ليلاً فى المشـرحة - بقلم محمد جمال محمد عبد الغنى - مصر

هل تريدون حقا أن أخبركم كيف أصبت بفوبيا الوحدة Isolophobia ؟ ..
حسنًا .. ليكن ما تريدون ..

*    *    *    *    *
منذ فترة .. الوحدة و العزلة عن الناس كانت أملى الوحيد .. كان كل ما أريده فى
حياتى هو الإبتعاد عن هؤلاء البشر الذين يزعجونك بفضولهم و يهوون النزاع معك ..
اضطررت منذ صغرى أن أعانى من الوحدة بسبب ظروف عائلية ليس مهمًا ذكرها .. لكن
حينما تقدم بى العمر وجدت أن الوحدة حقًا نعمة لا يقدرها الكثيرون ..
سافرت بعيدًا عن عائلتى إلى مكانٍ آخر أتمتع فيه بالهدوء و السكينة .. ربما
تعتبروننى قاسي القلب .. لكننى تيقنت أن معظم العلاقات الأسرية لا تجلب لك سوى
المنازعات .. هذا قال و هذا فعل .. مشاكل لا حصر لها .. و أيضًا لم أشأ أن
أتزوج أو أنجب أطفالا .. لأن هذا – بالطبع – كفيل بأن يحطم جو الوحدة من حولى
.. و يكفينى أن الكثيرين ممن تزوجوا يلعنون اليوم الذى فعلوا ذلك فيه ! .. و
حتى أحرص على وحدتى إخترت الوظيفة التى تناسبنى تمامًا .. طبيب شرعى فى المشرحة
! .. أنهى تشريح الجثث الجديدة سريعا  .. أقوم بكتابة تقارير عن حالات الوفاة و
ما آل إليه التشريح وما إلى ذلك ..  ثم أسترخى على مكتبى و أمارس القراءة .. و
ما جعل وظيفتى تناسبنى حقا هو أننى كنت أتولى دورية ما بعد منتصف الليل .. حيث
تكون المشرحة خالية تقريبا .. و جو الوحدة يسود المكان .. قد تعتقدون أنها مهنة
مقبضة .. مشئومة .. خاصة و أنها بعد منتصف الليل .. لكننى إعتدت رؤية تلك
الوجوه الشاحبة الجامدة التى تحمل مآسى الحياة .. إعتدت رؤية تلك الأجسام
الخاوية التى كانت منذ قليل تمشى و تتكلم و تحب و تحلم .. إعتدت رؤية تلك
العيون التى – رغم كونها مغلقة – أحيانا تنظر إليك فى حقد و تحسدك على حياتك
التى لم تنتهِ بعد .. و أحيانا تنظر إليك فى شفقة و لسان حالها يقول ( ها قد
تعديت تلك الحياة البائسة قبلك ) .. لكننى لم أهتم مطلقا .. كانت وظيفتى – كما
إعتقدت – كأى وظيفة أخرى .. بإختصار .. كنت أعيش حياة مثالية .. لكن كل هذا
إنقلب تماما .. منذ تلك الأيام ! ..
كانت هناك ثلاث جثث تنتظر منى تشريحها تلك الليلة .. و هو لعمرى عدد قليل
مقارنة بجثث كل ليلة .. لذا أتممت تشريحها فى مدة وجيزة .. و كتبت التقارير على
عجل .. ثم إسترخيت على مكتبى .. أحضرت الـ ( سبرتاية ) كى أعد لى بعض الشاى و
لأستمع إلى صوتها المحبب لنفسى .. ثم أحضرت إحدى الكتب العتيقة التى أملكها  و
شرعت فى القراءة ..
