المركز الثاني - الثالث عشر - بقلم منتظر حسن ال خليف - المملكة العربية السعودية

في منتصف الليل المظلم ......
تتنحى الستائر الحمراء جانباً لتسمح لجلالة الهواء البارد بالدخول ...
يقتحم الهواء غرفتي ....باحثا ً عن جسدي الملقى على الفراش ...
ترتعش أطرافي من شدة البرد ....
فها أنا ذا مرة أخرى....
ها أنا ذا في الليلة الثالثة عشرة من الشهر ....
هذه هي الليلة ....
التي لا تذوق فيها عيناي النوم ...
ليلة الثالث عشر من كل شهر ....
الليلة التي يقشعر لها جسدي .....
وهاهو شبح الليل قد حلق في أعالي السماء ليغطي بجناحية كل الأضواء ويترك لي
الظلام .....الظلام ولا شيء أخر ...
ها أنا ذا  انتظره .....
ها أنا أنتظر جلادي في سجني الواسع  ..ينزل علي العقوبة ....بذنبي الوحيد
....وهو أني ما زلت أتنفس .......
تلك الصرخات ....تلك الكلمات 
أشعر  أني سأختنق بمجرد تذكرها .....
أحتضن ساقاي  .....باحثاً عن بعض الدفء 
فلا أريد أن أزيد من هم هذه الليلة هما
لكني أعلم أنه قادم ....أعلم أنها الليلة المنشودة ...
الوقت يقترب  أكثر .....فأكثر ....فأكثر 
مع كل لحظة ...مع كل ضربة من بندول الساعة ....يزداد عدد الشعرات التي تقف في
جسدي ..
هاهو يقترب هذا الصوت الذي أسمعة في ليلة الثالث عشر من الشهر 
تلك الصرخات ......
ذالك الشيء الذي ينادي باسمي ....

لم أكن أعلم أن العرق يمكن أن يخرج من باطن اليد  .....لكن يداي ملأهما العرق و
أنا أتشبث بغطاء فراشي ..
ومع كل هذا الهواء البارد إلا أني أحس بجسدي يحترق من الداخل .....فقد بدأ
الحفل الموسيقى بجمهور أشباح مخاوفي ...
ها قد بدأ صوت  ضرب الأحجار في بعضها ....فهذه مقدمة كل ليلة ثالث عشر من كل
شهر ....
تتوالى أصوات الحجارة ...... ويقل الفارق الزمني بين الضربة والأخرى شيءً فشيء
...ولا أستطيع أن امنع نفسي من الاستماع لهذا الصوت ........الصوت  ولا شيء
أخر...
ومع كل ضربة .....يزداد تشبثي بغطاء فراشي ...وأحكام إغلاقي لعيني ....لا أريد
أن أرى لا أريد أن أسمع ....
أرجوك مهما كنت توقف ....
بدأت أصوات الحجارة تتسارع .....حتى أصبحت مماثلة إلى نبضات قلبي ....مع كل مرة
يضخ الدم فيها إلى جسدي ...يدخل أذني  صوت الأحجار تصطدم ببعضها...... فيمر
الدم على دماغي حاملاً الصوت ...ينقله بسرعة إلى قلبي ......فيرتعش قلبي
...خائفا....
لم أعد أتحمل .......الصوت يأتي من كل الجهات 
بدأت أحس بشيء أمامي ....أحس بشيء أمامي يقترب .....
أنا خائف من أن أفتح عيني ....وخائف أن أبقيها مغلقة ...
....ما هو لا أعلم .....لكنه يقترب ....أدرك تماماً أني أقفلت الغرفة ....ولم
أسمع حتى صوت أحد يحاول فتح الباب ....الصوت يتسارع .....وتتسارع نبضات قلبي
معه  .....ويزداد إحساسي حدتاً بوجود شيء يقترب مني  لم أعد أحتمل سأفتح عيني
......لم أعد أحتمل ..
فتحت عيني ....ولم يكن أمامي شيء....لكني ....أحسست .....أحسست من جديد
...أحسست.... أنه اختفى بمجرد أن فتحت عيني  ...لربما هو يظهر حين أغمض عيني
...ويختفي عندما أفتحوها ......كيف؟ ..كيف يحدث هذا ؟؟
توقف صوت الحجارة .....ولم يبقى إلا صوت أنفاسي التي تتسابق ..يختلط به بعض
الأنين .......الأنين ولا شيء أخر ...

