع
على المنضد أمامه، فتح صفحته الأولى ثم بدأ يقرأ .. فبدأت معه تجربة الأوراق
الشاحبة 

* * *

07 فبراير 2039 ..

رشيد : سعد
سعد : نعم 
رشيد : هل تشعر بما أشعر ؟
سعد : بماذا تشعر ؟
رشيد : أشعر بأنني أغوص في محيط من الجمود و التصنع 
سعد : أي محيط تقصد ؟!
رشيد : محيط من المشاعر الزائفة التي انتشرت في كل ركن في حياتنا لتجردنا من
كل مبادئنا .. لتجردنا من رحيق ماضينا . صرنا نغوص في جو الكتروني صرف ..
نتواصل بالرنات نتحدث بالرموز . صار كل شئ جامد في حياتنا.. انعدمت الأحاسيس
الجميلة بداخلنا .. تفتتت حتى صار مجرد الإشارة إلى ذلك يعتبر عيبا . صار
الجميع يسخر من كل ما هو قديم ينتمي إلى منبع تفكيرنا و شخصيتنا . الأرقام و
الرموز و الآلات استحوذت على عقلونا و أقصت قلوبنا تماما 

سعد : و لكن هذه من ضرورات العصر .. هذه ضريبة التطور التكنولوجي يا صديقي

رشيد : بل هذا خنوع واستسلام .. انبهرنا بحضارة الآخرين وتناسينا أنها قامت
على أسس حضارتنا نحن فألقينا وراء ظهورنا حقيقتنا و انقضضنا على ما وجدناه
امامنا ننهل منه متخلين عن كل ما يمت لماضينا بصلة 

سعد : أتعني أن سوء تفكيرنا هو ما جرنا إلى هذا ؟ 

رشيد : بالتأكيد .. لم نجد من يأخذ بيدنا .. لم نجد من يزيل ذلك الغبار عن
عقولنا و يوجهها بشكل سليم ويحررها من حالة الإنبهار التي تسوقها 

سعد : و ماذا بيدنا ان نفعله يا صديقي ؟

رشيد : لا أدري بالضبط، ولكن يجب ألا نقف ساكنين هكذا و نحن نتآكل على هذا
النحو.. لابد أن يقوم كل من في موضعه بما يجب عليه فعله . لابد . ماذا لو
استفدنا من هذا التطور من أجل إعادة الاعتبار لكياننا .. من أجل نفض الغبار عن
مبادئنا ؟

سعد : هل لديك فكرة محددة ؟

رشيد : فكرة محددة ؟ ! .. نعم .. لما لا .. الأفكار .. ماذا عن الأفكار ؟! ..

سعد : !!


* * *


21 أكتوبر 2046 ..

سعد : مازلت يا ( رشيد ) غريب الأطوار كعهدي بك 
رشيد : هل ينطبق هذا على فكرتي الأخيرة أيضا ؟
سعد : بالتأكيد .. بل و يمكنني اعتبارها أكثر أفكارك جنونا كذلك 
رشيد : و ما وجه الجنون فيها ؟
سعد : هه .. تسأل عن وجه الجنون في الفكرة و هي الجنون بعينه 
رشيد : اشرح لي ماذا تعني 
سعد : ليكن . أنت تقول في فكرتك أن المشاعر المختلفة على غرار الشرف و
المروءة و الشهامة هي مجرد أوصاف لطاقات نفسية تخرج على شكل طاقات حينما يتحلى
المرأ بأي منها . أليس كذلك ؟ .. جميل .. و تقول كذلك أنك قد مررت ببحوث جدية
قصد جمع تلك الطاقات المتبددة من مصادر قديمة و احتوائها . هذا جميل جدا . و
الأجمل و الأروع أنك توصلت إلى نظرية أثناء بحتك مفادها أن المرأ حينما يكون
منغمسا في الكتابة على الأوراق تتسرب منه طاقات نفسية عظيمة إلى الأوراق تبقى
عالقة هناك إلى الأبد .. مرحى .. أبعد هذا كله لا تجد أن فكرتك ليست مجنونة
؟!!

رشيد : و ماذا تقول لو قلت لك أنني استطعت رصد آثار تلك الطاقات النفسية
بالفعل في أوراقي نفسها ؟!

سعد : أقول أن هناك خطأ ما ، ربما رصدت شيئا مغايرا تماما عن الذي تتحدث عنه،
فتلك المشاعر التي تتحدث عنها شئ نفسي بحث .. معنوي .. هل تفهم ما أعنيه ؟

رشيد : معك حق هي أشياء معنوية ، لأنها مجرد أوصاف ، أوصاف لظواهر فيزيائية
محسوسة تتم بداخل أجسادنا فتنشأ عنها زخات من طاقات مختلفة . كل مافعلته أنا
أنني رصدت تلك الطاقات النفسية .. فقط !