*    *    *    *    * 
خطوات .. خطوات تتجول هناك فى نهاية تلك الردهة المظلمة .. خطوات هناك بجانب
غرفة التشريح التى تعج بالجثث .. خطوات رتيبة مزعجة ! .. فى بادئ الأمر إعتقدت
أننى أتوهم ذلك .. و أن الـ ( سبرتاية ) هى التى تنسج تلك الأصوات .. لذا
أطفأتها .. لكن الخطوات إستمرت و إن كانت أكثر قربًا .. و – كأى بطل فيلم
أمريكى محنك – قررت إستكشاف صاحب تلك الخطوات .. إقتربت من الردهة المظلمة
فإقتربت الأصوات أكثر إلى سمعى .. لا أعلم لما يجب أن تكون المشرحة مظلمة هكذا
.. هل لأن هذا يضيف إليها جوًا مقبضًا ؟ .. أم لأن من قاموا ببنائها علموا أننى
ذات يوم سأضطر للتجول فيها بمفردى فأرادوا أن يفزعونى قليلا ؟ .. إقتربت أكثر و
أكثر من مصدر الأصوات فى الردهة و أنا أكاد أرى ما أمامى بسبب الظلمة الكاحلة
.. و .. رأيته .. كان يقف فى الظلام .. يحدق بى فى ثبات .. يتجه نحوى بخطوات
ثابتة .. و ..
- كيف حالك يا ( داكتور ) كامل ؟ ..

إنه الفرَاش حمدى .. رجل مسن يأتى إلى المشرحة كل ليلة لينظفها ثم يغادر .. ألم
أخبركم أننى توقعت أن يكون هو صاحب تلك الخطوات ؟! .. حسنا .. أعتقد أننى نسيت
..
- بخير ..
- هل كانت الجثث كثيرة الليلة ؟ .. 
- لا .. ثلاث فقط ..
و لم أشأ أن أخوض فى حوار ممل يستنفد وقتى مع العجوز فإستدرت و عدت إلى مكتبى
.. و إلى عزلتى المنشودة .. 
لم تمض دقائق على إنشغالى بالقراءة ، حتى أزعجنى الهاتف بصوته المستفز الذى
يرجونى أن أهشمه بأقرب مطرقة إلى يدى .. رفعت سماعة الهاتف و ..
- الـ ( داكتور ) كامل ؟ .. 
- نعم .. مـ .. من أنت ؟ .. 
- أنا حمدى يا ( داكتور ) .. الفرَاش .. أعذرنى فلن أستطيع القدوم الليلة لأنى
مريض .. 
- ..............
- يا ( داكتور ) .. ؟ ..
- قلت لى أنت من ؟ .. 
- حمدى الفرَاش يا ( داكتور ) .. هل هذه أول مرة تسمع فيها صوتى ؟! ..
- لا بالطبع .. أنا أعلم صوتك جيدًا  .. لكن آخر مرة سمعت فيها صوتك كانت منذ
دقيقتين و أنا أكلمك وجهًا لوجه ها هنا .. !
- هل تمزح يا ( داكتور ) ؟ .. أنا لم أخرج من بيتى مطلقا اليوم .. 
- من فضلك كف عن التلاعب بى .. 
- أنا لا أتلاعب بك يا ( داكتور ) .. يبدو أنك متعبًا بحق و تحتاج إلى الراحة
.. 
- أنا لست متعبًا .. ربما يجدر بك أنت أن تتعالج لأنك لست صغيرًا كفاية لتمارس
تلك الألاعيب السخيفة .. 
ثم أغلقت السماعة فى غضب .. و لا أعلم لمَ تلك القشعريرة تسرى فى جسدى .. هل
حقًا صدقت أنه هناك اثنان من حمدى .. أحدهم فى بيته و الآخر هنا فى المشرحة ؟
.. بالنظر إلى حالته المادية المريعة فهو لا يعلم معنى كلمة ( هاتف محمول ) من
الأساس .. بالتأكيد ذهب إلى بيته و إتصل بى من هناك .. هذا هو الإحتمال
الوحيـــ ....
- لقد أنهيت عملى يا ( داكتور ) .. هل تريد منى شيئًا آخر ؟ ..
إبتعدت فى دهشة و شك عن الفراش و التساؤلات تحتشد بغزارة فى ذهنى .. 
- ألم أقل لك أن تكف عن محاولاتك السخيفة تلك فى التلاعب بى ؟ ..
نظر لى فى بلاهة و ذهول .. ثم .. 
- ماذا تقصد يا ( داكتور ) ؟ .. هل أنت على ما يرام ؟! .. 
- قلت لك أنا بخير .. و هيا أخرج من هنا أيها الكاذب ! .. 
