المركز الثالث - الهر الأسود - بقلم ياس عبدالباقي - اليمن

يدخل مقهاه المفضل , ويجلس في كرسي قريب من زجاج المقهى المطل على الشارع ,
خطواته المرتبكة عند دخوله إلى المطعم لفتت الانتباه للحظات قليلة خاصة عندما
بعثر الكراسي من أمامهم بطريقه مثيرة, لكن هذا استمر ثواني قليلة , وصرف كل
منهم النظر عنه.
حاول أن يخفي يديه المرتجفتين تحت الطاولة أو بين فخديه , عيناه لا تغادران
الشارع , عيناه لا تغادران الأرض , وراح يحدق في كومة من القمامة تحت بناية
قديمة , يضع النادل قدحاً من الشاي الحليب لزبونه الدائم ويرحل دون أن يقول
شيئاً .
يمسك قدح الشاي , يتركه معلقاً لفترة طويلة , مازال يحدق إلى الشارع وأيضاً إلى
كومة القمامة , يرى شيئاً يتحرك من بين القمامة , يهتز القدح بيده , وعيناه
تتسعان تحديقا في ذلك الشيء المتحرك , يخرج قط أبيض من بين القمامة , يتنهد
الرجل بارتياح .
ــ مرحبا. صوت رجل آخر وهو يهم بالجلوس أمامه .
يسقط قدح الشاي منه , مما يؤدي إلى ضجة , مرة أخرى يلتفت رواد المقهى نحوه ,
يسرع النادل في محو أثر الشاي والزجاج المتكسر .
فيعتذر الرجل الآخر قائلا : عفوا لم أقصد أن أفزعك .
ينظر إليه الرجل بوجهه الشاحب ويسرع في إخفاء يده تحت الطاولة , ثم يعيد وجهه
إلى الشارع .
ــ سأطلب لك شاياً . 
  عاد النادل وبيده قدحان من الشاي .
ــ  لماذا تحدق إلى الشارع ؟ 
ــ  ....
ــ رأيتك أكثر من مرة تدخل مرتبكاً ومحدقاً إلى الشارع .
ــ   ....
فيضحك الرجل ويقول : بالتأكيد أنت لست مجنونا .. فالمجنون لا يقود سيارة.
وعاد ليسأل : هل أنت هارب من شيء .
بسرعة البرق يحدق الشاحب بركن عينه نحوه ومن ثم يعود بها إلى الشارع .
كانت هذه النظرة كافية للآخر ليسأل مرة أخرى : مِمّ أنت خائف ؟ .

ــ لست خائفاً , يصرخ الشاحب ويضرب الطاولة ويهتز قدحا الشاي في مكانهما , مرة
أخرى يحدق رواد المقهى نحوهما  وان طال نظرهم  قليلاً .
فيبتسم الرجل ببرود , ويطلب منه الجلوس ويقول : اهدأ يا صاحبي ! , لمَِ أنت
غاضب ؟.
يكح الشاحب , ويحاول أن يكظم سعاله بكف يده ، يلتفت إلى الشارع , ثم يجلس , لكن
بعد أن يدير الكرسي وظهره عن الشارع .
يعلق الرجل على ذلك : آه .. الآن أفضل , لنتحدث قليلاً .
لهجته المتوترة مازالت واضحة في كلامه : نتحدث !!  لماذا ؟! من أنت ؟
ــ  صديق.
يدير الشاحب رأسه إلى الشارع , لكن لثوان قليلة .
ــ لماذا تنظر إلى المبنى القديم ؟
ــ لا تتدخل .. لا شيء يعنيك.
ــ اعتبرني صديقا .. تكلم! ما الذي يجعلك هكذا خائفاً ومرتبكاً ؟.
يحاول الخائف والمرتبك و الشاحب محو الصورة السلبية عنه , إذ  ينظر للرجل
بسخرية مصطنعة وابتسامة  باهتة ويقول : أنا خائف !! أنت تحلم .
يهز الرجل رأسه : كلّ منا يعيش الخوف في جسمه, مثلا أنا ومنذ فترة قريبة بدأت
أخاف من عبور الشارع , لعل سيارة تأتي وتدهسني . وقال العبارة الأخيرة بصوت
قاسٍ وحاد.
يضحك الرجل الشاحب لأول مرة: حقاً , وكيف ستكون حياتك إذن دون أن تعبر شارعاً .
يبتسم الرجل ويقول ببرود : رأيت يا صديقي , أنا مثلك خائف .
ــ قلت لك لست خائفاً .
يضم الرجل  يديه الى صدره ويقول :
ــ لنفترض أنك لست خائفاً , لنقل انك فقط قلق ! ما الذي يقلقك ؟ صدقني أنا هنا
لأساعدك , جربني .
يمرر الشاحب لسانه على شفتيه , ويحدق إلى المبنى القديم وكومة القمامة , ويقول
:
ــ هل ترى تلك القمامة التي في أسفل المبنى ؟
ـ نعم إني أراها , غالبا ما أمر أمامها .
ــ لن تصدقني .
ــ جرب .

