بدون عنوان - بقلم عايدة النوباني - فلسطين

قطرات الماء تسقط برتابة وكأنها تحز حائطا بشكل متواصل لايكل، عينان مفتوحتان
عن آخرهما يقرآن في دفتر غير موجود وجيش من النمل الصغير يمشي بخط مستقيم فوق
قدم جامدة لينحدر ما بين الشعيرات النافرة للساق وينزل بسهولة إلى الأرض اللزجة
بسائل استحال لونه إلى الأسود، الليل أصبح أكثر التصاقا بالأشياء، المرآة لا
تعكس إلا ظلالا جامدة وكائنات حية لا تُرى لكنها تصدر أصواتاً مسموعة، الضوء
الوحيد كان لفتيل ترك يذوي وحده، منعت الزجاجة التي تغلفه انتهاء روحه المضيئة،
النافذة بدأت مغلقة بإحكام ولكن الباب مغلق بشكل موارب، رجل سبعيني يقف على
مقربة من الباب الخارجي يضع يده على عكاز قصيرة كانت من قبل جذعا لشجرة ما،
أصوات همهمات خافتة تحاول أن لا تلفت نظر أحد استرعته بعمق، قال بما يشبه نباح
كلب صغير بائس
: من ؟؟ 
لكن أحدا لم يجب، الهمهمات صمتت قليلا وكأنها تصغي لمصدر الصوت القادم إليها من
بعيد، تركر النداء وتكرر الصمت لكن الهمهمات عادت بنفس الدرجة وبنفس الوتيرة
حتى أن الرجل العجوز شعر بأنه اعتاد عليها بل أنه يستطيع أن يحاورها بذات
الكلمة الصغيرة الخالية من أي نبرات محددة طوال الليل لولا أن الهمهمات بدأت
تقترب منه وتحاول أن توضح نفسها، كانت خطوات متوترة قصيرة لجسد عجوز ربما أو
إنسان مريض، لقد اعتاد الرجل أن يميز اصوات الخطوات لكثرة ما سمع منها، هذا
المكان كان يعج بالكثير من الناس في ايام صباه لكنه تحول إلى ساحة حرب ذات يوم
وهاهو اليوم حارسا وحيدا لمقبرة ليس بها سوى جثث موتى أكلها الزمن حتى قررت ان
تنزل تحت التراب تاركة ارواح اصحابها لكثرة ما اتعبتها، القرية البعيدة اصبحت
لا تملك سوى شبان وقليلا جدا من الشيوخ لذا قرر أن يصبح حارسا للقرية وللبئر
وللمقبرة، يعرفه الجميع لكنه لم يعد يرى أحدا، المرأة الوحيدة التي كان يراها
تلك التي تأتي لبيته لتنظفة وتقدم له الطعام لكنها لم تأت من أيام وهاهو يكاد
يذبل من الجوع لولا بعض العابرين، استرسل بأفكاره حتى فاجأة ظلال هو عليه في
الظلام فلم يتبين صاحبه، كان رجلا بالتأكيد لولا أنه لم يستطع تبين أي ملامح،
خصوصا وأن القمر بضوئه الشحيح الذي بدا خلف الظل ليزيد من عتمته، العينان
وحدهما اتضحتا كأنهما زرين مثبتين عنوة بوجه بلا ملامح
: من ؟
قال العجوز رافعا عكازه لكن الظل لم يجب، بل تقدم قليلا من الرجل، لم يتراجع
الرجل العجوز بل سأل ثانية بصوت بدا مهتزا كوتر غير مشدود
: من أنت؟ 
خرج صوت عميق وكأنه من بئر، صوت فقط بلا حروف تكون أي كلمات وبلا شيء، الصوت
أراد قول شيء لكن خذلته الحروف التي لم تظر والتي ربما نسيتها صاحبها، قال
العجوز بصوت استعاد عافيته قليلا
: من انت ؟ 
خرجت ضحكة هذه المرة وكانت كالصوت السابق تماما عميقة ولكنها رفيعة حتى أنها
ارتطمت بسمع العجوز وكانها اظفر يحز على لوح زجاجي محدثة قشعريرة في كل من
يسمعها، 
لم يتقدم الظل ولم يتراجع الرجل وكأن المشهد أنتهى عند هذا الحد لكن فجأة رفع
الظل شيئا في يده لمع نصله في الظلام وهوى به على العجوز الذي انشطر نصفين في
لحظة واحدة، أو هكذا ظن الظل الذي تقدم اكثر وهو ثانية على الرجل العجوز بسكينه
التي تشبه المنشار في نصلها، لكن الرجل العجوز بقي في مكانه لا يتحرك وكأنه
ظلا، جزء الواقف أمامه وحاول ثانية حتى انهار من الخوف وكاد يهرب لولا أن
العجوز رفع عصاه وهوى على الظل الواقف أمامه فاصابه لأن الصوت الذي صدر عنه سمع
كأنه حيوان جريح، هوى العجوز ثانية بعصاه فتكوم الظل أمامه، وحين لم يعد يسمع
للظل أي صوت انحنى العجوز السبعيني عليه وسحبه من يده وادخله إلى بيته، في نفس
المكان قرب العينين المفتوحتين والساق الجامدة، النمل الذي لا يدرك أحد صوته
ومنطقة ابتهج في عالم مواز واخذ يعد العدة العدة لاكتشاف الجسد الآخر بينما
بقيت قطرات الماء تنزل برتابة وكأنها تحز حائطا تدرك انه لن ينهار بسهولة

Please reload

© 2010 by sanadworld.com 

  • Twitter Clean
  • Grey Instagram Icon