فإنصرف و على وجهه الكثير من علامات الإستفهام .. أما أنا فقد كانت القشعريرة
تسرى فى جسدى كله .. و الشكوك تتوغل فى صدرى .. يبدو أن ذلك العجوز قد فقد عقله
حتى يمارس تلك الألاعيب السخيفة فى عمره هذا .. لكن هناك سؤال ما يطرح نفسه و
بشدة .. كيف ؟!! ..
*    *    *    *    *    *
فى اليوم التالى قضيت معظم النهار فى القراءة و محاولة نسيان ما حدث فى اليوم
السابق .. و تقريبًا نسيت الأمر .. إلا أن ما حدث تلك الليلة فى المشرحة جعل
الأمر يترسخ أكثر فى ذهنى .. 
ذهبت إلى المشرحة فى الواحدة بعد منتصف الليل كعادتى .. كان الفراش حمدى هناك
ينظف المشرحة .. و ما أن رآنى – و يا للعجب – إبتسم و لوح لى فى مرح .. هذا
الرجل يهوى إستفزازى بلا شك .. البارحة طردته من المشرحة و الليلة يبتسم لى فى
مرح ! .. لكن شيئًا ما كان يؤنبنى على ما فعلته بهذا العجوز أمس .. فهو ليس
شابًا يهوى المزاح .. لقد عملت معه أكثر من خمس سنوات و لم يصدر عن الرجل أى
كلمة يعاب عليها .. بالتأكيد هناك سر ما وراء ذلك .. 
بعد أن إنتهى الفرَاش من عمله أتى إلى مكتبى وقال .. 
- لقد أنهيت عملى يا ( داكتور ) .. أتريد شيئًا ما قبل رحيلى ؟ .. 
بالتأكيد هو قد نسى ما حدث البارحة .. لكن كيف بهذه السرعة ؟!
- لا .. يمكنــ ......
قطع جرس الهاتف حديثى مع حمدى الفرَاش .. لكنى توقعت المتصل فقلت للفرَاش ألا
يغادر قبل أن تنتهى المكالمة .. رفعت سماعة الهاتف و ..
- الـ ( داكتور ) كامل ؟ .. 
- ..........................
- يا ( داكتور )  ! .. 
- نعم .. نعم أنا هو .. 
- أرجوك يا ( داكتور ) إسمح لى أن أعاود العمل فى المشرحة .. فهى تعيلنى أنا و
أولادى ..
- حسنًا .. يمكنك العودة متى شئت .. 
- أشكرك كثيرا يا ( داكتور ) .. 
أغلقت سماعة الهاتف فى توتر و أنا أنظر لحمدى الفرَاش الواقف أمامى .. لاحظ
تغير علامات وجهى فقال .. 
- ما بك يا ( داكتور ) ؟ .. هل أنت متعب ؟ .. 
- لا .. يمكنك الرحيل .. 
للحظة لاحت على وجهه إبتسامة بلا معنى .. ثم غادر على عجل .. أما أنا
فالتساؤلات و الشكوك حاصرتنى مرة أخرى .. الأمر بات لا يتقبل إلا إحتمالين ..
إما أن حمدى الفرَاش له أخ توءم لم يخبرنى عنه من قبل .. أو أن الأمر بات يتعلق
بالظواهر الميتافيزيقية الخارقة للطبيعة .. لكننى أرجح الإحتمال الثانى رغم
صعوبة تصديقه .. فأمر التوءم ذلك لا يمت للواقع أو المنطق بصلة .. و حينها
تذكرت تلك الحوادث الغامضة التى قرأت عنها فى أحد الكتب .. تلك الحوادث التى
تتحدث عن أشخاص إستطاعوا أن يتواجدوا فى مكانين .. فى وقت واحد !! .. 
*    *    *    *    *    *
هناك من يزعمون القدرة على إتيانك بأخبار ناس على بعد مئات الأميال منهم و هم
أمامك .. فقد قيل عن الكاتب الأسبانى ( دى روخاس ) أنه رأى فى السويد رجلا يدعى
تلك القدرة .. فسأله دى روخاس عما تفعله زوجته – زوجة دى روخاس – فى هذا الوقت
.. فغاب الرجل عن وعيه قليلا ثم قال ..
