ما يحدث فى الظلام - بقلم محمد جمال محب عمارة - مصر

إنها تلك الأشياء التى تنظر من فتحة باب غرفة نومك الموارب ليلا .. عندما يكون
الجميع نيام ..

*              *               *

لم تكن منتبهة حين حدث ما حدث .. 

كانت وحدها فى المنزل مع أختها الصغيرة فى ذلك الحى العشوائى الذى يعيشون فيه
منذ ولدوا .. و كانوا مع الوقت قد إعتادوا على رائحة المجارير التى يستنشقونها
طوال الوقت و على أصوات الشاحنات الكبيرة على ذلك الطريق الذى لا تعرف إسمه و
التى تؤرقهم طوال الليل .. كانت أصغر من أن تفكر فى حياتها أو أن تتطلع إلى ما
هو افضل و ربما لم تفكر لأنها - فى حياتها - لم تر ما هو أفضل ..

كانت أمها قد تركتها لتعنى بأختها حتى تذهب و تشترى بعض الحاجيات من السوق
القريب .. و لأن أختها كانت مصابة بمرض عقلى فقد حرصت الأم على ألا تتركها
وحدها أبدا ..

أخرجت بعض الألعاب المحطمة التى أحضرتها لها أمها و التى كانت \" العروسة \" هى
أجملهم فى رأيها .. و لم تستطع عينها المفقودة أو نصف رأسها الأصلع تغيير شيئا
من هذه النظرة .. 

كان ذلك حينما لاحظت أختها الصغيرة ذات العامين تتحرك بمشيتها المترنحة بإتجاه
الباب المفتوح .. نهضت من جلستها على الأرض و خرجت لتلحق بها .. و لكن حالما
وصلت إلى الباب كانت أختها كانت قد إنطلقت تجرى بإتجاه الطريق .. 

ركضت بأسرع ما يمكنها متجاهلة الأحجار المتناثرة فى طريقها لكنها تأخرت كثيرا
.. رأت بعينين يملأهما الذعر أختها و قد بدأت فى عبور الطريق .. قيدها الخوف و
ثقلت قدماها فلم تستطع أن تتحرك لنجدة أختها حتى عندما شاهدت تلك الشاحنة
الضخمة تقترب .. و سمعت صوت نفيرها الذى يصم الآذان .. و صوت ضحكة أختها
الخافتة .. و عندها .. 

سكت كل شئ .. و كأن الهواء قد سحب من الكون .. 

فقط ترى أشخاصا يركضون بإتجاه الطريق .. فقط ترى الشاحنة التى يحاول سائقها
السيطرة عليها تصطدم بشاحنة أخرى أمامها .. فقط ترى الأشلاء المتبعثرة على جانب
الطريق .. فقط تشعر بثوبها المبلل و قدميها الراجفتين تتخليان عنها لتسقط أرضا
..

*              *               *

إنها تلك الأشياء التى ترى إنعكاسها فى المرآة و لكنك لا ترى شيئا حين تلتفت ..

*              *               *

-\" هذا البرنامج يصيبنى بالملل .. \"
قالها لاخيه متمددا على المقعد الذى يجلس عليه ثم نظر للساعة على الحائط فوجدها
الثالثة صباحا..

-\" أنا أتابعه الآن .. يمكنك مشاهدة ما تريد بعد أن ينتهى .. \"

نظر إلى شاشة التليفزيون محاولا إستكمال المشاهدة لكن البرامج الحوارية لم تكن
أبدا ما يفضل .. 
كافح للبقاء مستيقظا قليلا لكن لا أحد يستطيع الفوز فى مثل هذه الصراعات مع
النوم .. غفل لثوان قليلة و إستيقظ عدة مرات ثم أخيرا خفت صوت المحاور فى ذهنه
تدريجيا إلى أن إختفى تماما ..
لكن .. ما هذا الصفير المزعج ؟ صفير أشبه بذلك الذى تسمعه عندما يعم السكون و
كأن السكون التام شئ من المستحيلات ..

