صانع اللوحات السرمدي -هبة الله محمد حسن - مصر

الغروب.. وأسراب الطيور تعزف أغنيتها الأخيرة قبل أن تعود إلى أوكارها.. جاء
الصيف.. وعادت الطيور المهاجرة كلها.. فقط هو لم يعد.. حتى زوجته وأولاده عادوا
إلى القاهرة.. لم يستطع أن يحصل على أجازة.. وبقى هو وحيدا.. من الغريب أن
الوحدة لم تضايقه.. على العكس.. شعر بصفاء روحي غريب وهدوء رائع يسري في
شرايينه.. بالأمس أشترى أشياء كثيرة ؛  كتب ولوحات وأشياء أخرى صغيرة وضعها هنا
وهناك.. لم يفعل هذا منذ زمن.. كان دائما يذهب ليشتري أشياء يحتاجها الآخرون ؛
زوجته..الأولاد.. حتى نسى نفسه تماما.. نسى أنه موجود.. أما الآن .. فمعه هذا
الفراغ اللين يستطيع أن يشكله كيفما يشاء.. بدأ الظلام ينتشر.. فترك الحديقة..
ودلف إلى المنزل الدافئ .. نظر إلى الإضافات التي وضعتها يده وشعر بالسعادة..
غريب أن يشعره شيء بسيط كهذا بتلك السعادة التي لم يشعر بمثلها في مدارات حياته
اليومية.. كانت هناك بعض الكتب على الطاولة.. بحث عن كتاب بعينه.. لكنه لم يجده
.. أين ذهب.. لقد تركه هنا.. هل يمكن أن يكون قد نقله إلى مكان آخر دونما أن
ينتبه.. ربما.. قلب المكان بحثا عنه.. لعله هنا.. لعله هناك.. سرعان ما يئس من
إيجاده.. سرعان ما تناسى أمره عندما شعر بالجوع يمضغ أحشائه.. في طريقه إلى
المطبخ كاد أن يتعثر في معطف ملقى على الأرض.. من ألقاه هنا؟.. أيكون أحد
الأولاد أسقطه قبل أن يرحل أول أمس.. لكنه واثق تقريبا من انه لم يكن موجودا
هنا أمس.. انه ينسى كثيرا هذه الأيام.. ألتقط المعطف وقذف به إلى أقرب مقعد
وواصل طريقه إلى المطبخ.. اليوم لن يأكل ما يجده بل سيعد عشاءا خاصا يحوي كل ما
يحبه.. فكر في الأصناف فالتي لم يتذوقها منذ فترة طويلة ، وفتح الثلاجة وأخذ
يقلّب في محتوياتها.. سمع صوت حركة يأتي من خلفه.. التفت وراءه فلم يجد شيئا..
فعاد يواصل عمله لكنه سمع الصوت ثانية ولم يجد شيئا أيضا 
\" لا يوجد شيء.. لا تكن هستيريا\" قالها لنفسه وواصل عمله وهو يدندن بأغنية
قديمة.. لكنه هذه المرة سمع صوت الحركة قادما من الحجرة المجاورة كأن شيئا ما
يزاح من مكانه أو يتحرك هناك.. تحفزت حواسه كلها.. وبدأ يشكل صورة ما في ذهنه..
الكتاب المختفي.. المعطف.. صوت الحركة في الحجرة المجاورة .. هل هناك أحد آخر
غيره هنا؟
***
خرج من المطبخ على أطراف أصابعه واخرج المسدس من مكانه وقرر أن يبحث الأمر
بنفسه لكنه سرعان ما تراجع وقرر الاتصال بأحد أصدقائه.. أنهى المكالمة وهو
يتلفت حوله في قلق ثم ألصق مقعدا بالحائط وجلس يستمع إلى الصوت الحركة في
الغرفة ذاتها يأكل في أعصابه.. يبدأ ثم يتوقف ويبدأ من جديد.. أخيرا وصل صديقه
يغمره العرق مسلحا بهراوة ضخمة.. ابتدره قائلا:
-  ألم تستطع أن تأتي بأكثر من هذه؟
- البركة في مسدسك.