- لا شئ .. إنها تعد فقط بعض الحلوى .. و لكى أثبت لك صحة قولى .. فقد أخفيت
خاتمها الذهبى فى خزانة قديمة بغرفتك .. 
أراد دى روخاس التأكد من قول ذلك الرجل .. فإتصل بزوجته ليسألها عما تفعله ..
فأخبرته أنها تعد بعض الحلوى .. ثم سألها عن خاتمها الذهبى فأخبرته أنها لا
تجده .. فقال لها أن تبحث عنه فى الخزانة القديمة بغرفته .. و عندما بحثت
أخبرته أنها وجدت الخاتم غير مصدقة لما يحدث !
و من تلك الحوادث أيضًا ما يحكيه الأديب الألمانى ( توماس مان ) أن مهندسًا من
أقاربه عاد إلى بيته متأخرا ذات ليلة .. و لم يكد يضئ نور البيت حتى وجد من
يجلس على مكتبه .. إقترب المهندس من ذلك الرجل ليتبين ملامحه .. ليجد أن ذلك
الرجل هو .. هو نفسه المهندس .. يرى نفسه جالسا أمامه !! .. ثم نهض شبيهه من
على المكتب و خرج و تلاشى ! .. و عندما جلس المهندس مذهولا إلى مكتبه وجد عليه
حل إحدى المسائل الرياضية التى كانت تشغله الأيام الماضية .... !! *
هناك الكثير من الحوادث الغامضة التى تتعلق بهذه الظاهرة الغريبة .. لكن أحدًا
ليس متيقنًا من صحتها .. و يبدو أن ما يحدث معى هو إحدى تلك الحوادث الغريبة
التى تقرأها فى كتب الخيال العلمى .. لكن كون تلك الظاهرة تتكرر هكذا بذلك
الأسلوب المريب .. لهو أمر يعدو إلى .. الخوف !! .. 
*    *    *    *    *    *
نهضت من مجلسى بعد أن أزلت تلك التساؤلات من ذهنى مؤقتًا .. فهناك بعض الجثث
تنتظر تشريحها .. إتجهت إلى غرفة التشريح آليًا .. ثم نظرت لتلك المنضدة
المشئومة التى تحفل بالجثث كل ليلة .. و لم تكن هناك سوى جثة واحدة مغطاة عليها
.. إقتربت من المنضدة ببطء و أزلت الغطاء و .. هل هذه تسمى جثة ؟! .. إنها
أشلاء .. أشلاء مقطعة بقسوة شديدة .. لولا أننى لا أؤمن بالخرافات لقلت أن
مذئوبًا ما هو من فعل ذلك .. فالجثة لم تقطع بأداة حادة .. بل مزقت ! .. و ..
لماذا أحكى لكم هذا ؟ .. حسنا .. أثناء تفحصى للجثة أحسست أنى لست وحدى .. و هو
شعور غير محبب فى حالتى هذه إن كنت تفهم قصدى .. نظرت حولى فى توجس .. لا شئ ..
فقط تلك الأرفف المقبضة التى تحوى الموتى بداخلها .. فعلا .. أنا لست وحدى هنا
! .. لكن .. لا أعلم لماذا بلغ مسمعى صوت أنفاس أحدهم .. نظرت حولى مرة أخرى ..
صمت رهيب .. إنه ذلك الصمت الذى تشعر أنه ليس طبيعيًا .. ربما لو سمعت زمجرة
مسخٍ ما لما كنت لتخاف أكثر من خوفك من ذلك الصمت التام .. خاصة و أنت وحدك ..
فى مشرحة مظلمة .. بعد منتصف الليل .. تخيل الأمر .. لكننى لم أبالِ .. يكفينى
حاليًا ما يحدث معى من أحداث غامضة .. 
