لماذا الجثة 13؟! - بقلم سالي عادل - مصر

أيها القادم ترفّق.. سلّمة الحاضر نخرة.. تسقطك إلى المستقبل.. و ليت المستقبل
أفضل! فتمهل.. 

ثلاثة قبور، و الموسيقى تدور.. و أنت.. مالك ثابت هكذا؟! هيا در، و در و در.. و
حين تنتهي الموسيقى.. محظوظ من يلحق له قبرًا.. فلا تنهش جثته الكلاب.. 

نسمة ليل باردة.. ارتجَف، عواء قط خافت.. ارتجف، حفيف شجرة، رفيف طائر.. ارتجف،
ارتجف.. 
و عندما قبضت تلك اليد الزجاجية على كتفه، لابد أنه.. ارتجف! 

قال الغريب: 
\"لِمَ أتيت إلى هنا؟\" 
لم يمهله: 
\"أعرف.. لم أتيت إلى هنا، 
تسأل من أنا؟\" 
عاجله: 
\"ستعرف.. من أنا.\" 
~~~

-1- 
و القاتل: مجد!

نعي على القبر الأول، لا يُشجع ـ في الواقع ـ على الموت: 
\"حين لا ترضى بالسماء سقفًا لروحك، ستضطر أن ترضى بالأرض سقفًا لجسدك\"
ثم استدراك أصغر حجمًا: 
\"لو لا تصدقني، سل الجثة 13\"


تطلعَتْ إليه.. عسلي العينين كخطيبها.. لكنه التحنيط سيُضيع لون عينيه إلى
الأبد.. يبدو أنه مات صغيرًا.. لكن كيف و شعره شائب؟ و تجاعيد الفزع على وجهه..
تُرى.. أي أهوال رسمَتْها؟! 
\"بسم الله، حاد المشرط؟ على بركة الله....\" 

- جثة واحدة؟! بعد عامين بلا جثث جديدة يأتونا بجثة واحدة؟! كأنه لا أحد يموت!
إذًا من سيدرس و من لا مِن الأعداد المهولة من الطلبة هذا العام؟ و أي جثة! جثة
من قبل تحنيطها و هي مهترئة كأنه ميت من ألف عام.. لا ينقص إلاّ أن يقفز الدود
من جسده! لكن.. أنا أعرف كيف أُصلح الأمور.. و حان الوقت أن أثبت أني أعرف! 

كانت تعرف جيدًا أنه يعرف.. لأنه فقط قال هذا.. منذ تخرجها و هي تعمل معيدة معه
بذات القسم.. ثم كانت الخطوبة و ... لحظة.. ماذا قال!!!؟ 
\"جفف الدماء.. جفف الدماء\"

- ذلك العقار الذي حدثتني عنه منذ فترة؟ 
صَمَت. 
- لكنه أمر خطير.. بالله عليك لا تفعل.. هذا أمر غير مضمون العواقب.. و غير
مُجدٍ.. الأنسجة المهترئة لن تعود إلى حيويتها.. معجون الأنبوب لا يرجع إلى
الوراء.. لا تدع طموحك يدفعك إلى الهاوية.. لو أن العميد علم بتجارب كهذه
سيقيلك.. ستخسر مستقبلك و ... 
\"يكفي فورمالين. هذا الذي بجانبك حامض كربونيك يا اسماعيل؟\"

- طيب دعك من هذا.. لو أن الجرعة زادت قليلاً.. ألا يمكن أن توقظ الميت؟ ماذا
سيفعل بك وقتها.. أي انتقام سـ.. 
- كفى! لاقيني بعد أسبوعين على مائدة الجثة 13. 
\"كفى! لنترك الجثة في خزّان المياه حتى تتشبع\"

في بيته، التليفون كف عن الرنين.. لأنه انتزع القابس.. الجار الصبي كف عن رفع
صوت المسجّل.. لأنه حرر محضرًا.. لم يجرؤ على الإزعاج سوى فأر لعوب.. وجده على
النافذة الخلفية.. كهدية سانتا للعام الجديد. مُعلقًا من ذيله دار الفأر في
دائرة نصف قطرها جسده.. و دار و دار رافعًا طاقة حركته.. كي تماثلها طاقة وضعه
لمّا يرتطم بالجدار.. و لأن الفأر مات، أداره من جديد و رطمه بالجدار عدة
مرات.. ثم رفع إصبعيه عنه.. ليسقط على الأرض جثة مهترئة.. مناسبة تمامًا للمحقن
الذي رُفع إليها. 

أسبوعًا من القلق.. ثم لا يأتي.. وعدها أن يلقاها عند المائدة 13.. و لمّا رفعت
الغطاء عن المائدة.. صرخت في عامل المشرحة: 
- عم إبراهيم! ألم نطلب منك منذ فترة تحنيط هذه الجثة؟ 
- حنّطتها يا دكتورة.. أنتِ رأيتينا بنفسك 
- لا تمزح من فضلك.. هذه الجثة لم تُحنّط.. انظر الجسد بض إلى أي حد؟ 
- شيء غريب! لكن أقسم لك يا دكتورة... 
- لا تقسم، حنطها في سكوت 
- أمرك! 
\"بسم الله، حاد المشرط؟ على بركة الله....\"

جثة لو جُرحت ستُسيل دماءً و يقول لي: حنطتها! 
\"جفف الدماء.. جفف الدماء\"

جثة بقدميها حذاء و بإصبعها خاتم خطبة و يقول لي: حنطتها!.. 
\"يكفي فورمالين. هذا الذي بجانبك كحول أحمر يا اسماعيل؟\"

و هذا الرجل أيضًا.. لماذا لم يفِ بوعده لا أعرف! دائمًا غريب الأطوار لكن لي
يومًا سأفسخ الخطبة. 
صمتت لحظة.. خاتم خطبة؟!! 
- أرني هذا الخاتم يا عم إبراهيم 
كأنها تعرفه.. كأن الحروف التي طُبعت عليه.. اسمها! 
\"كفى! لنترك الجثة في خزّان المياه حتى تتشبع\"

تطلعت إليه.. عسلي العينين كالجثة التي كانت مكانه.. لكنه التحنيط أضاع لون
عينيه إلى الأبد.. يبدو أنه مات صغيرًا.. لكن كيف و شعره شائب، و تجاعيد الفزع
على وجهه صارت كل وجهه؟ تُرى.. أي أهوال رسمَتْها؟! 
~~~