وقفا في وضع تحفز أمام باب الحجرة ثم اخترقا الباب بطريقة مسرحية وأضاءا الصباح
بسرعة لكن لم يكن هناك أحد.. كل شيء في الحجرة يرقد في هدوء وسكينة وربما
يتساءل عما يفعله هذان :
- لا يوجد شيء.
قالها صديقه وهو يرميه بنظرة لائمة
- دعنا نفتش باقي المنزل لن نخسر شيئا.
فتشا المنزل شبرا.. شبرا لكنهما لم يعثرا على شيء.. وفي النهاية جلس صديقه
منهكا وهو يقول:
- حمدا لله انك لم تتصل بالشرطة.. كان موقفك سيكون مزريا.
- ولكنني متأكد.. لم تكن الأشياء في موضعها وكان هناك صوت حركة في الحجرة.
- إذن فقد تبخر هذا اللص أو هرب لكن المهم أنه لم يعد موجودا الآن.
- آسف لأنني أزعجتك لكنك تعلم...................
- لا عليك يا رجل.. لو كنت مازلت قلقا يمكنك أن تأتي لتبيت معي.
- هذه شهامة أولاد البلد ولكنني سأبقى هنا.
- ربما من الأفضل أن تبيت في مكان آخر.. فالمنطقة منعزلة وتثير الخيال.. كما
أنك وحدك اليوم.
لم يفته مغزى كلمتي ( تثير الخيال) لكنه تجاوزه وهو يقول لصديقه :
- لم لا تبيت أنت معي الليلة؟
- فكرة جيدة.. إما أن نموت معا أو نحيا معا.. ولكن لماذا لا نرحل سويا؟
- يا رجل أنت تقول أن الأمر لا يعدو كونه تخيلات رجل وحيد إذن فلماذا لا تكون
شجاعا وتبقى؟
- سأكون شجاعا.. والله يعلم ربما أخرج من هنا محمولا على الأعناق.. لا بأس
سأبيت الليلة عندك.. ماذا لديك على العشاء؟
- كل ما تريد.
- هكذا.. دعني اذن أبحث بنفسي.
تناولا العشاء.. وقضيا باقي الليلة يتسامران وعندما حل موعد النوم أختار حجرة
الأولاد لأنها تحوي زوج من الأسرة.. استقر كل منهما  في فراشه وتمنى للآخر ليلة
طيبة.. وعندما ابتلعاهما النعاس.. بدأ الصوت يقطع الردهة في هدوء.. ويعرف إلى
أين يتجه بالضبط. 
***
صوت  الأنين يأتي من اللامكان.. كئيبا.. بعيدا.. وقريبا.. زاحفا.. يتسلل عبر
هدوء الحجرة.. تقلب في فراشه وفتح عينيه.. من أين يأتي هذا الصوت.. نظر إلى
صديقه النائم.. كانت عيناه مغمضتان ولم يبدو عليه أنه صاحب هذا الصوت.. نهض من
فراشه وألصق أذنيه بالباب.. لم يستطع أن يحدد من أين يأتي الصوت بالضبط.. كأنه
يأتي من كل مكان.. قرر أن يوقظ صديقه.. اتجه إليه وهزه في عنف.. أنتفض الرجل
الذي كان قد دخل في مرحلة النوم العميق.. أحتاج وقتا قبل أن يتذكر أين هو؟ بل
ومن هو.. أخيرا أستجمع أطراف الكلمات:
- ماذا حدث؟... لماذا أيقظتني؟
- هذا الصوت... ألا تسمع؟
- كلا بالطبع.. لا أسمع أي شيء.
- يبدو أنك ما زلت نائما.. انهض يا رجل واسمع جيدا.
اعتدل الصديق في فراشه وأرهف السمع.. لكن شيئا لم يطرق أذنيه:
- لا أسمع أي شيء.
- إذن فأنا جننت
- ما الذي سمعته بالضبط؟
- صوت أنين غريب.
- ربما صوت حيوان ما .
- لقد بدا قريبا جدا.
