وراء الجدران - بقلم أحمد طلعت محمد - مصر

فور أن انتهيت من سنون دراستي  في كلية الطب  كُلفت بالعمل في إحدى القرى
الريفية البعيدة عن مسقط رأسي ، وحقاً لم أغضب أو أتذمر بل على العكس تمامًا
لقد سرتني التجربة المقبلة ..
ووجدتها فرصة سانحة للخروج من قلب العاصمة المزدحمة المثقلة بأعبائها .
وعندما استقر بي المقام في الاستراحة الخاصة .. توجهت إلى الوحدة الصحية .. وقد
استرعى انتباهي أمرا ً ما ؟ .. القرية كانت ساكنة هادئة شحيحة بالبشر ، والشباب
على الأخص !.. ولاحظت تجمع لحشد من النسوة أمام إحدى المنازل الكائنة على ضفاف
خليج مائي صغير ، وهن يصرخن صرخات ملتاعة واهنة .. وقد خلت في بادئ الأمر أنها
حالة وفاة .. فاستفسرت من طفل صغير فاخبرني  بعفوية طفولية : \"باختفاء شاب من
أهل الدار\" ؟!..
أردت أن استوضح  الأمر ولكنني تجاهلت رغبتي بعد طول تردد ..  
  فالكل يرمقني بنظرات عجيبة غير مفهومة مما أورثني شعورا ً بالقلق والتوجس  ..
وخاصة حينما تساءلت عن موقع الوحدة .. وهذا عكس الطبيعة البشرية الريفية
المتعاونة الودودة الطيبة وأحسست بجفاء عجيب كأنني ضيف ثقيل غير مرغوب فيه ؟ ..
في النهاية كنت أمام الوحدة  المكونة من طابقين أرضى وعلوي .. سرت فيهما
الرطوبة  ورسمت خطوط وتشققات طويلة وعريضة  تشي بيد الزمن العابثة .. التي تركت
بصمتها الخالدة . 
و كان في انتظاري التمرجي الطويل  ذو الجسد البدين والشارب الكثيف والعيون
الواسعة الناعسة التي تخفى في قرارها مزيجا ً عجيبًا  يجمع بين الغموض والخوف و
الطيبة ! .. والحق يقال لقد خالجني أحساس سيء حيال هذا الرجل ولست أعرف لم
باغتني هذا الإحساس فجأة .. !  فقال الرجل في حبور مصطنع لم يخفى على :
- مرحبا ً بك يا دكتور (هيثم) .
رددت التحية بأحسن منها كي أذيب حاجز الثلج الذي تكوم فور وصولي  .. وتطلعت إلى
الوحدة من الداخل ..  لقد كانت مكونة من رواق طويل لا يتعد الأمتار العشرة طولا
ً والثلاثة عرضا ً .. وغرفتين متقابلتين في الطابق الواحد .. أي أربع غرف في
الوحدة برمتها ..  واخبرني التمرجي  المدعو ( حسن) بأن المدير خارج القرية  في
إجازة قصيرة وإنني سأتبع العمل بنفسي إلى يأتي هو تاركا ً لي دفة الأمور .
ومن فوري كنت في مكتبي .. وبعد فترة من الضجر الذي تسلل إلى كياني .. أسدل
الليل أستاره .. وغرقت القرية في بحر من الظلام .. عدا قرص القمر الفضي الذي
بدد النذر اليسير من ظلمة القرية .. فتمطعت بجسدي وتثاءبت وقد خلتها ليلة طويلة
مضجرة بلا نهاية وفجأة ...
اقتحم (حسن) مكتبي بعنف صائحا ً :
-    حالة طارئة .
نهضت من على مقدى فزعا ً.. فصحت به بلهجة صارمة تحمل نبرة الغضب لدخوله الفظ :
-    أين؟؟
-    في غرفة العمليات .