أثناء تشريحى لتلك الجثة الممزقة ، إحتجت إحدى أدوات التشريح  التى نسيت
إحضارها من مكتبى .. فخرجت من غرفة التشريح و سرت فى ذلك الممر المظلم .. ثم
أحضرت الأداة المقصودة و عدت إلى غرفة التشريح .. إحساس أنى لست وحيدًا ينتابنى
ثانية .. تجاهلته هذه المرة ثم إتجهت إلى منضدة التشريح .. و .. رغم عنى إبتعدت
عنها فى خوف عندما رأيت الجثة .. كانت فى حالتها كما تركتها .. إلا أن الرأس
المفصولة كانت مفتوحة العينين .. و أنا أقسم أن العينين كانتا مغلقتين عندما
غادرت الغرفة .. !! ..
*    *    *    *    *    *
((.. أو أن الأمر بات يتعلق بالظواهر الميتافيزيقية الخارقة للطبيعة .. ))
*    *    *    *    *    *
خرجت من غرفة التشريح و الخوف يجتاح صدرى .. ليس الخوف من تلك الأحداث المريبة
الغامضة .. بل الخوف من أن أكون قد جننت .. هل حقا أصابنى الجنون ؟ .. هل
الوحدة بدأت تدمر عقلى ؟ .. هل أنا أهذى ؟ .. لا أعلم .. حقًا لا أعلم .. 
جلست فى مكتبى فى محاولة للإسترخاء و إزالة تلك الأشياء من ذهنى .. لكن هذه
المرة لم أستطع .. أخذت أفكر و أفكر حتى أحسست بألم حاد فى رأسى .. لكن ذلك
الصوت قطع تفكيرى و عزلتى .. صوت خطوات يصدر من غرفة التشريح فى نهاية الردهة
المظلمة .. لا أعلم لمَ اقشعر بدنى عند سماعى لها .. هل حقًا صدقت أنه .... لا
.. لا يمكن أن أكون أحمقًا إلى هذه الدرجة .. لكن و كما يقولون أن الفضول قتل
القط .. كنت أنا قطًا أحمقًا يعبث فيما لا يعنيه .. لذا نهضت من مكتبى متجهًا
إلى غرفة التشريح رغم خوفى .. فلم أستطع تحمل سماع خطوات ذلك الشئ أيًا كان عند
غرفة التشريح و الجلوس هكذا مكتوف الأيدى .. دخلت الردهة المظلمة و أخذت أتحسس
خطاى فى حذر .. ثم لاحت لى غرفة التشريح من بعيد .. و .. لا أعلم هل كنت أتخيل
أم ماذا .. لكن أعتقد أنى رأيت خيال شخص ما يخرج من الغرفة و يختفى فى ظلام
الردهة .. وجلت .. لكننى إقتربت أكثر من الغرفة و .. لوهلة ظننت أننى أرى رأسًا
ما تطير فى الظلام ناحيتى .. رأس آدمية تطير نحوى و عيناه تحدقان في بثبات ..
من تأثير الفعل المنعكس فقط إلتقطتها بيدى .. رفعتها قريبًا من عينى .. لقد
كانت رأس تلك الجثة الممزقة .. فى يدى ! .. بطريقة ما تحركت الرأس لتستقر بيدى
.. يمكنك أن تتخيل كيف كان شعورى حينها .. ألقيت الرأس فى صرخة مكتومة .. و
تباعدت فى بطء بعيدًا عنها ..
أريد أن أصرخ  .. لكنى لا أستطيع .. 
أريد أن أستنجد بأحدهم .. لكنى لا أستطيع .. 
أريد أن أخبر نفسى أننى جننت .. لكنى لا أستطيع ..
لم أجد مهرب من كل ذلك إلا الفرار .. أخذت أعدو و أعدو .. بعيدًا عن تلك الغرفة
المشئومة .. بعيدًا عن تلك الردهة المظلمة .. بعيدًا عن تلك المشرحة المقبضة ..
أعدو و أعدو بلا وعى .. و مئات الأفكار تتراص فى ذهنى .. يبدو أننى سأجن ..
حتمًا سأجن ! .. 
*    *    *    *    *    *
فى اليوم التالى إستيقظت على صوت الهاتف .. رفعت السماعة فى توتر .. فنادرًا ما
يتصل بى أحد .. و .. 
- الدكتور كامل ؟ .. 
- نعم .. أنا هو ..