ــ منذ أكثر من شهر بدأ يتبعني ويراقبني .
ــ من ؟
ـ هر !
ـ هر ,  قالها الرجل  بلهجة ساخرة.
يلتفت إليه الشاحب غاضبا : قلت لك بأنك لن تصدقني .
ــ بل أنا أصدقك , لكني لا أرى هذا الهر الأسود ..
ــ أسود .. لم أخبرك أنه أسود .. كيف عرفت أنه أسود.
ــ أهو أسود حقا! مجرد تخمين . أخبرني ما قصته.
ــ قلت لك إنه يراقبني منذ فترة, لكن اليوم لا أراه وهذا شيء غريب.
شرب الرجل الشاي دفعة واحدة . ووقف , ومن ثم استدار ليمشي , ناداه الرجل الشاحب
, وقال: هيه .. أنت أيها الغريب . ألا تصدقني ؟
ــ سأبقى مجنونا إذا صدقتك. هر يراقبك ! أأنت مريض؟! .
ــ أنا لا أكذب . وصمت للحظات ثم قال بصوت ضعيف وخجول : أنا خائف .
هز الرجل الآخر رأسه , ومشى مبتعدا عنه , فصاح الشاحب : إلى أين ؟
ــ سأعود , سأدخل الحمام .
وعاد  الشاحب ليحدق إلى أسفل المبنى القديم , ومن بين القمامة ظهر ذيل أسود ,
تحرك الشاحب في مكانه , ويخرج من بين كومة القمامة هر أسود , يدور حول نفسه ومن
ثم يقف ويحدق إلى المقهى, يرتعب الشاحب ويلتفت باحثا عن الرجل , فيركض نحو
الحمام باحثا عنه, لكنه لم يجده , فيخرج فيجده قادما من خارج المقهى , فيسأله :
أين كنت ؟
ــ ذهبت لأتصل , ماذا حدث ؟ لماذا أنت مرتعب ؟
جره الشاحب من يده إلى طاولته , وأشار إلى القمامة , ويهتف : انظر ها هو .
نظر الرجل الآخر وعلق ساخرا: أين ؟ لا أرى سوى كيساً أسود.
فيسقط الشاحب , ويتنهد قائلا : لقد رحل , لقد كان هنا .. ألا تصدقني ؟
ــ أصدقك . لكن اهدأ وأخبرني لماذا يراقبك هر أسود ؟
ـ لا أدري .. لا أدري .
ــ فكر ! لماذا يراقبك هر أسود ؟
ــ  لقد ..
ــ ماذا ؟.. أكمل !
ــ لقد حدث هذا منذ فترة طويلة .. لكن لا لا لا .. لا يمكن أن تكون هناك علاقة
بــ .. ويسكت
ــ قل ! ما الذي حدث ؟

ــ كنت شابا طائشا .. حدث أني دهست هراً أسود , لقد تعمدت أن أسحقه تحت عجلات
السيارة أكثر من مرة , لكن هذا كان قبل عشر سنوات .
اكتفى الرجل بتنهيده .
ــ  لكن وما علاقة هذا الهر بذاك الهر ؟
ــ لا أدري ! يمكن جاء لينتقم .
ــ أتسخر مني ؟
ــ لا .. دهست هراً أسود.. أسود .
وكرر كلمة أسود بصوت عميق .
ــ  ماذا تقصد ؟
ــ إنه شيطان .
فيقف الشاحب غاضبا ويصيح : أنت تسخر مني .
يصمت جميع رواد المقهى لثوان قليلة , ومن ثم تعود الحياة مرة أخرى  إليه ,
فيجلس ويقول هامساً : أنت تسخر مني !
ـ يا صديقي فكر ! هر اسود يراقبك منذ أسبوع !!
يقاطعه الشاحب مندهشا :
وكيف عرفت أنه قد مر أسبوع ؟!!
يهز الرجل كتفه دون مبالاة ويرد : أنت أخبرتني .
ــ لم أخبرك .
ــ مجرد تخمين أو لأني شاهدتك على هذه  الحال منذ أسبوع.
ينظر الشاحب إلى الشارع ويقول : حسناً .. ماذا أردت أن تقول ؟
ــ  إن الشياطين يختبئون خلف كلب أسود أو هر أسود .
ــ وبعد !!
ويقرب  الرجل وجهه  منه , فيقول بصوت  هامس : جاء لينتقم منك ..
يحاول الشاحب أن يضحك أو يصطنعها , لكنه يكظمها ويقول : هذا غير معقول .
ــ هذا لسوء حظك  لقد دهست أبا هذا الهر الشيطاني .
ــ وكيف عرفت أن الذي دهسته كان أباً له , لم لا يكون أخاً أو أختاً .
يتراجع الرجل قليلا إلى الوراء ويقول : مجرد تخمين .
ــ تخمين !! أنت تريد أن تخيفني .