من فوري نزلت إلى الطابق الأرضي  ، فطالعتنى فتاة شابة جميلة رقيقة الجسد ،
مفترشة لسرير وقد تخضب الفراش ببقع من الدماء المتدفقة من جرح غائر في صدرها
.. والتي امتصها جلبابها  .. وكانت فاقدة الوعي ..  فتساءلت منزعجا ً:
-    ماذا أصابها ؟ 
غمغم (حسن) في توتر يحمل نبرة غامضة قلقة :
-    لقد وجدها الأهالي على قارعة الطريق ، ويبدو أنها قد طعنت نفسها بذلك
السكين  ، ثم أشار إلى سكين رفيع ذو لون أزرق داكن !.. نصله ملوث بالدماء
ومازلت الفتاة تقبض عليه بشدة ، ولم تتخل عنه كأنه التصق بها .
-     حالة انتحار إذاً حريا ً بنا أن نبلغ الشرطة.
صاح مفزوعا ً :
-    لا داع لذلك ، فضابط القسم لن يكترث لها ! فهو في مهمة خارج القرية
إضافة إلى إنها فتاة غريبة ربما هي  من قرية مجاورة فلم ألمحها قط ؟!..
لم اكترث لعبارته التي تحمل مزيجاً من الاستهتار  والجهل .. في حين أسرعت أقيس
نبضها وطلبت من (حسن) أن يجلب لي  أدواتي  فقد كان الجرح سطحي ولم يمس قلبها
لحسن الحظ  ..

  فشرعت في تنظيفه وتقطيبه في سرعة و احترافية ..
وتلوثت أناملي بدمائها المنبثقة من صدرها في غزارة .. وقد خلت أن سيل دمائها لن
يتوقف في سهولة .. وما إن فرغت حتى  جففت يداى بمنديل ورقى ..  ثم  مددت أناملي
برفق  ، وحرص لأنزع منها السكين منتهزا ً فرصة نومها المستكين جراء الدماء
الغزيرة التي سالت منها وأنهكتها .. فانتفضت الفتاة !!..  وانتفضت بدوري فزعاً
!!.. وفتحت الفتاة عينيها في بطء وتطلعت إلى بنظرات نارية مخيفة  تسارعت لها
دقات قلبي !.. ثم قالت بصوت واهن :
-     ستندم على فعلتك أيها الشاب ؟!..
لم انبس ببنت شفة  و لم أفهم شيئا ً  مما قالت ، فهي تخاريف غيبوبة يقع فيها
المريض عادة .. فدنوت منها مهدئا ً من روعها .. وقد لمست في عيناها الرماديتين
بحرا ً عميقا ً من الأسرار فهمست :
-    رويدك ، أنت بخير اخلدي للنوم فأنت في حاجة إليه و ... قاطعتني هامسة :
-    ستندم ، ستندم ؟! ..
تفوهت بعبارتها الغامضة وهوت في بئر الغيبوبة .
                                                 * * *    
لم أشأ أن أعود إلى الاستراحة .. وفضلت البقاء في مكتبي إلى أن تفوق المريضة من
غيبوبتها .. وعرض (حسن) البقاء إلى جواري ..  ولكنني  طلبت منه أن يرحل إلى
زوجته وأطفاله .
أما أنا فشاب وحيد يحظى بالقليل من الوسامة لم يتزوج بعد !!..  وحتى لو ذهبت
سيقتلني الملل فالوحدة أمرا ً صعبا ً لكل من هو على شاكلتي ممن اعتاد السهر
واللهو والخروج في المدينة الساهرة والتي لا تنام .. أخرجت علبة سجائري ..
وأشعلت واحدة ورحت أنفث دخانها في تلذذ .. 
وسحبت كتيبا ً صغيرا ً من حقيبتي الصغيرة وبغتة ... صوت أنثوي  هامس يدوى في
أذني :
-    أرحل من هنا ، أرحل من هنا ؟! 