- أنا رئيس المباحث وليد السملاوى .. أرجو منك الحضور إلى المشرحة الآن للضرورة
..
- هل هناك شئ ما ؟ .. 
- لن يجدى الحوار على الهاتف يا دكتور .. أرجو أن تأتى بأقصى سرعة ممكنة .. 
- حسنًا .. 
ثم وضعت السماعة و أنا أتساءل عن السبب الذى يستدعونى من أجله فى وضح النهار ..
غيرت ملابسى سريعًا و ذهبت إلى المشرحة .. و هناك .. كان بعض رجال الشرطة
يحتشدون فى الردهة .. و بعض المسئولين .. و هناك قابلنى ذلك الشرطى وليد و
صافحنى على عجل و ..
- عذرًا يا دكتور على إستدعائنا لك فى هذا الوقت المبكر .. لكن هناك شيئًا ما
حدث فى المشرحة أمس نريد أن نستعلم منك عنه ..
- حسنًا ..
- هل تذكر تلك الجثة الممزقة التى توليت تشريحها ليلة أمس ؟ ..
- .................
- دكتور ؟ .. ما بك ؟ ..
- لا شئ .. نعم أتذكرها .. ما بها ؟ ..
- لقد اختفت .. اختفت تمامًا .. لم نجد إلا الرأس قابعة هنا فى الردهة .. 
تراجعت فى خوف .. هل من الممكن أن تتحرك الجثة ؟ .. تتحرك و تهرب من المشرحة ؟
.. و لم لا ؟ .. ما جعل الرأس يغادر غرفة التشريح و يستقر فى يدى قادر بجعل
باقى الجثة تتحرك .. و لمجرد تخيل الفكرة فى ذهنى إقشعر بدنى .. فلاحظنى الشرطى
و نظر لى نظرة إستفهام واضحة و .. 
- لا شئ .. لكن أنت لم تخبرنى ما دورى فى ذلك الموضوع ..
- حيث أنك آخر من تعاملت مع الجثة .. بالتأكيد تعلم شيئًا عما حدث .. 
كنت أريد أن أصرخ فى وجهه قائلا .. \" نعم .. لقد فتحت الجثة عينيها .. و طارت
الرأس وحدها لتستقر بيدى .. نعم .. إن الجثة بالتأكيد تحرك .. \" .. لكننى
إحتفظت بذلك فى رأسى و قلت له ..
- لا .. لا أعلم شيئَا .. لقد أنهيت عملى كالعادة و أتممت دوريتى ثم غادرت
المشرحة .. لم يحدث أى شئ مريب حينذاك .. 
نظر لى الرجل فى إحباط .. ثم ..
- حسنًا يا دكتور .. نأسف على إزعاجك .. لكننا مازلنا نرجوك .. إذا علمت أى شئ
بخصوص تلك الجثة فلا تتردد بالإتصال بمركز الشرطة .. 
- حسنًا .. 
ثم غادر الشرطى على عجل .. أما أنا فتلك الأفكار البغيضة بدأت تحتشد مرة أخرى
فى ذهنى لتزيد رأسى ألمًا .. فى البداية ظهرت حادثة تواجد الفرَاش حمدى فى
مكانين فى وقت واحد .. ثم تكررت تلك الظاهرة .. ثم ذلك الإحساس بأننى لست وحدى
فى غرفة التشريح .. ثم رأس الجثة فتحت عينيها .. ثم تلك الخطوات مرة أخرى .. ثم
ذلك الظل الذى خرج من غرفة التشريح و توارى فى الظلام .. ثم تحرك رأس الجثة و
إتجاهها نحوى .. ثم إختفاء الجثة بأكملها عدا الرأس .. بالتأكيد أنا أهذى ..
لقد جننت بلا شك .. 
عدت إلى بيتى مقنعًا نفسى أننى أهذى .. أو أن هذا كله مجرد كابوس مقبض .. لكنن
بالتأكيد كنت أحلم حينما إعتقدت أنه يمكننى نسيان ما حدث .. ثم إستسلمت إلى
النوم .. فلا شئ غيره سيجعلنى أهرب من أحداث الواقع المخيفة .. لكننى كنت
مخطئًا ! ..