سعد : حسنا إذن .. لنفترض أن كلامك هذا صحيح .. ماذا عن ذلك الكتاب الذي
ستستخرج منه الطاقات النفسية التي تقول .. ماذا لو كان مجرد نسخة لم يقم
ناسخها بتأليفها ؟ بل ماذا عن الكتب التي نسخت بشكل غير يدوي ؟!

رشيد : لقد فكرت في هذا بالفعل .. ووجدت أن الذي نسخ الكتاب نقل طاقاته
النفسية إلى النسخة التي نسخها . طاقاته نفسها بها قدر ضئيل من الطاقات
النفسية لصاحب الكتاب الأصلي، ذلك القدر الضئيل يمكن رصده . ومع تتبع مسار
الطاقات النفسية عبر كل نسخ الكتب يمكن تجميع الطاقات النفسية التي نبحث عنها
في النهاية و التي تخص صاحب الكتاب الأصلي . أما بخصوص الكتب التي نسخت بشكل
غير يدوي فهي لن أعتمد عليها في تجربتي، بل ساعتمد على الكتب التي كلما كانت
قديمة أكثر كلما زادت من فرص نجاح التجربة بشكل أكبر 

سعد : كل هذا جميل .. و لكن ماذا لو كانت بعض نسخ الكتاب الأصلي قد احترقت،
ألن يتكسر مسار تتبعك للطاقة ؟ بل ماذا لو كان الكتاب الأصلي نفسه قد احترق ؟!
رشيد : ربما يحترق الكتاب و لكن طاقته تبقى سابحة في الأثير في انتظار من
يلتقطها . فقط يتوقف الأمر على العقل الذي سيقوم بتتبعها و حالته أثناء عملية
التتبع 

تسائل ( سعد ) : أها .. و من أين ستأتي بكتاب قديم نسخ بطريقة يدوية ؟

أجابه ( رشيد ) بابتسامة واسعة : لن أعجز عن إيجاد كتاب كهذا في ظل هذا العدد
من المتاحف المنتشرة في كل مكان 

سعد : فليكن .. لن أجادلك في هذا بعد الآن أيها العنيد .. ولكن كل ما تقوله
بلا دليل مادي واحد . هل لديك شئ محسوس .. دليل ملموس قمت به أثناء تجاربك
لتؤيد به حديثك النظري هذا ؟

رشيد : كنت اتوقع منك طلبا كهذا في الواقع . فانا أعلم أنه من العسير للغاية
إقناع عقلية معلوماتية متطورة كعقليتك . نعم لدي الدليل الملموس . أو بالأحرى
دليلين . لدي الخوذة والعقار !

سعد : !!


* * *


16 مارس 2049 ..

بعد إنجاز التجربة بساعات ..

\" أنت وغد عبقري يا ( رشيد ) \"

هتف المهندس ( سعد ) العبارة في مرح و هو يلكز صديقه الذي خرج منذ عدة ساعات
من غرفة التجربة، وأضاف في فرح حقيقي و هو يلوح بيديه :

- ستدهشك أنواع الطاقات النفسية التي استطاع عقلك استخراجها من ذلك الكتاب
القديم و هو يمر بتلك الحالة الفائقة من القوة . بل و الأهم أننا رصدنا أحاسيسك
أثناء التجربة و قمنا بتسجيلها كذلك 

- لو لم تنجح التجربة على هذا النحو لأصبت بخيبة أمل كبيرة 

قال ( رشيد ) عبارته هذه في إنهاك و هو يستلقي على فراشه البسيط في حجرته
الملحقة بحجرة التجربة فراقبه صديق عمره في إعجاب و انبهار قبل أن يقول ( رشيد
) و هو يستدير إليه ببطء :
- و ماذا عن أهم مرحلة في التجربة . أقصد عملية البث بالإنغماس عبر شبكة
الإنترنت ؟

أجابه ( سعد ) بسرعة :
- لاتقلق بهذا الشان .. أنت تعلم أنني المسؤول الأول عن هذه المرحلة، ستبدأ
علمية البث بعد أيام قليلة لن تتجاوز الأسبوع . نريد فقط أن نراجع كل شئ قبل
البدء بالتنفيذ 

أومأ ( رشيد ) برأسه إيجابا و قال في إرهاق و هو يفتح عينيه بالكاد :
- أنا أثق بك 

ابتسم ( سعد ) و هو يرمق وجه صديقه بعد أن غاب في نوم عميق ثم اعتدل في جلسته
ببطء و توجه إلى باب الخروج محاذرا أن يصدر أدنى صوت، أطفأ مصباح الحجرة ثم
انصرف في صمت 

لقد أنجز صديقه الشق الخاص به في هذه التجربة الفريدة ، و الآن يأتي دوره ،
المرحلة الأخيرة من التجربة ..

مرحلة البث بالإنغماس !