ــ يا صديقي .. إن الشيطان له قدرة على تقمص أي شيء .. حتى الإنسان .
ــ إرحل من هنا .
ــ إهدأ .. سوف أرحل , لكن ألم تفكر ؟!
ــ بِمَ !!
ويشير الرجل نحو الشارع ويقول : أين الهر الآن ؟
يهز الشاحب كتفه وعيناه عالقتان بالشارع : لا أدري.
ــ إنه هنا .
ــ هنا ! فيتحرك الشاحب في مكانه ويبعثر بقلق وخوف عينيه على المقهى ..
ــ  نعم .. قلت لك الشيطان قادر أن يختبئ بجلد إنسان .. لماذا لا يكون هذا؟
ويشير الرجل نحو النادل , فيعلق الشاحب : هذا أعرفه منذ سنوات .
ــ حسناً ! لماذا ؟! ذاك الرجل الأسود !! إنه أسود!
يهز الرجل الشاحب  معترضا :
ــ لا .. لقد سبق أن رأيت هذا جالساً , والهر واقف تحت المبنى .
ثم يضيف : كما أني أعرف رواد المقهى , غالبا ما يدخله  الغرباء .
ــ مثلي تماما .
ينظر إليه الشاحب  ويكتفي قائلا\" : آه ..
يُقرب  الرجل رأسه  نحوه  : لماذا لا أكون أنا ذاك الهر الأسود ؟
ــ أنت تمزح ! قالها الشاحب وقد ارتسمت في وجهة ابتسامة مرتبكة.
ــ هر أسود صغير .. يرى والده تدهسه سيارة وتمزقه.. يكبر هذا الهر لينتقم
لوالده..
ــ وأين كنت قبل عشر سنوات  ؟! قالها الشاحب ساخراً ومرتبكاً.
ــ كنت أبحث عنك .
ــ أنت تريد أن ترعبني.
ينزع الرجل نظارته الشمسية ويقول :
انظر إلى عيني ... إلا تشبهان عيني الهر ؟
كان للرجل عينان خضراوان , يتراجع الشاحب إلى الخلف ويقول متشككاً :
ــ  كان أيضا لجدتي عينان خضراوان ولم تكن هرة .
يلبس الرجل نظارته , ويقف ويقول : سأعود .
ــ إلى أين أنت ذاهب ؟

ــ الحمام .
ويراقبه  وهو يلج إلى الحمام , ثم يشعل سيجارته , ويطلب من النادل أن يحضر له
شاياً آخر, يلتفت إلى الشارع ويجد الهر الأسود ينظر إليه من عند المبنى القديم
, يقف مذعوراً  لكن سريعاً ينجح في أن يخفي خوفه , ويلتفت إلى مدخل الحمام
وينتظر خروج الرجل , ومن ثم عاد لينظر إلى الهر وكرر هذا أكثر من مرة , ولمعت
عيناه وهتف يحدث نفسه : هل هذا معقول ؟
يضع النادل الشاي أمامه ويسأل: هل تحدثني ؟ لكن النادل لم يلقِ جواباً ويذهب
وهو يشير لزميله بحركة من يده في أن الرجل قد جن.
عاد الشاحب يحدث نفسه:\" أيعقل أن يكون الرجل هو الهر ؟ لماذا عندما يذهب يظهر
الهر اللعين ؟ وسكت . وعاد لينظر إلى الهر والهلع في وجهه .. قال أيضاً: كيف
يعرف الرجل أني أملك سيارة؟  وقد مضى على خوفي من الهر أسبوع ؟ وأن الهر كان
أسود.؟! هذا الغريب كأنه يعرفني, كان واثقا وهو يحدثني أن الهر الذي دهسته أبو
هذا الهر.\"
الهر مازال واقفا ينظر إليه , التفت الشاحب إلى باب الحمام وسأل نفسه : يذهب
إلى الحمام مرتين  في نصف ساعة. هذا غير معقول , كما أنه في المرة الأولى  كان
قادما من الشارع  , آه . وسكت .
ولمعت عيناه , وسأل نفسه : أيمكن  أن يكون هو الهر ؟ عيناه خضراوان  ! وتوهم
الشاحب أن عيني الرجل أمامه تقتربان وتقتربان  تطبقان عليه .
فينهض من كرسيه ويصيح : سأقتله .
فيهتز رواد المقهى لصرخته , ويخرج الرجل من جيبه سكيناً , ويصرخ وهو ينظر إلى
الهر :
ــ سأقتله .. سأقتلك .
ويركض إلى الشارع متجها إلى المبنى القديم  , رافعا يده إلى أعلى  وبين أصابعه
السكين , تدهسه شاحنة مسرعة وترمي به بعيدا نحو المبنى القديم .
تتوقف حركة السيارات , يركض الناس نحوه , ويلتفون حوله , يخترق أحدهم الحشد
ويهتف :
هذا الرجل أعرفه . . لقد كنا معاً منذ قليل .
ـ لقد مات .
ويضع احدهم  ثوبا ممزقا على وجه الجثة حيث كانت عيناه عالقتين على قمامة المبنى
القديم وهر اسود يدور حول نفسه: مياو .. مياووو .. مياووووو 

Please reload

© 2010 by sanadworld.com 

  • Twitter Clean
  • Grey Instagram Icon