أيها النجم - بقلم محمد سعيد فرج العمران - السعودية

غمر العرق جبينه فراح يجففه بمنديله في حركة عصبية وهو يدفن رأسه في وسادة
المقعد المائل ويغمض عينيه بقوة ليبعد فكرة أنه بعيد عن منزله ببلايين
الكيلومترات و عن موطنه و يبعد كل المخاوف الدفينة في كيانه. \" لا تقلق يا
(نيل) .. المركبة تدار بأحدث التقنيات وسوف يتم الهبوط بسلاسة \" كذا قال الرجل
الذي يجلس في مقعده الخاص بجانب مقعد (نيل) , ظل الأخير صامتا و لم يصدر منه
سوى صوت ازدراد لعابه . فاستطرد الرجل \" هبط الكثيرون قبلنا على الكواكب
القريبة من كوكبنا , ليس الأمر إلا تجربة أخرى يا رجل ولسوف ننجح ونعود إلى
ديارنا \" . صوته الواثق الهادئ جعل (نيل) يطمئن قليلا و يهمس : لكننا أول من
سيهبط على هذا الكوكب القزم يا (اروين) وهذا يقلقني ويرعبني خاصة أنه أبعد من
بقية الكواكب التي هبط عليها من قبل ! حملق (اروين) في الفضاء اللانهائي و
ابتسم وهو يرى نجوم لا تحصى تمتد أبعد من إدراكه ومجال رؤيته وراح يدندن \"
..يضيع المسافر في الظلام لولا ضوئك أيها النجم.. \" . ابتسم (نيل) رغما عنه و
أكمل وهو يرمق السجادة السوداء والنجوم اللامعة \" ما كان ليدل طريقه لولا
نورك أيها النجم \" ضحك الاثنان و استرخيا و هما يحدقان في الكوكب الظاهر على
شاشة الكومبيوتر و الذي سيهبطان عليه بعد بضعة أيام .
تم الهبوط بسلاسة على الكوكب الصغير , إنه أكبر من حجم أي كويكب و أي قمر و
لكنه أصغر من بقية الكواكب . قال (اروين) : يشير جهاز الكومبيوتر أن كوكب
(Geia) تبلغ حرارته 70 درجة تحت الصفر و مناخه يحتوي على نسبة لا تذكر من غازات
كثيرة مثل ثاني أكسيد الكربون لكن الغالبية العظمى هي لغاز الآرجون و
النيتروجين . ثم أشار على نقطة في الخريطة الإلكترونية و أردف : له قمر واحد
(Luna) ولا يوجد إشارة لأية حياة على قمره لذا أملنا في الكوكب كبير خاصة وجود
نسبة من الأكسجين فيه . و الصور التي التقطتها الأقمار الصناعية التي أرسلت من
قبل تثبت وجود مسطحات مائية متجمدة تمثل ما يربو عن 80 % من حجم الكوكب , أضف
إلى كونه من ضمن أقزام الكواكب فإن عملية استكشافه و إرسال حملات إليه ستكون
أسرع من أي كوكب تمت زيارته من قبل . غمغم (نيل) : ماذا عن الجاذبية ؟ أجاب
(اروين) في سرعة : لا داعي للقلق سوف نسير دون أثقال عليه لكننا سنحتاط لكل شي
ونحمل معنا كل ما يلزم داخل العربة المخصصة لجمع العينات و الصخور. دلفا لغرفة
معادلة الضغط تمهيدا لخروجهما من المركبة والهبوط على سطح الكوكب فاستفهم (نيل)
: كم سنمكث هنا ؟ قال (اروين) : هذا الكوكب يومه يبلغ 13 ساعة ليلية و 12 ساعة
نهارية ونحن نحتاج لثلاثين ساعة لجمع العينات المطلوبة إذا سنقضي يوما كاملا
وبضع ساعات لكننا لن نشهد شروقا ولا غروبا فهذا الكوكب تغير مداره فلم يعد
قريبا من الشمس , بالمناسبة العواصف الثلجية بالخارج ليست خطيرة لكننا لن نجازف
بالابتعاد عن العربة حتى لا نضيع . ابتلع (نيل) بقية أسئلته إذ كان مضطربا
قليلا و أدار الأجهزة في بزة الفضاء الخاصة به وكذلك الأجهزة التي في العربة
التي ستقلهما طيلة فترة الاستكشاف .