* * *

22 مارس 2049 ..
الساعة العاشرة صباحا و خمس دقائق ..
مرة أخرى توالت حركات الفريق العلمي في مركز الأبحاث الصغير، وفي حجرة البث و
بعيدا عن أفراد الفريق العلمي في ركن المكان جلس ( رشيد ) يتأمل ما أمامه في
تأمل وشرود . أخيرا ها هوذا يشهد تنفيذ اللمسات الأخيرة من فكرته تلك التي
راودته منذ أزيد من عشر سنوات كاملة قضاها في البحث و التنقيب و التحليل . عشر
سنوات تحمل خلالها سخريات العديد من زملائه قبل أن يستطيع الحصول على دعم بعض
أصدقاءه . حتى أعز صديق لديه استنكر الفكرة في البداية ، مازال يتذكر حواراته
معه التي تبادلاها معا منذ سنوات عدة كما لو انها تمت منذ قليل فقط 

ابتسم في شحوب حينما بلغ تفكيره هذه النقطة إلا أن ابتسماته تلك اختفت حينما
اقترب منه صديقه ( سعد ) مع باقي أفراد الفريق و ربت على كتفيه قائلا في فخر
:
- كل شئ جاهز يا بطل . نحن نستعد كي تعطينا الضوء الأخضر لنبدأ عملية البث

لم يستطع ( رشيد ) ان يخفي فرحته و هو يعتدل واقفا ، و قال بامتنان وهو يجوس
بنظره في وجوه رفاق عمله :
- لست أدري حقا ماذا أقول لكم ، أنا مدين لكم إلى حد لا يمكنكم تصوره يا
أصدقاء

ابتسم ( ياسين ) و قال :
- ( رشيد ) .. نحن قمنا بواجبنا يا فتى، الشكر يعود كله لك بعد الله سبحانه و
تعالى . لا تنس أن تلك الطاقات التي استطعت رصدها من الكتاب قد أفادتنا نحن
بشكل لا يمكنك تصوره 

أجابه ( رشيد ) في مرح :
- و ماذا أقول أنا الذي مرت تلك الطاقات في عقلي بشكل مباشر 

تبادل الجميع ضحكات خافتة قبل أن يقول ( علاء ) خبير الكيمياء الحيوية في
اهتمام :
- بالمناسبة هناك نقطة أتمنى لو قمتم بتوضيحها لي، و تتعلق بعملية البث 

التفت إليه الجميع في تساؤل فأضاف مستفسرا:
- بخصوص الطاقات التي سنقوم ببثها عبر شبكة الإنترنت، مع أحاسيس الدكتور( رشيد
) التي اقترنت بها، ألن يستقبلها العالم كله ؟ في هذه الحالة سيشعر بها الغير
العربي أيضا !

أجابه الطبيب النفسي ( ياسين ) ببساطة :
- عملية البث ستتم بشكل انغماسي على شبكة الإنترنت يا صديقي، و من الطبيعي و
الحال هكذا أن تنتشر هذه الطاقات عبر فضاء النت إلى كل بقاع العالم ولكن لن
يتفاعل معها الجميع لأن تلك الطاقات النفسية خاصة للغاية، إنها مجموعة أحاسيس
معقدة استخرجناها من إحدى كتب أشهر العلماء العرب التي لن تستطيع الشعوب الغير
عربية فهمها مهما حاولت وبالتالي لن تستجيب لها لأنها ليست من صميم أصلها 

أومأ ( علاء ) برأسه إيجابا فصمت الجميع و تطلعوا إلى ( رشيد ) في ترقب ، هذا
الأخير هتف و هو يعتدل واقفا :
- ماذا ننتظرون إذن يا رفاق .. لنبدأ عملية البث . هيا على بركة الله ..

لم تمض دقائق فقط حتى انطلق العد التنازلي لبرنامج البث الإنغماسي عبر شبكة
الإنترنت الخاصة و لم يكد ينتهي العد حتى انطلق فيض من طاقات عربية خالصة يمخر
في عباب النت بمنتهى القوة ، طاقات تعبر عن مشاعر عربية كادت تضمحل اليوم،
طاقات عن الشهامة .. المروءة .. الشجاعة .. الصدق .. الوفاء .. و النخوة ..

طاقات ستستفيد من تكونولوجيا الإستشعار و الإحساس التي صارت شكبة الإنترنت
تتميز بها في هذا العصر لتعيد للعرب ما هم في أمس الحاجة إليها، مبادؤهم ..

وحينما يتم ذلك، يمكننا أن نقول وقتها فقط أننا قد بدأنا المعركة فعلا ..
معركة التغيير ..

معركة بين التاريخ و الحاضر .. التاريخ العربي الملىء بالبطولات و الحاضر
المتطور .. معركة بين الحقيقة و الزيف .. معركة بين آلات براقة و أوراق شاحبة

Please reload

© 2010 by sanadworld.com 

  • Twitter Clean
  • Grey Instagram Icon