التفت الغريب و صوّب إلى القادم نظرة حادة.. ارتبك.. تفاداها: 
- و ما لي أنا بالمعيد و جثّته؟ 
- من دون أسئلتك أجيب.. لو تصبر. 
-2- 
و القاتل: جِدّ!

على القبر الثاني شاهد: 
\"حين تهدف إلى القمة.. لا تجعل سلمك من لحم و دم\" 
ثم استدراك أصغر: 
\"لو لا تصدقني سل الجثة 13\"


لماذا الجثة 13؟ الكل يخفض الصوت و يسأل: \"لماذا الجثة 13؟\" داكنة اللون؟ و
ما الجديد؟ كل الجثث بالمشرحة يُغمّق التحنيط لونها. نظرة ذعر بعينها؟ صرخة رعب
بشفاهها؟ و ما الغريب؟ كل الجثث بالمشرحة ماتت في ظروف غامضة, و ربما مرعبة..
فلماذا الجثة 13؟ لماذا الجثة 13؟!! 

جاء رجل مهندم يبدو له بعض السلطة هنا و قال: 
- لا أريد فوضى.. أريدكم مجموعات، كل مجموعة معها دكتور و ميت. 
ثم استدار عائدًا 

حول الجثة 13 التف أكثر الطلاب حظًا.. طلب الدكتور من الطلاب أن ينظروا إلى
الجثة.. فجاءته الاستجابة سريعًا أن نظر الطلاب إلى كل مكان بالمشرحة إلاّ
الجثة.. تحدث الدكتور كثيرًا عن ضرورة ألفتهم بالجثة و إمكانية اعتبارها
تمثالاً.. و لتبسيط الصورة أمسك يد الجثة و رفعها, مُطيرًا الفتاة الواقفة جوار
الذراع سنتيمترات للوراء, قائلا: 
- انظروا.. هاأنذا أتحكم بحركتها.. يمينًا.. يسارًا.. إلى أعلى.. أسفل.. مجرد
تمثال!
وجه شاحب.. يصعد إليه منديل مُندّى.. لكن الوجه يسقط!
فتاة تتمايل.. تسندها جارة لم تكن في حال أفضل.. يميلا معًا على الواقف
جوارهما!
فتاة انسلّت من بين المجموعة.. استندت إلى الجدار و حجبت وجهها بكفيها.. طويلاً
تردد: تمثال.. تمثال.. تمثال..
عينان الأولتان الوقحتان.. تقتحمان الغطاء إلى الجلد، إلى اللحم.. العظم.. 

