دخان على وجه القمر - بقلم تهاني عمرو مرسي - مصر

انسحب فتحى من غرفته الملفوظة بأطراف الجبانة، تاركاً خلفه الحدث \"موت
الوالد\"، وسحابات الغبار تشارك المجاملين حزنهم السخيف، وصراخ الوالدة التى
يعلم يقيناً أنها الأكثر سروراً.. فكل مشكلاتها انتهت مع زوج بخيل ومزواج، وصمت
الأخوين الكبار فى مظاهر حدادية كاذبة بعدما زال من تاريخهم شعار اسمه \"والد
تربى\".
صباحاً تركاه وحده معه ينتزع ملابسه، يصب الماء فوقه يمسد التراب قبل أن يسجيه
للقبلة، مغلقاً عليه قبره، ليبدأ فتحى عمله بمفرده كتربى.
جلس مختبئاً فى أدنى مكان.. يرقب مجئ الرجل الحزين عصراً كعادته بهيئته الرثة،
محتضناً مصحفه ثم يرتمى مقبلاً شاهد القبر وتعلو نبراته كالصراخ: \"ولدى..نور
عينى.. جيت ورحلت فى حياتى.. أنا وأنت كنا واحد..
ثم يقرأ الملك بصوتٍ مختلج، مازجته حرقة القلب كلفح بركان ثائر، تنز عيناه
دموعاً ساخنة تتساقط أرضاً، رذاذها يحرقه فى مكمنه، ينتفض داخل فتحى إحساس طفل
يبكى بأعماقه: \"ولدك خمسة وعشرون عاماً، وأنا خمسة وعشرون جرحاً، كل جرح ينزف
ثلاثة مائة وخمسة وستون ألماً، فى كل ألم ركلة أو صفعة من ذلك الذى يطلقون عليه
\"والدى\" ود فتحى لو  أمسك بتلابيب الرجل، ضاغطاً أنامله حول عنقه ليسأله:
\"أتكذب، أيوجد فى مثل هذا العالم أب يحب ابنه كما أرى وأسمع الآن\" 
لكنه يجد نفسه مهشماً، فاقد القدرة على مواجهة رجل اعتصرته الأحزان.
لذا يكتفى فتحى بأن يكون مستمعاً لأنات أبٍ مكلوم، كلماته كسياط تصفع أذنه،
يخبئ رأسه بين ذراعيه الضخمتين. انتبه فتحى على صفعة باردة على مؤخرة الرأس،
ليجد الشمس قد غاصت فى الأفق تاركة خلفها حدادها الليلى.. تلفت يميناً ويساراً
لم يجد الرجل الحزين، كان قد اختفى تاركاً خلفه طوق الورد ينثر شذاها على قبر
الابن الشاب.
اصطدمت نظراته بنظرات أخيه الكبير الهازئة: 
-    أنت سايب العزاء وقاعد هنا يا بغل.. مش مصدق أنك بتبكى أبوك.. دا أنت
أولنا فى كرهه.. أنا مروح والناس روحت..
لم ينطق وهو يتأمل ملامح وجهه \"كيف لم يتبين من قبل أن أخاه يحمل ملامح أبيه
حتى نطق كلمة بغل ونفس برودة الصفعة. تقلصت ملامح الأخ الأكبر ضيقاً ثم أردف
ساخراً:
-    مش حتبطل الطريق الأسود بتاع أبوك ده.. اتفضل.. حسن الجزار منتظرك.
استدار دون داع، ينفث غمغمات لم يتبين منها سوى \"سجن، وداهية\" 
بحركة رأس دائرية أيقن فتحى أنه لم يبق غيره والقمر وشواهد القبور، انتفض
واقفاً مثيراً ذرات الغبار خلفه، متأملاً ظله الضخم زجرته نفسه ألا يكفيه عمراً
ينظر إلى الظلال هروباً من جحيم الوجوه.. أقسم أن تكون نظرته دائماً إلى أعلى
حيث وجه القمر.
وهناك وجد الجزار منزوياً يطرق باب الجبانة فقال له فى نبرة أسيانة لا تخلو من
نفاق: 
-    البقية فى حياتك يا فتحى.. تكمل مشواره.. عايزين حتة طازة وأنت
وشطارتك.
قالها وهو يختفى متوغلاً، حائراً من أين يبدأ؟ بمحاذاة طوله كان قبر الشاب عن
يمينه، تخترق رائحة الورد تلافيف العقل، استدار متأملاً للقبر، تجسمت الفكرة:
لم لا يجعل الأب المكلوم يرثى الفراغ كل عصر، لحظتها يثأر لنفسه وتتحول الأنات
التى تلهبه كسياط إلى ضحكات تشفى، أنحنى مزيلاً طبقات الأتربة من فوق باب
المقبرة، عازماً أن يأخذ جثة الشاب.
همسة قلبه ترجوه أن لا.. ولم؟ وممن يثأر؟
القلب يستعين ببقايا الحرمان متشبثاً بتلك اللحظات الحنانية متدفقة العاطفة،
ألم يتمن لحظة أن يكون مكان ذلك الجسد، لا بل هو لا يشك لحظة أن ذلك الجسد ببطن
المقبرة هو جسده حتى وأن اختلفا فى النشأة والملامح والأسماء
لحظتها أهال التراب، معتذراً، لا يعرف مم يعتذر ولمن؟ 
اخترقته جملة صدئة من عمق الزمان \"طول عمرك فاشل يا بغل.. ضاعت الفرصة\" هكذا
كان ينطقها الأب بنفس فحيح الأفعى وشرخ الصوت.
هب منتصباً، تقلصت ملامحه، اتجه نحو مقبرة الوالد، دار حول المقبرة، نزع طبقات
التراب، فاتحاً باب المقبرة بطريقته هابطاً درجات السلم، وجده كما هو مسجى..
نزع الكفن من فوق الرأس وجده وجهاً لجسدٍ أخرق.. خاوٍ سأمته روحه الخبيثة.
أعاد الغطاء، حمله فوق كتفه، أغلق المقبرة موارباً بابها بطبقات الأتربة. 
انطلق كأن فى ساقيه الريح، رجرجة الذراع بجوار صدغه كأنها صفعات العهد البائن.
ألقاه أمام الجزار المبتسم:
-    برافو عليك يا فتحى.. دى حتة طازة حتبهر الدكاترة اللى حيشرحوها
سرعان ما دس نقدية كبيرة فى جيبه خالصة له لأول مرة، اختفى الجزار بما يحمله،
تاركاً خلفه فتحى يزفر دخان سجائره فى وجه القمر.

 

Please reload

© 2010 by sanadworld.com 

  • Twitter Clean
  • Grey Instagram Icon