الجمّيزة - بقلم أحمد محمد أحمد ابراهيم - مصر

لحظة بزوغ الشمس، وكل ناعس يستفيق، والارض شقتها بازغات النبت تكسوها خضرة على
امتداد ما ترى العين، والمصرَف الذي جفَّ أو كاد أن، في مائه الضحل انغمستْ
أرجل الفتية وأكفهم تعكر صفو ركوده ؛ فتُصّيره ماءً كالطين لا تحتمل انتشاقه
السمكات التعسات ممن بقين، فتصعدن قرب السطح ملتمسات ماءً أصفى لخياشيمها التي
ما أن يراها الصبية حتى تهجم أكفهم بسرعة لالتقاط صيدهم الهزيل.
الحُمُر على الطريق الترابي جواره مُحمّلين بالبرادع فارغات، مسرعين حينًا،
مبطئين مائلين على العشب آكلين ما تُرزقه أفواههم أحيانا، ومن خلفهم تأتي العصي
معيدة أحايين سرعتهم.
الطير يتنافس على الأقوات، هذي منطقة نفوذي تلك منطقة نفوذك، زقزقتهم الرقيقة
تحملها النسمات بين الأفرع والأغصان، فلا تدرك أيها الرائي إن كان اهتزازها
لحَطِّ وإقلاع الطير الرقيق أم لهبّاتِ أنفاس الصباح.
الجمّيزة هناك على جانب من الطريق تمتد أفرعها أمتارًا، يحملها جذع قوي، تضمن
ثباته جذورٌ تحتضنها الأرض بقوة صلابة طينها، تنظر إلى أغصانها فلا ترى أعشاشًا
لطير، وعلى الأرض المحيطة تنتثر ثمراتها، صفراء تميل إلى الاحمرار، رقيقة هشة
تشبه ثمار التين، تعد آكلها بلذة الطعم وحلو المذاق، لكن أحدًا لا يقترب، أحدًا
لا يأكل، فتبقى مكانها حتى تبتلعها الأرض..
من ثم تمتصها الجذور.
ليس في محيط الشجرة العظيمة أي نبات شق الأرض، وليس من أحد يستظلُ بظل أفرعها
الوارفة، والمورقة على مدار العام، حتى وإن ألهبتْ شمس ظُهرِ صيفٍ جلده.
يخرج الفتية عُراةُ الجذوع تباعًا، كل يُلملم صيده المتراقص، وهم بين متفاخر
بحجم إحدى سمكاته، ومتفاخر بكمية السمكات وإن صَغُر حجمها، وأكثرهم حظًا
وتوفيقًا من نال السمكات الأكبر والأوفر عددا، مُمنيين أنفسهم بوجبة تمتلئ منها
البطون الجوعى.. ليس من بينهم إلا (ناصر) ذا السنوات الأربع عشرة، بقى مكانه
وسط الماء الموحل؛ يُهيّج الطين الراكد من مكان إلى آخر، مُتتبعٌ أمله بالعثور
حتى ولو على سمكة وحيدة؛ يقدر بها على التبجح بكونه اصطاد.. لكن السمكة لا تجيء
إلا لتفر من بين يديه غير السريعتين، واللتين بدأتْ ارتعاشة تجد طريقها إليهما
عبر مشاعر غضب مجنون.
الشمس فوق رأسه ببطء تسلك دربها، رامية إلى التعامد على سطح الأرض؛ لتُسلّط
قدرًا أوفر من أسهمها الصفراء النارية على جذعه النحيل، ومع الوقت يحل به جوعٌ
وتعبٌ، لا يرأفان ببؤس حاله ولا يأس أمله، بينما السمكات غادرن مكانه منذ مدة
إلى بقعة راكد بها الماء، صافٍ بما يكفي لتتدبر خياشيمها أمره.
يغادر الماء الذي صيّرته الشمس دافئًا.. يغادر بقفزات سريعات إثر شعوره بسخونة
الأرض الترابية على بشرة قدميه التي لانتْ ورقّتْ؛ لطول بقائها في الماء، فلا
يجد حصنًا يلتجيء إليه هربًا من غارات الحرارة، إلا جذع الجمّيزة العجوز، مرحبٌ
به وواعدٌ إياه بصدِّ أسهم الشمس على درع من الغصون والأوراق الخضراء، الخشن
ملمسها.