يبدو أن أخيه قد ترك النافذة مفتوحة لأنه شعر برجفة تسرى فى جسده .. نظر حوله
فوجد أخيه نائما على المقعد المقابل له .. يبدو أنه غفا كذلك .. لكن - لدهشته -
كان التليفزيون مطفأ .. كان الظلام يخيم على الشقة إلا من ضوء مصباح صغير فى
ركن الحجرة يلقى ضوءا خافتا .. سمع صوت حركة ناحية غرفة النوم .. إستدار فى بطء
و نظر خلفه فوجد من يقف أمام باب الغرفة .. ببعض التمعن فى ملامحه علم أنه أخوه
.. إرتبك تماما فنظر مجددا إلى المقعد المقابل فوجد أن أخاه مازال نائما كما
كان .. لكن كيف يكون أخوه فى مكانين فى وقت واحد ؟ .. عاد ببصره إلى الواقف
فوجده يبتسم .. لكن إبتسامته لم تكن طبيعية .. إبتسامة مبالغ فيها .. إبتسامة
من الأذن للأذن لو صح القول .. إبتسامة من النوع الذى يلقى الفزع فى القلوب ..
من النوع الذى تجحظ فيه العيون و تحس أن جانبى الفم على وشك أن يتمزقا .. ثم
بدأ يتحرك .. يقترب فى خطوات ثابتة و الإبتسامة ما زالت على وجهه .. و عندما
وصل إلى المقعد مد يديه و .. 

إستيقظ فزعا على يد تهزه .. كان أخيه يدعوه للنوم بالداخل .. نظر إلى وجهه لكن
الإبتسامة المخيفة كانت قد إختفت و حل محلها نظرة ناعسة .. 

حكى له كل شئ عن ذلك الحلم و كيف أنه بدا حقيقيا لدرجة مربكة تجعل التأكد
مستحيلا .. و لكن أخاه بدا مندهشا و قال – بالطبع - أن شئ من هذا  لم يحدث .. و
على سبيل الدعابة حاول أن يقلد الإبتسامة التى وصفها له أخوه .. و لكن هذا لم
يبد مضحكا أبدا ..
لكنه - فى الواقع - ألقى مزيدا من الفزع فى نفسه ..

*              *               *

إنها تلك الاشياء التى لا تظهر إلا فى الليل .. إلا فى الظلام ..

*              *               *

لم تتكلم الفتاة مجددا .. 

بالطبع سبب موت الطفلة حزنا عظيما للأم و الكثير من الصراخ و البكاء على الطفلة
.. و مرت فترة طويلة قبل أن تلاحظ الأم التغييرات التى طرأت على إبنتها .. و
قبل أن تكتشف أنها لم تفقد إحدى إبنتيها فقط فى تلك الحادثة بل فقدت كلتيهما
فيبدو أن الصدمة قد ألجمت الفتاة الصغيرة .. أو ربما هو الشعور بالذنب لأنها لم
تستطع أن تساعد أختها و لم تحرك ساكنا لنجدتها و تركتها لتلقى مصيرها .. أو
ربما هو مشهد جثة أختها الذى يتكرر بإلحاح فى كوابيسها .. أو ربما هى كل هذه
الأشياء مجتمعة .. 

إنعزلت الفتاة فلم تأكل إلا ما يكفى ليبقيها على قيد الحياة .. و فى نفس الوقت
بدأت تلك الأحداث .. و كان العامل المشترك بينها أنها جميعا حدثت ليلا بعدما
أسدل الظلام أستاره .. و لم تصدق الأم أذنيها عندما تحدثت إليها أول جارة .. بل
و إستنكرت الأمر بشدة و إعتقدت أن جارتها تسخر منها .. و فى أشد الموضوعات
حساسية فطردتها من بيتها فورا .. و لكن عندما تكرر الأمر و زارتها جارات أخريات
بدأت تشك فى الأمر ..

كانت قد سمعت قصص كهذه من قبل من أمها التى كانت تؤمن بكل أنواع العفاريت و
الأشباح و ما شابه .. و قد جعلها ذلك أقرب إلى تصديق ما قالته لها جارتها عندما
حكت قائلة :

\" إستيقظت إبنتى البارحة شاعرة بالعطش و كانت الساعة حوالى الثالثة صباحا .. و
بينما هى تمشى إلى المطبخ سمعت صوتا خافتا يأتى من ناحية الباب .. إقتربت لترى
ما هنالك فوجدت أن الصوت كان صوت طرقات خافتة متلاحقة لا تكاد تسمع على الباب
..