و لمّا بدا طالب مترددًا حيال الجثة، كلما مد إليها يده رفعها قبل أن تمسها،
رنّت أول ضحكة بالمشرحة.. قالت صاحبة العينين الوقحتين: 
- ما لك يا بني؟ تبدو كمن يصطاد ذبابة كلما هم ليضربها طارت.. لا تخف الجثث لا
تطير.. 

كادت تتركه وتبحث عن مجال آخر للعبث.. لولا أن انتبهت لشيء: 
- من فضلك.. ممكن تفتح لي عينيه؟
- عيني من؟
- عيني الجثة.. 
- لِمَ؟! 
- أريد أن أرى آخر نظرة نظرها.. 
- إذًا افتحيها أنتِ
- أنت من يرتدى القفازات.. 

ذاهلاً خلع قفازيه و قذف بهما على الطاولة أمامها: 
- أنتِ الآن من يملك القفازات! 

ترددت؟ ربما ريثما انتقلت القفازات من يديه إلى يديها.. مدت أناملها في نعومة
مباعدة ما بين الأجفان، لكنها عنيدة تلك الأجفان! أكسبها العند شراسة فازدادت
عنفًا حركة أناملها، بينما الشراسة لم تكسب العينين إلاّ عندًا.. بعدت اليدان
حاملتان قفازي حُنيْن.. و لكن يبدو أن العينين لم يرضيا أن يخذلا الفتاة..
فجاملتاها.. و انفتحتا! 

و التقت نظرتاهما لأول مرة.. 

و كانت حالة إغماء أخرى، لكنهم لمّا أفاقوها كانت تبدو غير مُصدقة.. ذاهلة..
تبكي، و لمّا نطقت أخيرًا كانت كلماتها: 

- أبي! هذا أبي! 

والدي كان مفقودًا.. كان في الخمسين.. أبدًا لم نستخرج شهادة وفاة لأننا لم
نعرف أبدًا أنه توفى.. و بعد الإجراءات.. أصبح لها أن تتسلم الجثة.. 