(لو تم إرسال عربة آلية لجمع العينات لكان أفضل) كذا جاء صوت (نيل) عبر جهاز
الإرسال فرد (اروين) ضاحكا : كانت هذه هي الخطة الأولية لهذا المشروع ! ثم بدأ
السؤال الخطير يتشكل ماذا لو حدث عطل ما للعربة الآلية ؟ في تلقائية رد (نيل) :
سوف يتم تجهيز و إرسال رحلة أخرى تكلف مبالغ فلكية لاستعادة المركبة و ستعلم
بقية الدول بمشروعنا و يبدأ سباق جديد للحصول على مصادر الطاقة من هذا الكوكب.
\"بالضبط\" كانت هذه من (اروين) الذي كان يلتقط بعض الصور ثم أكمل : حتى نحن
لسنا متأكدين بوجود مصادر طاقة تكفي دولتنا ولسنا مسئولين عن احتياجات باقي
الدول . كانت العربة تسير بسرعة تسمح لراكبيها بالتقاط صور ممتازة للبيئة
المحيطة بهما رغم الأعاصير الثلجية القوية , \" انظر\" كذا قال (اروين) ,
فالتفت (نيل) نحو المكان الذي أشار إليه زميله ليرى كهفا , في بساطة رد \" ما
المشكلة يا رجل ؟ كل الكواكب تملك كهوفا وصحاري و جبال هذه بيئة جغرافية لابد
منها ! \" جاء الصوت مشوشا في جهاز الإرسال الخاص بـ (نيل) إذ كان صديقه يصرخ :
يا للجحيم لا أقصد أي كهف ! انظر جيدا . أوقف (نيل) العربة ونزل منها وضيق
عينيه ليرى بشكل أوضح فألجمت الدهشة لسانه و اتسعت عينيه من هول ما رأى ! إذ
شاهد قرب الكهف يد تمثال ضخمة تمسك مشعلا مدفونة بين الثلوج . غمغم (اروين) :
مؤكد أن الأقمار الصناعية لم تلتقط هذا المشهد و إلا تغيرت النظرة العامة لهذا
الكوكب القزم ! كانا يسيران في بطء نحو اليد العملاقة و سلك معدني يمتد من
بزتيهما إلى العربة يمثل لهما حبل النجاة حرفيا حتى لا يضلا الطريق مطلقا وسط
هذه العواصف التي راحت تزداد شراسة , قال (نيل) : هذا يعني وجود حياة ما على
هذا الكوكب , أو ربما وجدت حياة قبل قرون . جاءه صوت (اروين) عبر الجهاز غير
واضحا لكنه مفهوم نوعا ما : هناك أساطير تحكي عن أصل الخلق أنهم جاءوا من هذا
الكوكب بعد أن غمره طوفان عظيم . كانا يستكشفا اليد الممسكة بالمشعل في استغراب
إذ كان مألوفا لديهما فردد (اروين) : يا للجحيم , إنه قطعة من تمثال (الحرية)
الموجود في دولتنا ! اتجهت عينا (نيل) نحو مؤشر الأكسجين ليتأكد أنه لم ينخفض و
أنه لا يمر بهلوسة بسبب ذلك ! فشاهده في المعدل الطبيعي فتمتم : هذا حقيقي !
قال (اروين) : سوف نعود للعربة ونجلبها هنا وسوف نستكشف الكهف , من يعلم قد نجد
شيئا هاما هنا ! 
حين دخلا الكهف كان دافئا و لكنه أيضا مظلم لدرجة ما فاستعانا بمصباحيهما
وانطلقت شهقة من حنجرة (نيل) ! إذ كانت الجدران مليئة برسوم بدائية . رسوم تمثل
أشخاصا حمر يصطادون ما بدا كأنه حيوان ضخم و أشخاص صفر يزرعون شيئا ما ويصطادون
من المياه أسماكا و أشخاص سود يحتمون بكهوف بينما أشخاص بيض يلقون عليهم ما
يشبه قنابل كبيرة من طائرات مروحية ! بينما كانت الرسوم التي يطالعها (اروين)
تثير العجب ! مخلوقات فضية تركب شموسا مضيئة و تهبط في معبد ما بدا شكله كهرم
وثم رسوم أخرى لذات المخلوقات تأخذ معها أشخاص من المعابد . ثم رسوم لما بدا
لهما كأنها خرائط جغرافية و أخرى خرائط فلكية تبين حركة النجوم و الأقمار و
الكواكب ! ورسوم أخرى لبشر يرتدون ما يشبه ملابس الغوص ! كانا تحت تأثير الدهشة
فلم يلتقطا أي صورة لما يرونه . ولم ينبسا ببنت شفة بينما تحسس (اروين) الجدار
وهو يشاهد ما يشابه السلم الموسيقي . فالتفت نحو (نيل) الذي كان يتلفت غير
مصدقا لما يراه . بعد لحظات من الدهشة المشوبة بالحيرة و الفضول تردد صوت (نيل)
عبر جهاز الإرسال الخاص بزميله (اروين) : خلق آخر نشأ هاهنا قبل مئات الآلاف من
السنين ؟! كل شيء يبدو كذلك ! لقد كانوا متطورين بدليل وجود ما يشابه الطائرات
و القنابل ! قال (اروين) : لن يصدقنا أحد سوف نلتقط الصور بعد جمع بضع عينات
سوف نعود لهذا الكهف لاحقا , أنا مبهور مثلك لكننا نملك 30 ساعة أضعنا منها 3
ساعات هنا . ولسوف نعود بعد أن نتم مهمتنا . كذا قال لزميله لكن أذنه لم تسمع
رد زميله بالموافقة لقد كانت مشغولة بالإنصات لصوت ما , ربما هو صوت الريح . 