رغم رعبه العظيم والارتجافة التي شملتْ جسده الضعيف، اختطف ملابسه محتميًا بحمى
الجمّيزة، بينما كل الهمسات المحذرة، والمتوعدة لمن يقترب منها، تتردد في أذنيه
من جديد، ينظر للجذع العجوز، والأفرع الممتدة كجناحين عظيمين لرُخٍّ يَحُطُّ
على الأرض؛ لالتقاط فريسة خرجتْ عن القطيع، وبات قنصها أسهل.
مُحاذرٌ من سحق أي الثمرات بقدميه، كمن يعبر حقلاً للألغام، خفَّ خطاه إلى
الجذع؛ يرقد تحته، يستظل بظلٍ سُمعته أحر من لظى الجحيم، تتقلص أحشاءه بقرص جوع
لا تأخذه رحمة ولا تجد الرأفة إليه سبيلا.
يستر جسده المبلل مستشعرًا برودة منعشة وغير طبيعية تحت ظل الجمّيزة، حتى
ملابسه التي كانت دافئة منذ لحظات باتت باردة، والأرض تحت قدميه ترابها أنعم من
ذرات الغبار، رقيق ملمسها مريح لقدميه المُتعَبَتين.
يستند بظهره على جذع الشجرة المهيب، مادًا رجليه أمامه، ورأسه مُلقى للخلف
يستند هو الآخر على جذعها، لحظات يلتقط أنفاسه مفكرٌ في بعد المسافة عودة إلى
بيته.. هل سيتحمل الجوع إلى أن يصل؟
وهل سيتحمل أن يعود من دون صيدٍ يُخرس به الألسن الساخرة، ويكتم الأفواه التي
ستلوك اسمه مرارًا!!
يفاجئه خاطرٌ منذرٌ بالخطر، فيتلفت حوله مرارًا، أأحدٌ بالقرب؟؟؟ أأحدٌ يراه؟؟؟
حمدًا لله.. ما من أحد يراه ليخبر أباه بجلوسه إلى الجمّيزة.
يبتسم معتبرًا نفسه انتصر على أترابه، بل أيضًا على من يكبرونه سنا.. انتصر على
البلدة الغارقة في جبنها منذ عشرات السنين.. هو وحده وُجدتْ في نفسه الشجاعة
ليجلس إلى الجمّيزة، يستظل بظلها، يستند على جذعها.
فهل سيجد ما يكفي من الشجاعة ليسد رمقه ببضع ثمرات مما أسطقتْ، أم أن تلك تكون
شجاعة الحمقى والمتهورين!!
يقرص الجوع أمعاءه بلا شفقة..
تثيره الثمرات الشهية والمشتاقة لآكل نهم..
فتحجمه التحذيرات التي تتردد في أذنيه من جديد.
أحدٌ لم يخبره بسر هذه الشجرة.. فلماذا يخفون سرها؟ أم أنهم لا يعلمون هذا السر
أصلاً؟ ربما أخفاه آباءهم عنهم، كما يخفونه هم عن أبناءهم.
يقع نظره من جديد على الثمرات الساكنة بوداعة على الأرض الترابية.. هل من سر
للجمّيزة من الأساس؟؟؟
بسرعة يتخذ القرار، بمعدة فارغة لا بعقل حكيم، فيتلفت يمنة ويسرة، أمامًا
وخلفًا.. ثم يختطف ثمرة قريبة ويلقيها في فمه من دون تفكير.. يستلذ بمذاقها
الحلو، وتزأر معدته مطالبة بالمزيد، فيزيدها من دون تردد.
ومع امتلاء المعدة يعود إليه عقله، فيستشعر ذنب ما اقترف، ويتذكر الأستاذ
(بكري) وشرحه لقصة سيدنا (آدم) عليه السلام.. الآن فقط يعرف كيف بدت لهما
عوراتهما..
كيف أن ورق الجنة لم يسترها..
فمن أية جنة سيُطرد هو!!
وإلى أي أرضٍ سيهبط!!
أغمض عينيه منتظرٌ مخالب الشياطين التي ستنهش لحمه، أو سعيرًا يلتهمه مرات
ومرات.
لكن شيئٌ لم يحدث.
يمد يده من جديد، ببطء هذه المرة، يتناول الثمرة.. ينظر للمصرَف ويفكر.. هل من
الضروري غسلها!! هل من الضروري أن يترك التراب الناعم وبرودة الهواء الرقيق!!
وهل إن فعل سيُحدث ماء المصرَف فارقًا، إن لم يزدها إتساخًا!!
يمسح الثمرة في ثوبه ببطء، ويقضم باستمتاع.
ثم يمسح أخرى، ويقضم بلذة.
وثالثة، بشهية..
بجشع..