في قبو دارها كان احتفالاً صغيراً.. الطالبة الواعدة في المعطف الأبيض تتناول
مبضعًا لامعًا لتذاكر الدرس الأول.. لكنها تنتبه لشيء.. ثمة أمر يزعجها، عليها
أن تقوم بمهمة صغيرة لأجله.. لابد أن تفقأ عيني الجثة اللعينة هذه.. لكن شيئًا
من الوعيد في عيني الجثة أحجمها.. أدركت لماذا الجثة 13.. لتلك النظرة التي
تذكرك بآثامك.. لابد أنك آثم و إلاّ فلِمَ تنظر إليك هكذا؟! هربت بعينيها.. لم
يجدِ.. أغمضت عينيها.. لم يُفد.. غرست المبضع في عينيها و حامت كالممسوس.. 
~~~


قال القادم: 
- ماذا تقصد؟ أنا لا أفهم، لا أعرفهم.. لم تخبرني.. من أنت؟ 
- أنا الخيط لهذا العقد.. لو تعرف 
-3- 
و القاتل: وجْد!

\"قبر للتمليك\"

قال الغريب: 
- قل لي يا رفيق.. لِمَ يوجد شخص في المشرحة ما لم يكن طبيبًا أو طالبًا أو
عامل مشرحة أو
جثة؟ 
- ربما... 
- متلصص.. يتلصص شيئًا من عورات الموتى ثم يروح ينسج الأقاصيص حولها: 
\"أتدرون كيف تبدو الإناث بعد موتهن؟\" 
\"كيف؟\" 
\"كيف؟؟\" 
\"كيف؟؟؟\" 
\"تبدون..\" 
\"هاه!\" 
\"هااه!\" 
\"هاااه!\" 
\"تبدون أكثر أنوثة.. يأخذ الموت أرواحهن المعترضة، و يبقي أجسادهن البضّة\" 
أتدري يا فتى ما الذي يجعل الرجل يتطلع إلى لثمة من فم عفن لامرأة ميتة؟ 
- ربما... 
- ستذكر كل الأسباب الممكنة.. ما عدا هذا السبب... 
قد كان طفلاً كالأطفال يجوب الشقة متعلقًا بجلباب أمه: \"احكِ لي حكاية\"..
لابد في مرة أن تستجيب الأم.. و كانت حكاية الأميرة الجميلة و الأقزام السبعة..
سعد كثيرًا لسماعها لكن لمّا أخبرته أمه أن سنووايت الحسناء ماتت، و أن الأقزام
وقفوا حولها قليلي الحيلة باكين.. بكى كثيرًا.. و كف عن طلبه الدائم بسماع
حكاية.. كان هذا صدامه الأول مع الموت.. و برغم أن الأم كانت تعرف أن للحكاية
جزءًا آخرًا يُنقذ ابنها من البكاء و الانزواء.. أن الأمير يرفع غطاء التابوت
عن الأميرة الحسناء و يقبلها، فتعود إلى الحياة.. إلاّ إنها كانت تعرف أيضًا أن
لديها أطنانًا من الصحون المكدسة، و الملابس المتسخة بانتظار من يغسلها, و أن
هناك زوجًا ينتظر العشاء و لن يسمح بتأخره ثانية, غير صراخ الرضيع الذي ينتظر ـ
بنفاذ صبر ـ عشاءه هو الآخر.. 
كل هذا في مدى ساعة على الأكثر لأن الليل سينتصف, وعندها يصير النوم ضرورة
ملحّة للصحو مبكرًا.. فالسيدة انتصار مديرة المصلحة لا تعترف بالاعتذارات.. و
ستحتسب لها اليوم بنصف يوم.. و هي ليست على استعداد لخصم نصف أجرها؛ فالأولاد
يحتاجون كسوة مع دخول الشتاء, والمدرسة تشتكي من عدم دفع المصاريف حتى الآن,
و.... 
و كبر الفتى لا يعرف ملمس الحنان.. ترسم خيالاته دومًا حضنًا واحدًا.. ضمة
جسد.. تُرى.. كم كانت لتأخذ من وقت أمه أو مال أبيه؟ 
و حان الوقت أن يهديه القدر حبًا جريئًا مقتحمًا.. أحب بعمق كل الأحاسيس التي
افتقدها مع والديه مرة بسبب الفقر و انشغالهما بالحياة في ظل قروش قليلة، و مرة
بسبب الغنى و انشغالهما بجمع عدد أكبر من القروش كل ليلة 
لكن القدر سلب عطيته.. جُنّت الفتاة قبل أن تموت و يكون على الفتى أن يواجه
الموت للمرة الثانية.. لم يكن موتًا من خيال هذه المرة.. كان موتًا كما الموت. 
كان يعرف أن لديه رحلة قصيرة عليه القيام بها.. اتجه إلى المكتبة القريبة، و
جلس في ركن الأطفال.. أصابعه تعرف ما تبحث عنه.. قرأ و بكى ككل مرة استرجع فيها
حكاية الأميرة الجميلة في خياله.. لكنه إذ يقلب الصفحة وجد: \"الجزء الثاني\"،
*ماذا!!!* و هل بعد الموت أجزاء أخرى؟!! 
كان يعرف طريقه جيدًا.. يعرف أنه هنا كي يلثم الموتى.. ألازلت لا تعرف عمّن
أتحدث؟ لازلت لا تعرف علاقتك بكل هذا؟ لازلت تبغي تلك اللثمة؟ 
ارتجف القادم.. صار طفلاً يريد دميته بأي ثمن: 
- أرجوك، قدم لي هذه الخدمة.. أميرتي تنتظرني.. أنا ميت دونها.. فاحيني و
احيها.. و خذ كل ما تريد. 
- كله؟ 
- كله. 
- إذًا.. اتبعني.. 
قاده الغريب إلى القبر الثاني.. حيث الفتاة التي أحبها.. و بعد اللثمة التي آمن
بها.. خطا القادم إلى قبره راضيًا.. 
و على شاهد القبر.. كتب الغريب نصيحته: 
\"لا تحب جدًا.. أبدًا\" 
     لو لا تصدقني، 
     كانت الجثة 13 جوارك طوال الليل.. لِمَ لم تسألها؟! 
 

Please reload

© 2010 by sanadworld.com 

  • Twitter Clean
  • Grey Instagram Icon