توقفا قرب مرتفع صخري وبدئا يجمعان عينات صخرية , ثم جمعا عينات من المياه
المتجمدة من البحيرة القريبة من الكهف , وحفرا في الأرض كي يجمعا رمل هذا
الكوكب و التقطا صورا لكل ما احتاجوه و جمعا كل شيء لكن شيء واحد ظل يلوح في
أفق أفكارهما . الكهف ! نعم المكان الذي أذهلهما وجعلهما يشعرا بمدى اتساع هذا
الكون ومدى ضيق أفق الإنسان الذي يحسب أنه الأذكى و الوحيد الذي يحيى في هذا
الكون . هنا خلق قديم عاش ومات في هدوء وترك أطلالا و آثارا خلفه وهاهو قد
اندثر. ما الذي يجعل كوكبهما شاذ عن هذه القاعدة ؟ لا شيء سوى ضباب الغرور الذي
يحجب عنهما فكرة كهذه . وفي صمت عادا للعربة ومن ثم إلى المركبة ولم يتبادلا
كلمة واحدة طيلة ذلك الوقت واكتفيا بالتفكير و الإنصات لصرير الرياح الباردة و
الخوض في مستنقع الحيرة و الاستغراب .
\" المياه مشبعة بالإشعاعات النووية ؟! \" كذا تمتم (نيل) ونظر في هلع نحو
زميله الذي ردد في دهشة : ربما هناك خطأ ما بل لابد من وجود خطأ المياه نقية قد
تكون هذه العينة تعرضت لإشعاع ما.. قاطعه (نيل) وهو يبتسم في عصبية : انظر
للمؤشر لترى أنه معدل معروف لنا . لقد تم رمي مخلفات نووية في هذه المياه يوما
ما ! هذه المياه غير صالحة للحياة ولا للشرب طبعا ! استعاد (اروين) بعض الرسوم
التي شاهدها في الكهف وقال : يوجد رسوم تدل على وجود سمك و حيتان كذلك أي أنها
وجدت حياة, لكن أن تخبرني أنهم ألقوا فضلات نووية في مياه المحيطات و البحار كي
يقضوا عليها فهذا جنون ! ربما علينا البحث عن عينات أخرى للمياه المتجمدة فنحن
لم نحصل سوى على عينات من بحيرة ولدينا هنا مسطحات مائية لا تنتهي لنحللها نحن
أو من يأتي بعدنا . قال (نيل) أتمنى أن نعود للكهف فلم نعد نملك سوى 8 ساعات
قبل العودة و أنت تعرف القوانين الصارمة , المركبة ستعود تلقائيا بمجرد أن تمر
الثلاثون ساعة الخاصة بالرحلة لذا سوف نذهب بسرعة ونعود بسرعة . قال (اروين)
العينات كلها موجودة سوف نلتقط صورا للكهف و يد التمثال المطمور تحت الثلوج و
كذلك صورا لرسوم الكهف. 
بمجرد أن وصلا للكهف كانت الرياح قد بدأت تهدأ نوعا ما و بدأ دفء الكهف يبث
قوته في جسديهما فبدئا يلتقطا صورا كثيرا لكل شيء ولكل تفصيل صغير ولكل رسم
وخريطة شاهداها ثم سمع (اروين) صوت اعتقده للوهلة الأولى أنه صوت الريح ثم أنصت
وهو يحبس أنفاسه ليصل تحليل الصوت لذهنه كاملا ! هذا خرير مياه ! هناك نهر ما
هاهنا . ازدرد لعابه ثم هتف عبر جهاز الإرسال : (نيل) لقد سمعت صوت خرير ما ,
هناك نهر بداخل الكهف و أنا واثق أنها ليست الريح . انتظر قليلا فلم يسمع ردا
من زميله استدار ليجد نفسه وحيدا في الكهف ! هتف عبر الجهاز : أين أنت يا رجل ؟
هل عدت للعربة ؟! لا إجابة لكن آلة التصوير الخاصة بزميله ملقاة على الأرض .