- طبعا.. هذه الأصوات تبدو قريبة جدا في الوقت الذي تكون فيه قادمة من الشارع.
- لكن أحداث الليلة أوحت بوجود شخص ما هنا.
- أنت لا تتوقع أن يقفز لص على شقتك ليشنف أذنك بصوت أنينه.. إن كل ما يريده
اللص هو أن يأخذ ما يريد ويرحل بهدوء.. وليس أن يسمع العالم كله.. دعك منه
ونم.. نم في هذه الليلة السوداء.
عاد إلى فراشه وتصنع النوم.. متأكد هو تماما من أنه سمع الصوت قريبا وحقيقيا
جدا.. تقلب في فراشه عشرات المرات لكنه لم ينم.. عاد صوت الأنين يقطع المسافات
قادما إليه.. وصل إلى أذنه.. ظل يستمع إليه ولم يجرؤ على إيقاظ صديقه .. ستمر
هذه الليلة .. ستمر .. ستنتهي مثلما انتهت عشرات السنون غيرها .. ستنتهي
وعندما عبرت خيوط الفجر الأولى زجاج النافذة توقف الأنين ، وبدا يفكر بالنوم.
***
لماذا يشعر أنه لم يعد هنا.. أ خطواته هذه التي تقطع الشارع؟.. أ معطفه هذا
الذي بلله المطر؟.. أم أن هذه الأشياء لم تعد تنتمي إليه..  ولم يعد ينتمي
إليها.. بل لم يعد ينتمي إلى نفسه.. يشعر بأنه ينفصل عنها شيئا فشيئا.. هل حقا
حدث ما حدث بالأمس.. لماذا يشعر أنه يحلم.. وصوت الأنين في جوف الليل.. لماذا
لم يخبر صاحبه أنه سمع الصوت يهتف باسمه.. باسمه هو بالذات.. يناديه بشوق كأنما
يعرفه من ألف عام.. ولماذا شعر هو الآخر بألفة مع الصوت.. بصعوبة قاوم رغبته في
تلبية النداء.. في الرحيل مع هذا الصوت و إن كان إلى آخر العالم.. أتراه أصيب
بالجنون.. ربما.. تذكر أسطورة الندّاهة المصرية والتي تنادي الرجال ليرحلون
معها إلى الأبد.. هل الأسطورة حقا  بهذه السطحية أم هناك شيئا ما خفيا وراءها..
الندّاهة.. أي نداهة؟.. إنه يخرّف بالتأكيد..حدد اليوم موعدا مع طبيب نفسي..
ربما يذهب.. وربما لن يذهب.. سيبيت الليلة هنا في أحد الفنادق.. في قلب صخب
المدينة كما نصحه صديقه.. هل يطارده الصوت هنا؟.. الصوت المخيف.. الغريب..
الحنون.. لا يعرف.. لم يعد يعرف أي شيء
قدميه تعبر به الشوارع والميادين.. لا يعرف إلى أين تتجه به.. كأن لها ذاكرة
خاصة وعقلا يتصرّف وحده بعيدا عن عقله الشارد.. أشباح الوجوه وأطياف الشوارع
تمر به ولا يشعر بها.. أفكاره تلملمه وتبعثره في الطرق والميادين.. وعندما سار
في ذلك الشارع شعر أنه مألوفا إلى حد ما متى جاءه من قبل.. تذكر في خجل أنه كان
يتسّوق منه بالأمس.. يبدو أن عقله ليس هنا فعلا.. دار بعينيه يبحث عن الحوانيت
التي أشترى منها بالأمس.. وعندما وصل إلى ذلك المكان بالذات توقف.. كان متجر
اللوحات الذي اشترى منه لوحتين من بين ما أشترى بالأمس.. كانت أحداهما لوجه
يشبه وجه صديق قديم له.. لم يكن رآه منذ زمن عندما عرف أنه مات.. كان الوجه في
اللوحة يشبهه بصورة غير عادية.. كأنه هو تقريبا..
رائحة القدم تفوح من المكان.. وجو نفسي غريب يحيط به.. أزاح الستائر ودخل..