ها قد وصلنا للمرحة الثانية من  ليلة الثالث عشر من كل شهر 
يعلم قلبي المسكين .....كما في كل شهر ....بعد ضربات الحجارة بدقائق ...بسيطة
...تبدأ المرحلة الثانية من العرض ......
بدأت أحس بنبضات قلبي...في جمجمتي  لا تسألني كيف يحدث هذا فأنا لست طبيباً
...أنا خائف ...
مرة الدقائق .....وأنا ما زلت في مكاني لم أتحرك ......
فجأة أحسست برعشة في جسدي كله .....أيقنت حينها  بأن الصراخ قد بدأ
صرخات ....تتلوها صرخات .....يتداخل صدى الصوت مع بعضه البعض ..كم لو كان شبحاً
ما يغني أغنية  يوقظ بها الموتَ من البشر ...
......الصوت يرتفع أكثر ....ما هذا ألا يسمعه أحد غيري في القرية هذا الشيء
.....
....بدأت أحس  بما أحسسته قبل قليل ....الشيء ذاته  ...يقترب .....من يميني
........لا بل من شمالي .........لا أعلم ....أحس بالدم يتسرب هارباً  من دماغي
محاولاً إفقادي وعيي رائفة ً به لحالي  .....أنا متأكد أن لا شيء أمامي ....لكن
ما هذا الإحساس .......لماذا هذا الإحساس ....ولا شيء أخر ...
شيء ما بداخلي ....يطلب من الخروج ....بل يترجاني ...لكي أهرب من هذا المكان
......لم أستطع أن أرفض هذا العرض المغري فتوقف هذا التعذيب ...هو كل ما
أتمناه.....رميت بساقي على الأرض ...وانطلقت نحو باب غرفتي ...ثم الدرج ...إلى
باب منزلي   
ها أنا ذا مرة أخرى ......
لم أدرك أين أنا وإلى أين أركض  خارج ذالك المنزل.....فقد خرجت من غرفتي مسرعاً
...لم أستطع الاحتمال ...أعتقد أني هربت ...... لم استطع البقاء في ذالك المكان
.....وها أنا ذا أركض بين الأشجار .....
لم أدرك عند هربي من غرفتي أني سأرتكب خطاء كبيراً ....
فالصراخ مازال مستمراً ....وضوء القمر قد هرب مع الهاربين ...ليتركوني مع نفسي
....ولكني لست وحيداً تماماً ((فالشيء)) هنا  و الأخشاب الصغيرة قد مزقت قدمي
كما لو كانت تتشبث بي لكي لا أهرب من  قبضتها  ....والظلام الحالك لا يسمح لي
برؤية شيء ..لا أستطيع حتى الجزم  أن كفي من أمامي .....ليت ضوء القمر يصلي لي
...ينير لي عتمتي .....لكن لا وألف لا .....فلن تسمح لي ليلة الثالث عشر  بأن
أرتاح فيها  ولو للحظة فقد كانت الأشجار ...تتناوب بتغطية ضوء القمر ....
لتمنعه من أن يصل لي ....
لا  أعلم أين أنا والظلام حالك ....بدأت أستمع لصوت الهواء ...كما لو كنت
الغابة تهمس لي قائلتاً  ....أني لن أخرج من هنا حيا.....
كم تمنيت أن  أخرج من الغرفة قبل دقائق .....والآن أتمنى العودة إليها مع علمي
أني سأتمنى الخروج منها لو عدة إليها ...
بدأت أركض وأركض ....لعل ساقاي ...تكون أكثر عقلانية ً مني فأنا لا أعلم أين
أذهب وماذا افعل ...أنا أركض لسد حاجة الرهيب  في الهرب   ...فكلما اتخذت طريقا
ً أحس بالصرخات تقترب مني أكثر ...فلعل ساقاي تقودني إلى مكان أحس به بالأمان
....أحس بحرارة الجروح التي في قدمي ...وبعض الأغصان الحقيرة ...تتعمد أن تغرز
نفسها ....في أحدى الجروح القديمة  لكي تزيد من شدة ألمها  لغرض تعذيبي فقط
...تعذيبي ولا شيء أخر...
رالف ....رالف ......رالف
ها قد بدأ النداء ......هذا هو أسمي يأتي من بعد الصرخات ......هذا الصوت
القبيح ....ينادي ....رالف ....رالف .....رالف
لا أعلم أن كان من أمامي أم من خلفي .....أم كان في داخلي رأسي
....رالف....رالف ...رالف 
لم تتوقف ساقاي عن الركض .....بل كما لو كانت تزيد من سرعتها في كل مرة تسمع
فيها ....رالف ...رالف ....رالف.........رالف ولا شيء أخر
الصوت يقترب ...ويقترب