انتفضت كأن \"تيار كهربي سرى عبر أذناى\" ! واحتبس الدخان في صدري فسعلت بقوة
ونهضت من على مقعدي ورحت أجوس المكتب ببصري بحثا ً عن مصدر الصوت  بلا جدوى
؟؟..
و المدهش أذناى ميزت رنة الصوت إنه نفس الصوت الأنثوي الذي تفوهت بها الفتاة
الراقدة في غيبوبتها .. 
فتغلبت على خوفي في سرعة ..  وأسرعت إلى الفتاة ..  واقتحمت غرفتها بعنف ..  و
لمحتها على الفراش راقدة عليه وغارقة في غيبوبتها ..
فتسمرت أمامها للحظات .. وأنا أحدق في ملامحها الجميلة الهادئة .. وقد أصابتني
\"سهام القلق والحيرة الممزوجة  بسموم الخوف والرعب\" .. وبعد برهة نفضت الأمر
من رأسي ، و مضيت إلى مكتبي .. ورحت أحملق و أفحص كل شبر فيه .. عسى أن أهتدي
إلى منبع الصوت الذي سمعته ! ..  فضجرت من البحث فعدت إلى مكتبي وجلست على
مقعدي المتهالك مطلقا ً زفرة حارة  .. وقد عزوت الأمر إلى إرهاق وتعب فهيأ  لي
عقلي تلك التخاريف ...  و بغتة ..
  صوت طرقات رهيبة يدوى على جدار المكتب المواجه لي ؟!..  وانبعج الجدار نفسه
من فرط الطرقات الرهيبة ! ..  كأنه \"مصنوع من القماش\" !!..
  فهويت من على مقعدي  من فرط الذعر والرعب .. واحتبست الصرخات في حلقي وانكمشت
فى ركن الحجرة ..
وراحت الطرقات تتوالى على الجدار ..
فأحسست بزلزال رهيب ينفض الغرفة من حولي .. كأن جدرانها ستنطبق على رأسي
لتسحقني سحقاً  ..
وبغتة ... عاد كل شيء إلى طبيعته وعم السكون أرجاء المكان وهبت ريح خفيفة محملة
بعبق الياسمين النابع من الحقول القريبة .. وتصلبت مكاني للحظات قصيرة \"التقطت
فيها أنفاسي الهاربة وبذلت قصارى جهدي في لملمة شتاتها المتناثرة\"..
ومن فوري عزمت على الهرب إن في الأمر شيئا ً شيطانيا ً .. أسرعت صوب الباب
وفتحته و... وجدت (حسن) أمامي بوجه  صامت مكفهر ! .. ففزعت وتراجعت ثم لم ألبث
أن تمالكت نفسي وصحت بصوت لاهث منفعل :
- ماذا تفعل هنا ؟!
أجابني بصوت خشن أوجست منه خيفة :
-    خلتك في حاجة إلى مساعدة ما ؟
لست أعرف لما كتمت ما حدث لي في صدري ولم أبوح به بالرغم من بشاعته .. فتنهدت
في حيرة وقلت  في توتر :
-    كلا ، كنت بصدد العودة إلى الدار .
أفسح (حسن) الطريق أمامي .. وهو يرمقني بنظرات مخيفة ارتعد لها بدني ومشيت
بخطوات راجفة .. وقد عزمت على الذهاب إلى الفتاة المصابة وقد خالجني هاجس قوى
يهمس في أذني بأنها على علاقة بكل ما حدث لي في تلك الدقائق القليلة والتى مرت
في عقلي كدهر كامل ..  
و لكن ...  المشكلة أن هناك أمرا ً يحدث ويرغب (حسن) في التستر عليه ..
كلى ثقة في حدسي هذا فلماذا لم ينفذ أمري ويرحل إلى داره ثم أن مبرره للعودة
غاية في السخافة .. إنها خدعة ساذجة لم تنطل على و أجزم بأنه يعرف شيئا ما
ويخفيه عنى ..؟! 