طالعته عشرات الوجوه على الجدران.. لماذا لم يسترع هذا المشهد انتباهه
بالأمس؟.. كانت كل اللوحات لوجوه أشخاص فقط.. لا يوجد لوحات لمناظر طبيعية أو
حتى لوحات من الفن التشكيلي الغريب.. لوحات لوجوه من كل زمان وعصر تحدق فيه
بأعين ميتة.. بعض اللوحات غطاه الغبار.. وبعضها كان لا يزال لامعا كأنما رسم
لتوه.. والبعض الآخر يبدو وكأنه مبلل بالندى أو بقطرات مياه لا يعرف مصدرها..
نظر جهة طاولة البيع.. لم يكن الرجل الذي اشترى منه بالأمس موجودا.. كان هناك
شخصا آخر غريب المظهر.. يرتدي عباءة سوداء طويلة تغطي من أعلى رأسه حتى أخمص
قدميه وقد سقط طرفها على وجهه فلم يستطع أن يحدد ملامح الرجل.. اقترب منه وهو
عبثا يحاول أن يستشف ملامحه.. لكن لماذا يشعر أنه يعرفه؟.. لماذا؟.. هبت ريح
باردة من مكان ما فترنح المصباح العتيق وتراقصت الظلال على الوجوه التي تغطي
الجدران.. وقف الرجل كأنما يستعد للخروج وتطايرت أطراف عباءته في الهواء.. شعر
بالبرودة تسري من عظامه إلى روحه وتراجع بظهره وهو يرى الرجل يقترب منه.. صرخ
في وجل:- من أنت؟.. لم يجيب الرجل وواصل اقترابه.. وواصل هو تراجعه.. توقف
الرجل لحظة عن التقدم ثم قال:- لماذا الخوف؟ .. لقد كنت أنتظرك.. كنت أعلم انك
ستأتي.. فلقد حان الوقت.
خرج صوته عميقا.. مجسما.. كأنه يأتي من كل مكان..بدا له الصوت مألوفا..توقف عن
التراجع.. وتقدم إليه بخطوات ثابتة وقد عرف كل شيء. 
***
وضعت الزوجة ما تحمله على المنضدة وتبعتها صديقتها وهي تخلع معطفها.. ألقت
نفسها على أقرب مقعد ونظرت إلى صورته التي وضع على طرفها شريط أسود وتنهدت
قائلة لصديقتها:
- لم أعلم أنني سأفتقده بهذا الشكل.. يبدو أننا لا نعرف قيمة من نحب إلاّ عندما
يرحل.
- ألم يكن مريضا؟
- كلا.. كان بصحة جيدة عندما سافرنا.. لم أتصور قط أن………….. لو كنت أعلم ما
تركته لحظة.
قالتها و أجهشت بالبكاء
- تماسكي يا عزيزتي.. لقد قضي الأمر.
مسحت دموعها بطرف ردائها وقامت تفض أحد الأكياس الموضوعة على المنضدة..ورفعت
اللوحة أمام صديقتها قائلة:- انظري.. أليست تشبهه كثيرا.
- فعلا.. إنها تشبهه أكثر من صورته المعلقة هنا.. هل طلب من شخص ما أن يرسمه.
- ربما.. لقد رأيتها بالصدفة فاشتريتها على الفور.
نظرت إليها في حنان وعلقتها على الحائط بجوار صورته الأخرى.. وطبعت على خده
قبلة جعلت الدموع تبلل سطح اللوحة.
انصرفت صديقتها.. ومر اليوم وتشاغل الجميع بأحداثه و دواماته التي لا تنتهي..
وعندما حل الليل..و نام الجميع كانت اللوحة ما تزال في مكانها تبللها الدموع
وكأن شيئا لم يستطع أن يجففها.. لكن أحدا لم يسمع صوت أنين أو صوت نداء.. ربما
غابوا في طيات الأحلام.. وربما لم يحن الوقت بعد

Please reload

© 2010 by sanadworld.com 

  • Twitter Clean
  • Grey Instagram Icon