عندما نظرت من العدسة رأت من يستند إلى الحائط كمن أنهكه التعب بعد مسيرة طويلة
و يطرق الباب بلا توقف .. لم تستطع فى البداية رؤية وجه القادم بسبب الظلام و
لكن بعد أن أطالت النظر رأت إبنتك !! \"

و بالطبع عادت الطفلة إلى فراشها ركضا و تدثرت بالغطاء من رأسها إلى أخمص
قدميها .. 
بعد تكرار القصة بدأت الأم تصدق .. تصدق أن إبنتها قد عادت إلى الحياة بشكل أو
بآخر و أنها كانت تزور من كانت تحب عندما كانت على قيد الحياة .. و لكن ما قطع
الشك باليقين كان ما رأته ذلك اليوم بأم عينيها ..

*              *               *

حبس الفتى أنفاسه لكى يتمكن من السماع بوضوح ..

فى ضوء القمر الذى تسلل من خصاص النافذة ، نظر إلى إبن عمه الذى إستلقى فى نفس
وضعيته واضعا أذنه على الأرض و على وجهه إرتسمت نظرة ترقب و رهبة .. مرت دقائق
من الإنتظار بدت كدهور قبل أن يسمعا شئ ..

فى البداية سمعا صوت صفير مزعج .. صفير كذلك الذى تسمعه عندما يعم السكون ..
لكن لم يطل الأمر حتى بدأت الأصوات .. أصوات مبهمة لا تستطيع تبينها جيدا ..
ربما بسبب صوت دقات قلبيهما الذى تعالى لحظة بلحظة أو ربما بسبب ذلك الصفير .. 

خمن الفتى أنها صوت ترانيم كالتى يسمعها فى أعياد المسيحيين .. لكن الصوت سرعان
ما تغير إلى ما يشبه أصواتا فى مأتم يتخللها صوت أناس يبكون .. نظر الفتى مجددا
إلى إبن عمه فوجد الذهول و الرعب يعلو وجهه .. و لكن عندما بدأ يسمع صوت الصراخ
لم يستطع تحمل كل هذا فرفع أذنه من على الأرض و وضعها على وسادته و تدثر
بالغطاء دون كلمة واحدة ..

تذكر الفتى تلك القصة التى حكتها له جدته يومها .. قصة عن الذين سكنوا هذا
البيت قبلهم .. 
و كيف بدأ الصراع بين رجلين فى ذلك اليوم .. لا يذكر سبب الصراع إلا أنه كان
سبب كاف لكى يصارع إحداهما الآخر إلى الموت .. و كيف أن الشرطة عثرت على
جثتيهما بعد عدة أيام .. ربما فى ذات البقعة التى يفترشها و قريبه من الأرض
الآن .. لكن الشرطة لم تجد الجثتين كاملتين .. لأن جثة أحد الرجلين كانت بلا
رأس .. فتشت الشرطة المكان بأكمله لكنها مع ذلك لم تجدها .. ثم ظهر ذلك التساؤل
و الذى أدى إلى تكون حقيقة هى أغرب من الخيال فى أذهان الجميع.. لقد قتل كلا
الرجلين .. كما أن الباب كان موصدا من الداخل حينما إقتحمته عناصر الشرطة ..
إذا فأين ذهبت الرأس ؟ .. أخبرته جدته أيضا أن أحدا لم يعثر على رأس الرجل
المفقودة إلى اليوم .. و أنه ليلا عندما يعم الصمت و إذا أنصت جيدا .. يستطيع
سماع أصوات أشباح الرجلين التى تصدر من جوانب الغرفة و من الأرض تحتهما .. ضحكت
الأسرة كثيرا و ضحك الفتى معهم  .. لكنه كان يعلم جيدا أنه لن يستطيع أن يقاوم
هذا الإغراء .. و لن يستطيع التغلب على فضوله .. و الآن هو ينظر إلى الركن
القصى من الحجرة .. يرى بعين الخيال أحد الرجلين يرفع الفأس ليهوى به على رأس
الآخر بينما يغرس هذا الأخير السكين فى صدره ..  تتراءى له صورة الرأس يتدحرج
على الأرض إلى أن يستقر مستندا إلى ذلك الحائط .. الآن هو يرى بوضوح الرأس التى
تنظر إليه بعينيها الجاحظتين فى صمت ..

*              *               *

إنها تلك الأشياء التى تنهض عندما تطفأ الأنوار ليلا .. بمجرد أن تغلق باب حجرة
نومك .. ربما تسمعها .. لكنك تتجاهلها متعمدا ..