كنت فى المشرحة ليلا .. البرودة تحيط بأطراف جسدى .. الضباب يملأ أرجاء المشرحة
.. أسير آليا إلى غرفة التشريح .. أرى حمدى الفرَاش يستقبلنى هناك بطريقة
درامية و على وجهه إبتسامة مخيفة .. أتجاهله و أدخل غرفة التشريح .. ثم أخلع
معظم ملابسى .. و أستلقى على منضدة التشريح .. يبتسم حمدى الفرَاش مرة أخرى فى
شيطانية .. و .. تلك الأرفف التى تعج بالجثث فى نهاية الغرفة الواسعة .. تهتز
بقوة .. هناك أصوات تصدر من داخلها .. ثم تبدأ الجثث فى الخروج منها .. و حمدى
الفرَاش يشاهد كل ذلك فى إستمتاع .. و أنا أشاهد كل ذلك بنظرات خاوية .. تقترب
الجثث نحوى و البرودة تشتد فى الغرفة .. ثم يلتفون حولى و على وجوههم الشاحبة
إبتسامات شيطانية مريعة .. يعطى الفرَاش كلا منهم أداة تشريح حادة .. ثم يبتعد
تديريجيا عن منضدة التشريح .. أما الجثث فتشدد قبضتها على أدوات التشريح الحادة
.. و تقربها من جسدى .. و حمدى الفرَاش يقول فى إبتسامة .. \" سيفعلون بك ما
فعلت بهم \" .. لكننى لا أهتم .. يقربون أدوات التشريح من كل منطقة فى جسدى ..
و .. و ..
إستيقظت من نومى و قلبى ينتفض داخل صدرى .. و الخوف يسيطر على وجدانى .. أنفاسى
تتلاحق بصورة غريبة .. ثم نهضت عن الفراش و شربت كوب ماء ثم جلست على أحد
المقاعد فى محاولة لتصفية ذهنى .. نظرت إلى ساعة يدى لأجدها الثانية عشر بعد
منتصف الليل .. هل أذهب للمشرحة بعد كل هذا ؟ .. هل أجرؤ ؟ .. نعم .. سأذهب ..
لن أستسلم لتلك الحماقات و التخيلات السخيفة .. سأذهب ..
و وفقًا لحماقتى الشديدة ذهبت إلى المشرحة مرة أخرى .. دخلتها .. البرودة تجتاح
جسدى .. كانت المشرحة خالية تمامًا .. أسير إلى تلك الردهة المظلمة .. الظلال
مرة أخرى تداعب عينيَ .. لا أعلم هل أتوهمها أم لا .. ثم دخلت إلى غرفة التشريح
.. و .. الأرفف التى تحوى الجثث كانت مفتوحة و خالية تماما .. أين ذهبت الجثث
؟! .. هناك جسد ما مغطى على المنضدة .. ثم سمعت صوتًا ما خارج الغرفة .. إستدرت
ناحية الباب المؤدى للخارج .. و .. الكثير من الظلال فى الردهة المظلمة .. ظلال
أشخاص لا أتبينهم .. ظلال الجثث ! .. يقتربون نحوى فأبتعد فى بطء .. و .. هناك
من يتمسك برسغى بقوة .. أستدير لأرى من صاحب اليد .. و .. إنها الجثة على
المنضدة .. صاحبها ينظر إلى فى ثبات و على وجهه إبتسامة شيطانية .. الظلال
تقترب .. البرودة تزداد .. الجثة تشدد من قبضتها على رسغى .. و .. لم أحتمل
أكثر من ذلك .. و سقطت مغشيًا علي ....! 
*    *    *    *    *    *
هذه هى قصتى ...  هذا هو ما جعلنى أخاف الوحدة ...  هذا ما جعلنى أصاب بفوبيا
الوحدة .. أنظر لهؤلاء الرجال الجالسين أمامى .. يرتدون تلك الملابس البيضاء
المميزة .. أحدهم يحك رأسه ببلاهة .. و آخر قد نام بالفعل .. و آخر يقول لى ..
- يا لك من مشاغب .. بالتأكيد كنت تحلم .. أليس كذلك ؟ .. 