بدأت ضربات قلبه تزداد و الذعر يدب في جسده فجد السير قاصدا العربة فلم يجدها
ويبدو من الآثار أنها كانت تسير باتجاه ما يبعدها عن الكهف وعن المركبة ! صاح
في ذعر (العربة !) ثم استدار نحو السلك المعدني الذي يربطه بالعربة فوجده مقطوع
و بدأ يدرك سوء الموقف وحيدا وسط العواصف الثلجية . أراد أن يركض خلف آثار
العربة فشاهد آثار كثيرة لأقدام صغيرة و متناثرة بالقرب من مدخل الكهف ! ليست
هذه الآثار له أو لزميله إذ أن العواصف تمسح الآثار بسرعة لكنه لا يصدق أنه
يوجد مخلوقات تسير في هذا الصقيع بل يوجد أثر لشيء ما يسحب على الثلوج ! شيء ما
أم نقل شخص ما ؟! كذا فكر (اروين) فانطلق بما تسمح له لياقته من سرعة خلف هذه
الآثار و في أقل من نصف دقيقة شاهد خوذة زميله مهشمة وملطخة بالدم وملقاة خلف
الكهف ويرى الآثار مستمرة , عينيه تحدقان بمعدل الأكسجين فيجد أنه يملك وقت كاف
ليعود للمركبة فقط لو كان يدل موقعها لكنه لن يستطع ترك زميله هنا ! لن يصدق
أحدهم أن زميله اختطفه فضائيين على كوكب ما . هتف في جهاز الإرسال مجددا :
(نيل) هل تسمعني ؟ (نيل) أجبني ! (نيل) .. اللعنة (نيل) ! كذا راح يصرخ وهو
يسير مقتفيا الآثار على الأرض .
الوحدة الضياع الألم الرعب مفردات حفرت نقشها على لوحة (اروين) النفسية فلم يعد
يملك من الأكسجين ما يكفي حتى يعود إلى المركبة و لا كي يتبع آثار الأقدام التي
أخفتها الريح . سقط على الأرض , ظلام يغلفه بينما الأكسجين يتناقص سمع الأغنية
تتردد في ذهنه المكدود \" ..يضيع المسافر في الظلام لولا ضوئك أيها النجم.. \"
فردد في حزن : أين أنت أيها النجم ؟! أين أنت يا (نيل) ؟...هناك هوة سحيقة تمتص
الحياة منه , يشعر بها لكنه لا يراها . الأكسجين يتناقص في سرعة وضربات قلبه
تقل , وبينما هو يشعر بالانزلاق داخل حفرة سوداء مظلمة بلا قرار خيل له أنه
يشاهد (نيل) يسير باتجاهه صحيح أنه بدون خوذة ومعه بشر قصار القامة و لكن يوجد
أيضا شيء مضيء فوقهم و.... لكن الأكسجين كان قد انتهى ومعه تسرب باقي وعي و
إدراك (اروين).
في مكان ما على كوكبهم تدور المحادثة الهاتفية 
- \" سيدي لم نسمع حرفا عن الرحلة (Atlantis) \"
- \" نعم يا سيدي لم تستطع الأقمار الصناعية التقاط صورة للمركبة , لقد
تلاشوا بلا أثر \"
- \" كلا يا سيدي لا يوجد إشارة من أي نوع ولا حتى صورة لحطام المركبة أو
العربة \"
- \" نعم يا سيدي سأبلغك بأي جديد يطرأ \" 
أغلق مدير معهد الأبحاث الفضائية سماعة الهاتف و رمى بصورة كانت في يده على
مكتبه و راح يدخن في توتر , تمتمت نائبته : لم لم تخبره عن الصورة و ما التقطته
الأقمار الصناعية يا سيدي المدير ؟! في يأس قال : ماذا تريدينني أن أقول لسيادة
رئيس البلاد ؟ اختفت رحلتنا السرية في كوكب (Geia) المعروف بكوكب الأرض القديم
؟ وأن أجساما مضيئة مجهولة المصدر شوهدت و أننا التقطنا صورة ما لشكل غريب ؟
ظلت النائبة تحدق في الصورة التي تمثل وجها كبيرا في ذات مكان اختفاء الرحلة من
على الكوكب وأنه ينظر باتجاه كوكبهم ويبدو كأنه يصرخ

 

Please reload

© 2010 by sanadworld.com 

  • Twitter Clean
  • Grey Instagram Icon