*              *               *

فى ذلك اليوم كانت الأم عائدة إلى بيتها ليلا بعد زيارة بعض الأقارب عندما سمعت
صوتا ينادى عليها .. 

كانت إبنتها الصغيرة تقف بجانب جدار أحد البيوت و تنظر نحوها .. سمعتها تناديها
مجددا .. لكن شئ ما جعلها تعرض عن الذهاب .. ربما لأن إبنتها نادتها بإسمها و
لم تكن تلك عادتها قط .. بل أنها كانت بالكاد تستطيع النطق .. كما أن صوتها لم
يكن يشبه صوت إبنتها الصغيرة فكيف لطفلة صغيرة أن يكون لها هذا الصوت الأجش ؟
.. لهذا إلتفتت فى الإتجاه المعاكس و أسرعت الخطى إلى بيتها و هى تنظر وراء
كتفها مع كل خطوة تخطوها .. 

حكت ما حدث فيما بعد لزوجها و أبيها فلم يعرها زوجها الكثير من الإهتمام .. لكن
أباها قال لها :
\" ما رأيتيه هناك لم يكن و لا يمكن أن يكون إبنتك .. لقد ماتت .. و عليكى أن
تعلمى أنها لن تعود أبدا إلا يوم الحساب .. أما ما رأيتيه هناك فكان شئ آخر لا
ندرى كنهه و لا يعلمه إلا الله سبحانه و تعالى .. \"

حاولت الأم أن تنسى و لكنها لم تستطع .. و لم تستطع أبدا نسيان ذلك الصوت ..
الصوت المتحشرج الذى تردد صداه فى ذهنها كلما شردت .. الصوت الذى كانت تسمعه
كلما ساد الصمت .

*              *               *

إنها تلك الأشياء التى تقف الشعيرات خلف رقبتك عند تواجدها .. الأشياء التى
يصفها الجميع بـ \" بسم الله الرحمن الرحيم \" ..

*              *               *

إنفلت خيط البالون من يدى و طار فى إتجاه باب الشرفة ..

تتبعت البالون بنظرى و هو يتحرك ببطء إلى أن توقف تماما .. أسمع موسيقى خافتة
كئيبة تنبعث من مكان ما .. أكاد أجزم أنى سمعتها من قبل لكنى لا أتذكر أين مهما
إعتصرت ذهنى .. 

لفت إنتباهى رؤية شيئا يتحرك خلف الباب الزجاجى المغلق .. يدا .. يدا تتسلق سور
الشرفة مع أننا نسكن فى الطابق الرابع .. تبعها رأس فجسد كامل .. رجل ينظر إلى
داخل الشقة فى جشع .. أتبين ملامح وجهه عندما يقترب لأتيقن أنه لص .. تتضاعف
سرعة نبضات قلبى .. أصرخ بكل ما أوتيت من قوة لكن صوتى يخرج ضعيفا واهنا و كأن
حبالى الصوتية قد أعلنت إضرابها .. أنادى بأعلى صوتى على أبى ليغيثنى لكن الصوت
المنبعث لا يصل حتى إلى مسامعى .. الرجل يحاول فتح المزلاج .. أحس و كأن هناك
من يجثم على صدرى فلا أستطيع الصراخ .. وجهى يتحول إلى اللون الأحمر من الصراخ
المكتوم .. و ..

فتحت عيناى على الظلام التام .. ظلام بلا أدنى بصيص من النور يعكر صفوه .. إنه
ذلك الكابوس مجددا .. كابوس مزعج لازمنى منذ أن كنت فى السادسة و ما زال
ينتابنى حتى الآن .. 

تحسست بيدى الفراش بجانبى لكنى لم أجد أبى ولا أمى ثم تذكرت .. الليلة هى أول
ليلة أنامها وحيدا .. أصر والداى على ذلك لأنه - كما قالا - من المفيد أن أكتسب
بعض الإستقلال فى هذه السن .. شعرت بذلك الألم الحارق يحثنى على النهوض لتلبية
نداء الطبيعة لكنى لم أنهض .. بقيت قليلا فى الفراش أنظر إلى باب غرفتى و أقرر
إذا كنت أستطيع التحمل إلى أن يأتى الصباح  فآخر ما أريد هو النهوض وسط هذا
الظلام المخيف .. ففراشى الآن هو المكان الآمن الوحيد .. من يدرى ما  نوع
الوحوش و الأشباح التى قد تتواجد فى الشقة الآن ؟ .. لكنى لم أستطع الإحتمال ..
و فكرت .. إنما هى إلا خطوات إلى زر الإضاءة ثم تتبدد كل المخاوف و لا بأس فى
ذلك ..