- لا .. أقسم لكم أن هذا لم يكن حلمًا .. لقد كان حقيقيًا .. 
- ليس معنى أننا مجانين أنك يمكنك التلاعب بنا بقصتك السخيفة تلك .. هاهاهاهاها
..
- لا .. أرجوكم لا تذهبوا .. لا تتركونى وحدى .. 
ثم ينهض المجانين و يقومون بمغادرة تلك الغرفة .. و يشاهدهم أحد الممرضين
بنظرات متتابعة .. ثم يلتفت إلى ممرض آخر و يقول ..
- ما قصة هذا الرجل ؟ ..
- تقصد الطبيب كامل ؟ .. حكايته غريبة فعلا .. 
- ماذا حدث ؟ .. 
- لقد كان يزعم أن هناك أشياء غريبة تحدث فى المشرحة .. مثل نهوض الجثث و
مغادرتها المشرحة .. و تواجد الفرَاش فى مكانين فى وقت واحد .. و أشياء أخرى
غريبة ..
- حقًا ؟ ..
- نعم .. و بالفعل الجثث جميعها إختفت .. لكن السبب كان بسيطًا جدًا .. الفرَاش
الذى كان يعمل فى المشرحة .. تعاقد مع بعض رجال السوء على سرقة الجثث من
المشرحة و بيعها لهم .. و إستطاع الفرَاش أن يتعاهد مع مسئولى الفترة الصباحية
بما فيهم طبيب تلك الفترة على كتمان الأمر مقابل نصيب من المال .. العقبة
الوحيدة كانت الطبيب كامل فى الفترة المسائية .. فهو كان وحيدًا و لا يحبذ
الإختلاط .. و يبدو فظًا أحيانا .. لذا لم يستطع الفرَاش أن يعرض عليه الأمر
خوفًا من فشل الخطة بأكملها .. و لم يستطع الفرَاش سرقة الجثث فى وجود الطبيب
.. لذا حرص على أن يفقد الطبيب عقله لأنه – الطبيب – كان يبدو على حافة الجنون
من وحدته و عزلته المفرطة .. لذا إستعان الفرَاش برجل ما صوته يشبهه تمامًا ..
ليكلم الطبيب على الهاتف فى المشرحة مع وجود الفرَاش .. ثم جعله يعتقد أن الجثث
تتحرك .. فقذف رأس إحدى الجثث على الطبيب ليظن الطبيب أن الرأس هى التى تحركت و
إستقرت بيده .. لكن الطبيب – بأعجوبة ما – إستطاع تحمل ذلك .. فقام الفرَاش
بسرقة الجثث كلها دفعة واحدة .. و إستعان بأشخاص ليقوموا بدور الجثث المتحركة
كما ظن الطبيب .. و كانت هذه هى نهاية عقل الطبيب فعلا .. 
- قصة غريبة فعلا .. لكن كيف تعرف كل ذلك ؟ .. 
- لقد إعترف الفرَاش بالأمر كله بعد أن خانه رجال السوء و لم يعطوه المال
المتفق عليه .. لكن الطبيب فقد عقله .. و أصيب بـ ( آيزولوفوبيا ) مؤبدة لا
شفاء منها .. 
ثم نظر الممرضان للطبيب الجالس فى الغرفة ذات الإضاءة الضعيفة وحده .. كان يلتف
حول نفسه .. ينظر حوله فى خوف و توجس .. و يتراءى ليعينه كل الأهوال التى
لطالما أخافته .. فها هو حمدى الفرَاش يقف أمامه .. و بجانبه العديد من ( حمدى
الفرَاش ) أيضًا .. و من خلفهم تقترب الجثث فى تؤدة و ميكانيكية ناحية الطبيب
.. و على وجوههم جميعًا تتراص تلك الإبتسامات الشيطانية الكريهة .. و الطبيب
يرتجف خوفًا و هلعًا .. لكنه إعتاد ذلك .. إعتاد ذلك كلما كان وحيدًا فى أى
مكان .. إعتاد أن يراهم أمامه يتوعدونه .. كلما كان وحيدًا ... !
 

Please reload

© 2010 by sanadworld.com 

  • Twitter Clean
  • Grey Instagram Icon