بلا رغبة في التوقف.
ومع امتلاء معدته، يثقل جفناه لتأخذه سِنَة من النوم لذيذة.
* * *
إذ يُفيق تأخذه الدهشة أن يجد الظلام يكسو كل شيء، حتى نفسه التي كانت راضية
قبل أن يغفل، أمستْ مملوءةً بالغلِّ.. مملوءةً بالغيظ والحنق، ورغبة قوية في
الإنتقام.
إذ يحاول القيام يؤلمه صدره بشدة، يتخلى عن محاولته، متحسس موضع الألم في صدره
ليستشعر دفئًا ورطوبة يثيرا رعبه.. ينظر ليده فيُجنَّ.
ليس لكونها غارقة في دماءه، لكن لكونها ليست يده.. تلك اليد المعروقة، شديدة
السُمرة والخشونة ليست يده.
يلتفتُ إلى ملابسه.. ليس ذلك الجلباب الأسود الكبير جلبابه.. ولا ذاك الجسد
جسده.. ولا تلك العمامة عمامته، وهو لم يرتدِ العمامة في حياته.
يتلفّتُ بكل الاتجاهات.. كل شيء غريب، متى نمت حقول الذرة هذه!!
لمَ المصرَف مُمتليءً؟!
وكيف ابتعدتْ الجمّيزة إلى هذا الحد؟!
تفاجئه ذكرى غير مألوفة، إذ ينبش عقله بحثًا عمّا حدث..
هاهو يسير وخلفه حمارًا مُحمّلاً، راضيًا عن الدنيا رغم سيره على الأرض الخشنة
بغير خُفّين.. حقول الذرة بالقرب تمثل كل ما يخشاه القرويون في الليل، وما
يعشقونه في الصباح.
فجأة يظهرا من وسط الحقل الرهيب مُلثّمين، احدهما ملوحٌ بسكين ضخم، والآخر يحمل
البندقية الميري ذات الطلقة الواحدة.
بذعر يتساءل عما هنالك، وبصوت خشن يُجيباه بما يخشاه.. أن اترك حمارك بما عليه
فإنا له سارقون.
يتعلم بالتجربة أن الرجاء والاستعطاف لا يُجديان هنا، وهو لا يحمل سلاحًا وما
كان يومًا ممن يتورطون في شجار.
- ألا تتركا لي حماري!
- وكيف لنا بحمل بضاعتك إلا على حمارك!
ثم يمد أحدهما يده ساحبًا الحمار، بينما الآخر يصرخ فيه أن أخرج ما معك من مال،
وإلا انتزعناه من جثتك.
تمتد يده المرتعشة لتُخرج كل المال، لكن الجَشِع يهتف أن مازال هناك قرط ذهبي.
بعصبية يصرخ مولولا
- إلاّ هذا.. إلاّ القرط
يشعر بقضيب من نار يخترق صدره.
برعب ينتبه لخيط الدخان الرفيع المتصاعد من طرف ماسورة البندقية، والنظرة
المذهولة في عيني حاملها، الآن يتعرف عليه، الآن يـ...
يسقط على الأرض فاقدٌ للوعي.
- (حسان).. (حسان).. (حسان).
يتردد الاسم في عقله مرارًا وهو يجاهد ليستقيم على قدميه، محاولا الوصول
للجمّيزة العزيزة.. يعلم أنه لن يصل للقرية، لكنه بمزيدٍ من الجهد قد يبلغ
الجمّيزة؛ ليموت تحتها.
ترواده ذكرى جديدة، إذ يبلغ الجمّيزة شاعرٌ بأنها واحة الأمان..
بلا خُفّين، وبجلبابٍ أسود أيضًا يسير على ذات الطريق، لكن لا حقول ذرة هنالك
والمصرف جاف تمامًا، بيد أنه يسحب خلفه حمارين هذه المرة.. على أحدهما بضاعته
التي اعتاد شراءها من سوق المركز ليبيعها في قريته الصغيرة على ظهر حماره،
والآخر تمتطيه زوجته وبين يديها قطع من الأقمشة، أصرت أن تصطحبه إلى السوق
لشراءها بنفسها؛ كي تكسي بها طفلهما الذي سيولد عما قريب بعد انتظار طال.
ينظر إلى بطنها المنتفخ مبتسمًا، حين تفاجئه بصرخة ينخلع لها قلبه.. هذا ما كان
يخشاه، أن تلد وسط الطريق المهجور ليلاً، حيث لا مُعين إلا المُعين.