بدأ شيء ما يتضح من بين الأشجار ..تبدو كلمعان الجواهر ....اقتربت أكثر ...لتضح
ليي أنها  ليست إلى عيني ذئب يقف أمامي ....بلونه الرمادي ...كلون
الدخان...يكتسي عنقه بعض البياض .....يقف ساكناً....ولا شيء أخر
  أقف مرتعدا....وهو ينظر لي  بعينيه الفارغتين .....كما لو كان .....يرى ما لا
أراه ....أو يسمع ما لا أسمعه ....كان ينظر بهدوء  .....
عيناه لا تفارق عيناي ....تتابع تحركاتها ...كما لو كان  يستمتع بمنظري و أنا
أرتجف .....
وفي وسط ...الصمت الذي يسود المكان .....أطلقة السماء صرختها برعد يتلوه البرق
...مما ...جعلني أنطلق خائفاً مرة أخرى تارك الذئب ...خلفي .....كنت خائف من أن
يتبعني .....فكنت ألتفت بين الحين والأخر لتأكد من عدم لحاقة بي .....كنت أخاف
أن ألتفت كي لا يظهر الشيء أمامي ...وخائف من أن يكون الذئب ورائي دون علمي
......
بين معمعة خوفي ....وهلعي ...فوجئت بكهف أمامي ....لم أعلم بوجوده قبل الآن
....
اقتربت من المدخل يائساً باحثاً عن حل لما أنا فيه ...
تحركات قدمي البطيئة المهزوزة تعيقها كمية الأحجار الكبيرة التي أمام المدخل
...حتى أنها تسد ما يصل إلى ركبتي من مدخل الكهف ...اقتربت لأسمع بعض النواح
.....
اقتربت أكثر ..وممدة رأسي لألقي نظرة على ما بداخلي هذا الكهف ....مع شدة خوفي
وألمي.....إلى أنه الخيار الوحيد أمامي...
فرأيت موقد النيران في وسط الكهف .....وبساط ملقى على الأرض بجانبه عصى من خشب
جيدة الصنع .....ويرتمي رجل في جانب الكهف ...يرتدي معطفاً ممزق مهترئ
....ويحتضن بذراعية نصب كتب عليه(Ralfe) .......ولا شيء أخر 
يحتضن هذا النصب ....وشعرة الذي لا لون له .....وعيناه تخر دموعاً مبللتاً رمش
عينية الذي لا يختلف عن لون شعرة  ....ما هذا الإنسان الذي يخرج في عتمة الليل
يدخل كهفاً ....
يحتضن قبراً.....
يبكي ألماً .....
ما هذا يا ترى .....
فمر على ذهني المتعب .....ذكرى جدتي العجوز......التي اعتادت سرد القصص ....
ذكرى قصة أعادها لي هذا المنظر  ...قصة حطاب الليل المصاب  بالألبينو أو كما
يسميه البعض (عدو الشمس) .... كان له أبن وحيد يدعى )رالف( كان هذا الابن يود
أن يعيش  مثل بقية أطفال القرية يود أن يخرج في الصباح ويلعب مع الحيوانات
.....لكن مرضه لم يكن يسمح له ........فالشمس هي العدو اللدود لهذا المرض
...فلم يسمح له الحطاب أن
يخرج في النهار .....
فلم يكن هناك خيار......
غير أن يتركه يلعب ليلاً مع الأشجار....
فجاءه الذئب الغدار ....
بهدوء كي لا يجذب الأنظار......
من خلفه كي لا يغدو بالفرار....
فلتهمه  بغير سبب أو أعذار ......
غير جوع ذئب مكار .....
فتخذ الحطاب القرار ....
أن ينوح على أبنه المقتول في الثالث عشر ..
كنت أعتقد أن جدتي العجوز تحاول أن تخيفني من الخروج ليلاً بهذه القصة ....ولا
أعلم أذا كانت هي تعلم أنها حدثت حقا  .....وأن هذا الرجل المسكين ينوح على
أبنه  في الثالث عشر من كل شهر ..
أتسأل .....هل يعلم الذئب ....أن جوعه ...سبب حزن الحطاب ....وهل يعلم الحطاب
....أن حزنه سبب ليي الخوف  ...أليس من المضحك أن الجوع سبب خوفا ً.....و أليس
من المخيف أن أضحك من الخوف .
يبدو أن الكل يلعب دوره بإتقان في هذا العالم ....فلكل فعل ردة فعل .....حتى لو
لم نستطع أن ندركها ...
لا أعلم ما هي ردة الفعل لخوفي ......ولكن كل ما أعلمه 
أني مازلت .......خائفاً 
....
من الثالث عشر ......ولا شيء أخر 

Please reload

© 2010 by sanadworld.com 

  • Twitter Clean
  • Grey Instagram Icon