ولذا يتعين على خداعه سأخبره بأنني راحل إلى الاستراحة ثم أعود إلى الفتاة
خلسة  وأعمل على إنعاشها !.. لأستفسر منها عما يحدث ..  فهناك أمر شيطاني مخيف
يحدث وأنا عازم على كشفه مهما كلفني الأمر .. التفت إلى (حسن) وقلت :
-    إني راحل .
-    سأصحبك إلى الاستراحة .
-    لا عليك ، أعرف طريقي جيدا ً .
تركته من فوري وأسرعت الخطى دون إن التفت خلفي .
                                                 * * *
حينما تركت (حسن) وعزمت على الرحيل .. ونزلت إلى الطابق الأرضي .. وجدت الرواق
طويل بلا نهاية .. فمكثت مكاني للحظات مشدوها ً مفكرا ً ثم مشيت عبر الرواق
الذي لا ينتهي .. بخطوات سريعة خائفة .. وقد سرت في جسدي قشعريرة باردة كالثلج
.. وأحسست ببرودة رهيبة تمنعني من التنفس فتثاقلت أنفاسي وأحست باختناق خفيف
مما زادنى رعبا ً ورحت أمشى وأمشى  دون جدوى .. وفجأة نفس الصوت الأنثوي يهمس
في أذني :
-    ألم ترحل بعد لقد فات الأوان ؟!
تسمرت مكاني للحظات ، ثم تموج الجدار الجيري الأزرق الباهت ، و تشكل على هيئة
أدمية مطموسة الملامح  .. وإن كانت أشبه بالفتاة المصابة ..
\"ومدت يدها  الجدارية \"  صوبي !.. فتراجعت إلى الخلف فزعا ً وأحسست بصرختي
حبيسة حلقي .. وبعد هنيهة تساءلت بصوت لاهث متقطع :
-    ما الخطب؟
-    أهرب ؟
-    لماذا ؟
-    ساكنوا الجدران يرغبون فيك ، دمائها  ... ؟!
فجأة  صرخة رهيبة رفيعة تصم الآذان ! انتفضت على إثره الفتاة وعاد الجدار  إلى
طبيعته على الفور .. وتقلص الرواق و عاد الهواء إلى طبيعته وأحسست بدمائي تسرى
في شرايننى مجددا ً .. وأبصرت (حسن) أمامي منتصبا ً و على عينيه نظرة مخيفة
ارتعد لها بدني .. فقال بخشونة :
-    الم ترحل بعد .
تمالكت نفسي بصعوبة وتمتمت متسائلا ً :
-    ما الخطب ، ما الذي يدور هنا ؟!..
-    عد إلى دارك .
لم اكترث لعبارته المقتضبة التي تحمل في رنتها التحذير والوعيد  ..
فصحت بصرامة :
-    ما الخطب يا رجل ما الذي يدور هنا سأبلغ الشرطة عن شكوكي.
لمحت شبح ابتسامة  ساخرة على ثغر (حسن) قبل يقول :
-    قلت ارحل ، فهذا أفضل لك أنت لا تعرف شيئا ً ؟!
    -  محال . 
و بدون مقدمات .... دفعت (حسن) بعيداً وركضت صوب غرفة العمليات التي تحوى
الفتاة .. ودفعت بابها ودخلت إلى الحجرة و... أبصرت شيئا ً مخيفا ً ؟!..
                                            * * *
تصلبت مكاني كتمثال رخامي .. فقد تغيرت ملامح الغرفة تماما ً .. وتحولت إلى
غرفة صخرية .. أشبه بكهف مظلم مخيف تضيئه مشاعل باهتة ..  وأحسست برجفة رهيبة
تسرى في عروقي .. فتلفت حولي فلم أر أحداً حتى الباب الذي دلفت منه اختفى بدوره
.. أرى ظلال هياكل بشرية متموجة منعكسة على الجدران  وملطخة بالدماء الحمراء ..
تبث الخوف والرعب في نفسي !..