يُجلسها على الأرض التي كساها بأثواب القماش المزخرفة، تستلقي على ظهرها
ويتعالى من فمها الصراخ.
يشعر بالشلل يتمكن من تفكيره، والعجز يكُبّل يديه.. فيحاول التخفيف عنها داعيًا
ربه أن تمر الليلة بسلام، وبسلام تمر.
ورُزق طفلة جميلة.
بقي أن يَفي بالندر الذي ندره، حال رزقه الله بمولود.. ولدًا كان أو بنتا.
كان حماه يعشق الجمّيز، ومنذ عرف بحمل ابنته أصر على ألا تلد إلا في دار
أبيها.. ومن هنا ندر هو أن يزرع لحماه جمّيزة، حيث تضع زوجته مولودهما المنتظر
بالشوق والصبر الطويل.
كان يحسبها ستلد في دار أبيها.
فما كان منه والأمر كذلك إلا أن غرس اثنتين.. واحدة في دار حماه، والثانية
والأحب إلى قلبه كانت حيث سقط رأس وليدته..
وحيث تصعد روحه هو إلى بارئها.
الآن يستلقي تحتها بعد أن صار عمرها عامين، وقد كان يحلم بأن يُطعَم يومًا من
ثمرها إذا أثمرت..
وببطء تنغلق عيناه ويختفي بريق الحياة منهما.
وببطء تتشرب التربة الطينية دماءه اللزجة، فترتوي منها الجمّيزة، التي لن تؤتي
أُكلها قبل ثلاثة أعوام، ولن يُطعَمه أحدٌ قبل عشرات السنين.
* * *
بهدوء تعود إليه حواسه، ليجد نفسه مُمددًا على سرير صلب نوعًا، لكن مُريح،
وعينا أمه تُطل عليه بشفقة، وبحنان ترجوه أن يُفيق، فيُضيء وجهها بالفرحة حين
يتنهد، ويفتح عينيه.
يراها ترتمي عليه، تُقبّله وتمنع بجسدها يد أبيه الغاضب من الوصول إليه.
يصرخ أباه بالغضب، وتصيح أمه فرحة وسرورا.
و(ناصر) تحتها لم يعد يشعر بهما..
لم يعد يراهما..
يرى الشمس في الأفق تبتلعها كتل السحاب الأحمر، ككفن رهيب خضّبته الدماء..
يرى الجمّيزة..
يشعر بها، تُشعُ حرارةً وسط نسمات أول الليل الرطيبة.
يشعر بجذورها التي ارتوت بدماء غارسها..
يشعر بجذعها الذي استندتْ عليه جثته يومين وثلاثة ليالٍ.
يشعر بكل غصن وفرع وورقة وقتْ الجثة من أشعة الشمس الحارقة أثناء النهارين،
وحتى عُثر عليها في فجر الثالث.
يشعر بالجذور والجذع والأغصان والأفرع والاوراق والثمار.. مجتمعين، وكل على
حدة.. يشعر أنه هو الجمّيزة، وأن الجمّيزة هو..
ولمَ لا!!
ألم يأكل ثمرها فصارت جزءًا منه!!
ألم ترتوِ بدماءه فصار جزءًا منها!!
تتردد صورة واحدة، واسم واحد في كل خلية من جسده الذي أمسى ضخمًا.
صورة العينين المرتعبتين، وفوهة البندقية الساخنة.. واسم (حسان).
وأخيرًا يتحرك.. يشعر بجذوره تنتزع نفسها من الأرض الطينية.
يشعر بثماره تتمسك به خشية السقوط وقد آن أوان الانتقام.
يشعر بكل ثمرة على الأرض والندم يعتصرها أن سقطت قبل موعدها.
يمضي إلى القرية عبر الحقول المُخضرة.. يمضي شاعرًا بقوة وضخامة جسده.. بيد أنه
لا يترك أثرًا خلفه على الأرض الطينية.
يمضي إلى بيت يعرفه تمامًا، ويعرف ما سيفعله بأصحابه، مُدركٌ أن قاتله قد مات
ولابد منذ زمن بعيد، لكن له أبناءً، ولديهم أبناءً بدورهم.
فليحل انتقامه الذي طال أمده بالسلالة الملوثة بأسرها، فلا يُبق لها أثرا.
ثم يبحث عن الرجل الآخر.. مازال صوته يرن في أذنيه، وصورته ماثلة أمام عينيه،
والويلُ لكل من يشبهه صورةً..
أو صوتا.
 

Please reload

© 2010 by sanadworld.com 

  • Twitter Clean
  • Grey Instagram Icon