نهضت بخطوات متثاقلة أتحسس طريقى مادا يداى أمامى لتحاشى الإصطدامات إلى أن
وصلت إلى الزر .. ضغطت .. لكن شئ لم يحدث .. ضغطت مجددا و مجددا لكن الزر لم
يستجب و ما زال هذا الظلام البارد يخنق روحى .. لابد أن المصباح يحتاج إلى
الإستبدال .. إنتظرت قليلا ثم قررت أن أكمل رحلتى إلى الخلاص .. 

أمسكت بمقبض الباب و أدرته .. لكن حالما إنفتح الباب و خطوت إلى حجرة المعيشة
أدركت أن شئ ما ليس على ما يرام .. أحسست بنسمات هواء باردة تداعب وجهى .. نظرت
ناحية الشرفة لأجد بابها مفتوحا .. أحسست ببعض القلق ينمو بداخلى .. أبى لا
يترك باب الشرفة مفتوحا أبدا .. و فجأة أحسست بمن يمر بجانبى بسرعة .. تراجعت
إلى الخلف لأتعثر فى الطاولة و أسقط على الأرض .. إعتدلت فى جلستى على الأرض
فقط لأرى ما جعل قلبى يسقط بين قدمى .. هناك من يجلس فى الظلام على الأريكة ..
أرى حذاء أحدهم .. صوت ضحكة مخيفة تتردد فى أصداء ذهنى مع تلك الموسيقى مجددا
.. الهواء يأرجح باب الشرفة ليصطدم بالحائط مرارا و تكرارا .. الستائر تتطاير
من شدة الهواء .. ضربات قلبى تتسارع .. الضحكة تتعالى فى ذهنى .. ثم ..

- أبييييييييييييييييييييييييى .. أمييييييييييييييييييييييييييييييييى

إنتظرت متقوقعا على الأرض إلى أن سمعت صوت خطوات تجرى ناحيتى و رأيت النور يضاء
من بين جفنى المغلقين .. و سمعت صوت أمى المطمئن ..

- لا بأس يا صغيرى .. لا تخف .. أنا هنا .. لا بأس ..

*              *               *

إنها تلك الاشياء التى تشعر بأنفاسها الباردة على وجهك عندما تستلقى على فراشك
.. الأشياء التى تدخل يديك تحت الغطاء لكى لا تمسك بك ..

*              *               *

-\" بعدها لم أحتمل النوم وحيدا مجددا .. حتى عندما كنت أنام بجانب والدى كنت
أرى تلك الإبتسامة الشيطانية على فمه ما أن يطفأ النور .. و من يومها لم يطفأ
نور غرفتى ليلا أبدا .. من يومها أصبت بعقدة الخوف من الظلام .. \"

- \" الحقيقة أنها قصة مثيرة للإهتمام فعلا .. \"

قالها الطبيب مستندا إلى مقعد وثير و هو يدون بعض الملاحظات ..

- \" تماما كما أخبرتك .. صدقنى يا دكتور إن الليل ليس ملكا لنا .. الظلام ليس
ملكا لنا .. كما خلق النهار لنا خلق الليل لهم .. لهذا لا يحبون أن نبقى
مستيقظين إلى وقت متأخر فى الليل .. \"

-\" إذا فقد هاجمتك هذه الأشباح أو أيا كانت لأنك إستيقظت ليلا ؟ .. هراء ..
دعنى أخبرك شئ .. هذه الأشياء هى محض خيالات .. و كل هذه القصص التى حكيتها لى
فى البداية لا تثبت أى شئ ..\"

-\" لقد حكاها لى أشخاص أثق بهم و أصدقهم جميعا .. \"

-\" جميعها خيالات و جميعها حدثت فى الظلام حيث يمكن أن ترى أى شئ تطرحه مخيلتك
.. الأم أرادت أن ترى إبنتها .. قصة الفتى الذى كان يشاهد التلفاز كانت كابوسا
لا أكثر مهما قال أنه بدا حقيقيا .. إنه \" الكرى \" أو المرحلة التى تفصل بين
النوم و اليقظة .. فيمكن أن ترى الشيطان ذاته خلالها .. أما الأخير فقد سمع
الأصوات لأنه توقع أن يسمعها لا أكثر و لا أقل .. ألم يخبرك أباك أنه هو من نسى
أن يغلق النافذة ؟ .. \"