  وبعد لحظات .. تناهى إلى مسامعي وقع خطوات بطيئة تقترب حاولت أن أتبين مصدرها
دون جدوى .. لمحت بشريا ًيدنو منى .. قدماى متصلبتان .. لا أقوى على حراكهما ..
وانكسر حاجز الظلام عن الوجه ..
  ودلف إلى حيز الضوء ! ..
وكانت هي نفسها  الفتاة !..
تمشى صوبي بقوة وثقة كأنها لم تكن مصابة ؟ والمخيف أنها تحمل في يدها نفس
السكين  .. التي انتزعتها منها عنوة  ؟! .. و على شفتيها ابتسامة باردة مخيفة
!..
تشهر السكين ببطء خيط رفيع من الدماء يسيل من نصله .. قلبي يخفق بعنف قدماى
متحجرتان في الأرض ..
ارغب في الفرار تدنو منى أكثر وأكثر .. ترفع السكين تهم بغرسه في صدري وتهوى
عليه بكل قوتها !..
* * *
بغتة ... يد بشرية تقتحم محيط الكهف وتنتزعني منه قبل أن يهوى السكين .. وعدت
إلى الضوء مجددا ً وغشى بصري للحظات .. ورحت الهث بشدة وأنا أجاهد للحصول على
أنفاسي  الهاربة المتمردة ، وكشفت عن هويت منقذي إنه  (حسن) يرمقني بنظرة غاضبة
.. وأبصرت الفتاة راقدة على فراشها وغارقة في سبات عميق ..  فصاح هذا الأخير في
غضب :
-    الم أقل لك أن ترحل .
تمالكت نفسي بصعوبة ، و تساءلت :
-    ما سر تلك الفتاة ؟!
تجاهلني (حسن) للحظات ولمحت الشرر في عينيه ..  وقد خلته سيضربني ثم لم تلبث أن
لانت ملامحه وتنهد في عمق قبل أن يقول في تأثر بعد أن لمح في وجهي إصرارا ً على
معرفة الأمر برمته :
-    إنها قصة طويلة مفادها  أن تلك الفتاة لها توأم شرير كانت تمارس طقوس
السحر والشعوذة ، وكل تلك الأمور الرهيبة والتي  تثير الذعر والرعب في نفوس
الفلاحين ، بدافع الانتقام من شاب أحبته فغرر بها ، و اختفت الفتاة منذ فترة
واختفى الشاب الذي هامت به دون إثر ؟..
  واختفى غيره من الشبان !.. ويقال : أن شقيقتها  الشريرة ترغب في توأمها  بحكم
ارتباطيها ببعضيها البعض  أو أنها تستمد منها قوة روحية عجيبة  تساعدها في أمور
السحر .. ولكنها رفضت مرارا ً وتكرارا ً .. مما أصابها بجنون مخيف جعلها تقدم
على الانتحار حتى لا تشارك شقيقتها ذلك العالم الآخر ... سكت للحظة قبل أن يضيف
همسا ً :
-    وراء الجدران .
ساد الصمت للحظة بعد عبارته الأخيرة ، قبل أن يتابع :
-    وظهورها المتكرر في الآونة الأخيرة يعنى أنها عازمة على الظفر بضحية ما
إما بشقيقتها أو أنت ؟!
تساءلت مندهشاً :
-    لماذا أنا ؟! 
-    لست أعرف ؟ شيئا ً ما يجذبها إليك ولذا يتعين عليك الرحيل من القرية
كلها لو أمكن  .
تسمرت مكاني بعد أن اجتاحتني عاصفة من الأفكار المخيفة .. والتي أزكت نار الرعب
والخوف في عقلي وفضلت أن استمع لصوت العقل المتمثل في كلمات (حسن) .. 
فكل ما حدث يدل على قوة خرافية غير طبيعية تتلاعب بنا وترغب في الظفر بي ولست
أعرف لماذا .. ؟!