-\" نعم و لكن .. \"

-\" ألم يخبرك أن الرجل الذى رأيته كانت ملابسه الملقاه على الأريكة ؟ .. \"

-\" نعم لكن الـ .. \"

-\" صدقنى .. إنه عقلك الذى صور لك المشهد الذى أصابك بعقدة الخوف من الظلام ..
عقلك الذى دعم المشهد بالضحكات فى ذهنك .. عقلك الذى صدق الحكايات التى مهدت
الطريق لهذا المرض و التى أخطأ والديك عندما تركاك تستمع إليها و أنت فى سن
صغيرة كهذه .. عقلك و عقلك فقط لا غير .. كل ما ترى أو تسمع عندما يطفأ النور
نتيجة نوبة من الهلع يخلقها عقلك يترتب عليها تهيؤات يساعد على خلقها جو الظلام
الذى لا تتبين فيه شئ على حقيقته .. أنت تضع الجن و العفاريت و الأشباح فى سلة
واحدة و هذا غير ممكن على الإطلاق .. \"

-\" إذا فأنت ترى أن هذا مجرد مرض آخر يمكن شفاؤه ؟ \"

نهض الدكتور من على مقعده و وقف أمامى و قال :

-\" بالتأكيد .. هناك تقنية جديدة إسمها البرمجة العصبية أو Neuro-Linguistic
Programming (NLP) لكنها ما زالت خاضعة للتجارب .. سنعمل على تنفيذها بدءا من
المرة القادمة .. و حتى إذا لم تنجح فهناك العديد من الطرق .. لا تقلق فمرضك
مشهور و يعانى منه الكثيرون غيرك .. و الكثيرون إستطاعوا أن يتغلبوا عليه أيضا
.. \"

-\" حسنا .. شكرا جزيلا لك و أراك الأحد القادم إن شـ .. \"

لم أكمل جملتى فقد إنطفأ النور فجأة .. 

نظرت إلى الطبيب فقفز قلبى .. إنها تلك الإبتسامة مجددا .. الإبتسامة التى تثير
الرعب فى قلبى .. تراجعت إلى الخلف و الدكتور يقترب منى فى تؤدة ..

-\" لـ .. لا تقترب .. إبـ .. تعد عنى .. \"

و لكنه تابع فى خطوات ثابتة .. عندها إصطدمت ساقى بتلك الطاولة .. نظرت فوجدت
مقصا ملقى عليها .. تناولته و أمسكته بكلتا يداى مهددا به .. و لكنه تابع
إقترابه غير مكترث و .. 

أضئ النور و دخلت الممرضة على صرخة الطبيب .. هرعت الممرضة إلى الباب و فتحته
لتجد الطبيب ممددا على الأرض و يداه الداميتان على قلبه يحاول أن ينتزع المقص
الذى غاص حتى المقبض فى صدره ..

-\" ماذا فعلت يا أحمق ؟ .. لقد أمرنى بأن أطفئ النور قبل نهاية الجلسة فقط
ليرى رد فعلك فى الظلام .. \"



*              *               *

كل ما ترى أو تسمع عندما يطفأ النور نتيجة نوبة من الهلع يخلقها عقلك يترتب
عليها تهيؤات يساعد على خلقها جو الظلام الذى لا تتبين فيه شئ على حقيقته .. 

*              *               *

- \" و هكذا هرعت الممرضة بالطبيب إلى المشفى و لكن ساعته كانت قد حانت ..
حوكمت بعدها بتهمة القتل غير المتعمد و ها أنا ذا .. \"

نظر إلى زميلى فى الزنزانة و قال .. 

- \" قصة جميلة يا صديقى .. صدقنى عندما أقول أن لك خيالا واسعا .. و لكن إنتظر
.. إذا كيف - إذا صح ما تقول - شفيت من تلك العقدة ؟ .. \"

- \" هذه هى المشكلة .. أنا لم أشف منها قط و لهذا حكيت لك قصتى .. و الآن هلا
تدلنى على مسئول أستطيع أن أطلب منه تركيب مصباح فى هذه الزنزانة ؟ .. \" 

 

Please reload

© 2010 by sanadworld.com 

  • Twitter Clean
  • Grey Instagram Icon