ليكن سأرحل الآن لأفر بجلدي الأمر يفوق العقل والمنطق    وبالفعل التفت إلى
(حسن) وقلت في حسم :
-    ليكن و.... 
ولكنني لم أجد (حسن) لقد اختفى بغتة ... كأنه تبخر لقد كان أمامي منذ لحظات
قصيرة و ... يا إلهي الفتاة تنهض من على فراشها في بطء مخيف وتتقدم صوبي 
في خطوات باردة جامدة  وعلى شفتيها ابتسامة واسعة ؟!.. ابتسامتها غير مريحة على
الإطلاق   إنها تضمر بي شرا ً ؟!..
ما خطبي هل أحلم ؟!..
أم أنه عبث شيطاني آخر ؟ ثم أين (حسن) ؟.. 
صرخت باسمه ما من مجيب ، أطلقت لقدماى العنان ، وركضت بكل ما أوتيت من قوة ..
وركضت و ركضت وخطوات الفتاة تدنو منى والمشكلة .. أن الرواق طويل ولم ينته بعد
أنفاسي تتلاحق في سرعة العرق ينهمر على جبيني بغزارة بالرغم من برودة الجو ،
إنه عبث شيطاني باب الخروج يبتعد و يبتعد و ... أبصرت (حسن)  أمامي تائهاً يبحث
عنى ؟! ..
اندفعت صوبه وصرخت به ولكنه لم يلتفت لي كأنه لم يسمعني ؟! .. أو أن شيء ما صم
أذناه  ودنوت منه أكثر ، وأكثر وخطوات الفتاة تدنو منى بدورها ، والمسافة التي
تفصلني عنه يسيرة سنتيمترات قليلة و ... فجأة ..
ارتطمت بحاجز خفي فارتدت إلى الخلف فزعاً مع صرخة ممزوجة بالألم والدهشة ..؟!
فرحت اطرق الجدار الخفي في قوة وجنون و(حسن) أمامي لم يراني  
الظلام يكتنف المكان ، أر نفس الكهف الصخري .. ثم لمحت نفس الفتاة تدنو منى
ببطء ولكنها لم تكن تحمل سكينا ً وعلى ملامحها الحيرة والحزن فغمغمت في إشفاق :
       -  لقد فات الأوان  لقد حذرتك . صرخت :
-    ماذا تعنين ؟!
-    لقد غدوت سجين عالمنا مثلي تماما ً أنا شقيقتها التوأم فلم أقدم على
الانتحار كما تظن فلست أنا من داويتها ؟..  لقد خدعتني وانسلت إلى عالمنا
وداويتها مثلما فعلت فدمائها تفتح عالمها ليأسرك في غياهبه المظلمة ، إنها
تقتنص ضحاياها بتلك الطريقة ، وانتحلت شخصيتي !.. وراحت تنتقم من جميع الشبان
وتسجنهم في ذلك العالم المخيف ..
ثم أشارت إلى شاب نحيل زري الهيئة يتقدم نحونا في بطء ، ثم تقدم شاب  آخر ،
وآخر ، وآخر ووجههم شاحبة داكنة فأوجست منهم خيفة في حين قالت الفتاة ببرود :
-     ولكن المشكلة الحقيقية  فيهم ، فهم جوعي فهو عالم خاوي ليس به مصدر
للغذاء ..  وهم في حاجة إلى الطعام  ليعيشوا حتى يجدوا وسيلة ما ليفروا من هذا
العالم .
لم أفهم مغزى عبارتها في البداية ثم ، لمحت ببصري عظام بشرية مكومة في ركن يلفه
الظلام ، وبدده ضوء باهت لم أعرف مصدره ، ففهمت الأمر على الفور وتراجعت في فزع
وذعر رهيب ، ورحت أطرق الجدار الخفي و(حسن) يتطلع إلى من الجانب الآخر دون أن
يراني ورحت أطرق الجدار مرات ومرات .... !!

Please reload

© 2010 by sanadworld.com 

  • Twitter Clean
  • Grey Instagram Icon